أخي الحبيب

في هذه الأيام تحن قلوب كثير من المؤمنين إلى بيت الله الحرام، ومن رحمته أن جعل موسم العشر الأوائل من ذي الحجة مشتركاً بين الحجاج وغيرهم ممن حبسه العذر، فـ(من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد ومن فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه) 1.

فضل العشر الأوائل من ذي الحجة

أقسم الله عز وجل في كتابه لشرفها وعظمها قال تعالى: والفجر وليال عشر قال ابن كثير رحمه الله: (المُراد بها عشر ذي الحجة) كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغيرهم وقال تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات قال ابن عباس: (أيام العشر) وهى جملة الأربعين التي واعدها الله عز وجل لموسى عليه السلام وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر. وفي البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “”ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” (يعني العشر)، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء””. وقد دل الحديث على أن العمل في هذه الأيام العشر أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا كلها من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده. قال الحافظ بن حجر في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز العشر من ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتي ذلك في غيره). وفيها يوم عرفة الذي أقسم الله عز وجل به في كتابه فقال: والشفع والوتر فهو الشفع وهو الشاهد لقوله صلى الله عليه وسلم: “الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة” 2، وهو أفضل الأيام ففي الحديث: “أفضل الأيام يوم عرفة” 3، وهو يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار والمُباهاة بأهل الموقف؛ ففي الحديث: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهى ملائكته فيقول ما أراد هؤلاء” 4. ففي الحديث “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والتي بعده” 5.

كيف نستقبل هذا الموسم العظيم؟

– بالتوبة الصادقة النصوح وبالإقلاع عن الذنوب والمعاصي؛ فإن الذنوب هي التي تحرم الإنسان فضل ربه وتحجب قلبه عن مولاه.

– كذلك تُستقبل مواسم الخيرات بالعزم الصادق الجادّ على اغتنامها بما يُرضي الله؛ فمن صدق الله صدقه الله، ونية المؤمن خير من عمله.

– من نوى الأضحية فعليه ألا يأخذ شيئاً من أشعاره وأظفاره منذ أول يوم في شهر ذي الحجة؛ ففي الحديث “إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يُضحّي فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يُضحّى” 6.

ما يستحب من الأعمال في هذه الأيام؟

– الصلاة

يجب المحافظة عليها في جماعة والتبكير إليها والإكثار من النوافل وقيام الليل؛ فإن ذلك من أفضل القربات؛ ففي الحديث: “عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك خطيئة” 7.

– الصيام

لدخوله في الأعمال الصالحة؛ ففي المسند والسنن عن حفصة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر”. وفي سنن أبي داود عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم “كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر”، وكان عبد الله بن عمر يصومها، قال الإمام النووي عن صوم أيام العشر أنه مستحب استحباباً شديداً.

– القيام

مُستحب وكان سعيد بن جبير إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه، ورُوي عنه أنه قال: (لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر) تعجبه العبادة.

– الإكثار من الذكر والدعاء

ففي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد”.

عن ابي هريرة رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ “لَيْسَ شَيْءٌ أكْرَمَ على اللَّهِ تَعالى مِنَ الدُّعاء” 8.

– سرورٌ تدخله على مسلم

فعن جعفر بن يزيد، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال عليه الصلاة والسلام: “ما أدخل رجلٌ على مؤمنٍ سروراً إلا خَلَقَ الله عزَّ وجل من ذلك السرور ملكاً يعبد الله عزَّ وجل ويوحِّده، فإذا صار العبد في قبره، أتاه ذلك السرور فيقول: أما تعرفني؟! فيقول له: مَن أنت؟ يقول: أنا السرور الذي أدخلتني على فلان، أنا اليوم أونس وحشتك، وألَقِّنك حجتك، وأثبتك بالقول الثابت، وأشهدك مشاهدك يوم القيامة، وأشفع لك إلى ربك، وأريك منزلتك في الجنة”.

فضل الأضحية وثوابها

“ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً” 9.

وفي الحديث “سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأضاحي: فقال: “سنة أبيكم إبراهيم”، قالوا: “ما لنا منها؟” قال صلى الله عليه وسلم: “بكل شعرة حسنة”. قالوا: “فالصوف؟”، قال صلى الله عليه وسلم: “بكل شعرة من الصوف حسنة”” 10.

فالبدار البدار أخي الحبيب،

أيام مباركة فيها من العطاء المولوي الكريم لعباده المؤمنين، فرصة لتنسم عبق الأنس الرباني وتذوق حلاوة القرب منه سبحانه، أيام مقرونة بشعيرة الحج لنشارك ضيوف الرحمن وهم على عتبات الكعبة والبلد الحرام معاني التوبة والبكاء على الله والدعاء، فبشرى لعبد تذكر واعتبر وتفكر واتعظ وأيقظ مشاعره فاغتنم وأقبل بكلياته على طلب مولاه.

اللهم أنهض هممنا إليك لطلب ما عندك، وحقق رجاءنا بقربك، ولا تجعلنا من المحرومين.

آمـين.


[1] ابن رجب رحمه الله.
[2] الترمذي وأحمد رحمهما الله.
[3] ابن حبان رحمه اللهفي صحيحه.
[4] صحيح مسلم رحمه الله.
[5] صحيح مسلم رحمه الله.
[6] صحيح مسلم رحمه الله.
[7] مسلم رحمه الله.
[8] الترمذي وابن ماجه رحمهما الله.
[9] رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن.
[10] أخرجه ابن ماجة والترمذي رحمهما الله.