كيف هي القلوب والعقول والجوارح السائرة إلى لقاء الله عز وجل سبحانه طوعا وكرها إذا تسارعت الأحداث الكبرى واستأسد الاستكبار العالمي والمحلي المستفرد غصبا بخيرات الأرض، المحتكر جهارا نهارا للصواب والحق، الناعت ما سوى تعريفاته ورؤاه بما طاب له من أوصاف التشدد والإرهاب والظلامية والانفصالية…؟

كيف هي القلوب البالغة الحناجر إذا رأت التواطؤ واضحا بين أصحاب القرار المحلي وحكام الكوكب الفعليين على استعباد الناس ونهب ثرواتهم بغير حق واحتقار آدميتهم التي كرمها الله عز وجل سبحانه؟

بأية نفسية وبأية إرادة يكون سعينا الفردي والجمعي ونحن نرى الحصار يشتد على أهل الحق بعد أن أخرجوا من ديارهم في فلسطين وغير فلسطين وأوذوا وقتلوا وهم العزل المسالمون حتى يقول المطارَد منهم أين المفر والضغط على الدول المناصرة للمستضعفين يزداد ويشتد برا وبحرا وجوا؟

لن نكون في الموعد دون شك إن أشحنا بعيوننا وقلوبنا عن كتاب الله عز وجل.

 نخلف موعدنا حتما مع مرتبة التكريم الربانية للإنسان إن داخلنا الشك قيد أنملة أن الأحداث مهما عظمت وتشابكت إنما خرجت إلى الوجود بإذن الله عز وجل سبحانه وتقديره… إن داخلنا الشك قيد أنملة أن القرآن الكريم كلام الله عز وجل الذي لم يفرط فيه سبحانه من شيء.

1-      حتى لا يحجب غربال التضليل الإعلامي شمس يقينيات القرآن الكريم الساطعة

ثمة حقائق قرآنية مبينة عن سيرورة المجتمعات والأمم لا تخفى على أي متدبر سوي. ..

حقيقة أولى بسيطة وعميقة يقررها مثل قول الحق سبحانه عز وجل: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، إن إلى ربك الرجعى العلق 6-8، وقوله كذلك في سورة الإسراء:  وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا الآية 16.

يسمي القرآن الكريم الظلم طغيانا وفسقا.

ثمة إدانة قرآنية واضحة للظلم وتسمية له وتفصيل في أصنافه ونتائجه ومآلات أهله والراضين به…

لأمر ما صدر الحبيب المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم آخر خطبة في أكبر تجمع للمسلمين قبيل الالتحاق بالرفيق الأعلى عز وجل سبحانه في الدار الآخرة، صدر عليه الصلاة والسلام الخطبة بتعريف نبوي جامع مانع للظلم مشفوع بتقبيح شديد وتحذير ليس مثله تحذير.

قال عليه الصلاة والسلام في بداية الخطبة “أيُّها النَّاسُ، اسمعوا قولي، فإنِّي لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعدَ عامي هذا، بِهذا الموقِفِ أبدًا. أيُّها النَّاسُ، إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليْكُم حرامٌ، إلى أن تلقَوا ربَّكم كحُرمةِ يومِكم هذا، وَكحُرمةِ شَهرِكم هذا، وإنكم ستلقونَ ربَّكم، فيسألُكم عن أعمالِكم وقد بلَّغتُ، فمن كانت عندَهُ أمانةٌ فليؤدِّها إلى منِ ائتمنَهُ عليْها وإنَّ كلَّ ربًا موضوعٌ، ولكن لَكم رؤوسُ أموالِكم، لا تظلِمونَ ولا تُظلَمونَ قضى اللَّهُ أنَّهُ لا ربًا وإنَّ ربا العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ موضوعٌ كلُّهُ، وإنَّ كلَّ دمٍ كانَ في الجاهليَّةِ موضوعٌ، وإنَّ أوَّلَ دمائكم أضعُ دمَ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطَّلب- وَكانَ مستَرضَعًا في بني ليثٍ، فقتلتْهُ هُذيلٍ- فَهوَ أوَّلُ ما أبدأُ بِهِ من دماءِ الجاهليَّةِ.” رواه الإمام مسلم رحمه الله ورويت الخطبة في أحاديث صحيحة أخرى متفرقة.

إعلان نبوي “كوني” واضح قبيل اضطجاع الجسد الشريف بالروضة الشريفة المباركة على ساكنها الصلاة والسلام يقر بحق الفرد العابر للدنيا في ماله وحياته ويشدد على شناعة سلب الناس مهما كان دينهم حقوقهم في التملك والحياة والكرامة…

يبدو غربال التعتيم الإعلامي المأجور مضحكا قبيح الصورة وهو يحاول عبثا إخفاء ما يرتكبه المستكبرون من ظلم بترسانة لغوية من قبيل أن لا أخلاق في الصراع السياسي وألا معطيات كافية للحكم على هذه النازلة أو تلك أو أن المصالح العليا تقتضي تحاشي الكلام عن الشفافية والوضوح في تدبير وصرف الأموال والممتلكات العامة وهلم جرا.

يسعى الغربال البئيس وأصحابه عبثا إلى خلق واقع في أذهان ضحاياه يكون فيه الفاعل الحق غير الحق سبحانه عز وجل ويكون فيه الظلم أمرا نسبيا صعب الإدراك ويكون فيه الركون إلى الذين ظلموا واستكبروا عين العقل وقمة الواقعية. واقع وهمي يكون فيه الشاهد بالقسط المنكر للظلم أعزل من تأييد الله عز وجل ونصره وولايته، ويكون فيه الحفظ والتيسير في أمور الدنيا لمن سبح بحمد الطاغوت وهلل لجوقة الظلم وروج لاحتقار آدمية الناس والاستخفاف بعقولهم.

في كتاب الله عز وجل الظلم فعل بشري يراه الله عز وجل ويجازي مرتكبيه والراضين به في الدنيا والآخرة.

لنمسك إذن الإدانة القرآنية المطلقة للظلم والتعريف النبوي البسيط الجامع المانع له ولنحذر من التطبيع مع صناع الوهم والالتفاف على المسميات والمفاهيم حتى لا نرمي بقلوبنا في جحيم الحيرة بعيدا عن جنة تدبر القرآن الكريم والاسترشاد به والسير على هديه ونوره.

حقيقة قرآنية ثانية هي من العمق والأهمية حتى يكاد المتدبر يجزم أنه لا يخلو حزب من كتاب الله عز وجل من التأكيد عليها مرارا.

 لأمر ما يشغل القصص الحق، أو الرواية الربانية لأحداث منتقاة من الكدح البشري إلى رب العالمين، يشغل أكثر من ثلثي القرآن الكريم؛ ما معنى أن يختار الحق سبحانه تجارب بشرية مكتملة انتقل الفاعلون فيها إلى الدار الآخرة ويرويها سبحانه بلسان عربي مبين ثم يشفع ذلك بتقريرات من قبيل: وكذلك ننجي المؤمنين الأنبياء 88، كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر جبار غافر 35، ووالله غالب على أمرهيوسف 21، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا الأحزاب 62 وكذلك نجزي المحسنين الأنعام 84، ولا تكن كصاحب الحوت القلم 48، قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حسابآل عمران 37… هكذا يطمئننا القرآن الكريم ويؤكد لنا عقب كل حكي لقصص من سبقونا أننا لسنا بدعا من الناس وأن القواعد والخلاصات والقوانين والسنن التي تستنبط من الرواية الربانية لتلك الأحداث أو التي تصرح بها الآيات تسري على واقعنا الجمعي وعلى عبورنا المؤقت للدار الفانية.

نختم بحقيقة ثالثة مكملة لما سبق.

فإذا كانت إدانة الظلم وتعريفه واضحين في كتاب الله عز وجل وإذا كان الإخبار بثبات السنن ثابتا صريحا في كلام الحق سبحانه فإن كون الظلم يخفي بذور هلاكه بين طياته من أوضح السنن الكونية وأكثرها ورودا في آيات الكتاب المبين.

ليس الهلاك والدمار والصغار اللاحق حتما بالظالمين على اختلاف تشكيلاتهم إعلانا عن انتهاء صراع حزبي ينتصر فيه الأشطر والأكثر تنظيما. ليس كذلك حتمية تاريخية متعلق تحققها “حصريا” بدرجة الاحتقان ونسبة الوعي الجمعيين لمن يقع عليهم الظلم. ليس البتة متعلقا بالضرورة بأفول نجم القوى الداعمة للطغيان محلية كانت أو “كونية”. قد تنتفي كل هذه العوامل وتظهر على الساحة نقيضاتها وأضدادها ويحيق الصغار والدمار بالراسخين في الظلم من حيث لم يحتسبوا إحقاقا لسنة الله التي لا تحابي أحدا.

شاء الله عز وجل وهو الذي خلق الخلق وسن السنن أن يكون بناء الظلم معدا للخراب والهزيمة بطبيعته وأن تكون قضية المظلوم قضيته هو سبحانه وأن يكون ارتكاب الظلم إعلانا للحرب عليه هوعز وجل وأن يكون أجل البطش الدنيوي المعد للظالم من اختصاص رب العالمين وقاسم الجبارين: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا الكهف 58.

حقائق أخرى لا نهاية لها كما لا نهاية لكمال المتكلم سبحانه تزخر بها الآيات لمن تدبر وصدق في الطلب. ورحم الله علماءنا على ما أفنوا من الأعمار لتفسير القرآن الكريم وحراسة معانيه وتسييج تدبرنا نحن اللاحقين بسياج العلوم النافعة المحكم ضبطها الضاربة جذورها في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وسيرته من جهة وفي علوم اللغة العربية وحقائقها وكنوزها من جهة ثانية.