الحمد لله والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الأمجدان على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه وسلم تسليما وبعد، فإن للعبادات أسرارا وحكما ومقاصدَ انبرى الجهابذة من الأمة لتجليتها وإيضاحها إقناعا للمكلف بالحكم الشرعي، وإخراجا له من طوق التحيل عليه، لأنه كلما كان الإيمان بالحكم عميقا كلما كانت الإرادة لتنفيذه قوية، لذا تجد الألباء من الأمة غير منحصرين في رسوم الشريعة ومبانيها بل تَلفاهم فزعين نحو الأسرار والجواهر فضلا عن الظواهر، ومستشرفين رحاب المعاني التي هي أولى عندهم من المباني، وبما أن وقت الحج قد أزِف موعده واقترب أوانُه فإني أحببت الكشفَ عن بعض أسراره، ومقاصد الشارع منه، من تلكم الأسرار والحِكم:

1. الحج تخفيف من وطأة الحب عند العاشقين

وذلك أن صلة الإنسان بالله ليست بصلة خشيبة جامدة بين حاكم ومحكوم وآمر ومأمور، ولَمْ تكن أبدا علاقةَ فعلٍ لجوارحَ فقط، بل هي صلةُ حب ووُد وشوق إليه، وهذا هو سرُّ الامتثال والاندفاع لترقي منازل الإحسان صعودا، قال تعالى: والذين آمنوا أشد حبا لله وهذا الحب المتأجج في القلوب لا تسكن جَذوتُه إلا بمُشَاهَدٍ يوجِّه المحب إليه أشواقَه، ويقضي به حنينه ويذَكِّرُه بالمحبوب سبحانه، فاقتضت حكمة الله تعالى عز وجل أن يختار أمورا ظاهرة محسوسةً اختَصت به، ونُسبت إليه، وتجلت عليها رحمتُه، بحيث إذا رُئِيت ذُكِرَ الله، وسماها شعائر الله، وجعل تعظيمَها تعظيمَه، والتفريطَ في جَنبها تفريطا في جَنبه، وهكذا كان البيت العتيق وما حوله من شعائر الله والحجُ وما فيه من مناسك -خيرَ ما يحقق رغبة المحب، ويسلي حنان العاشق- قال تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق.

يقول حجة الإسلام في ذلك: (فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يُشَوِّقُه إلى أسباب اللقاء لا محالة، هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ما له محبوبه إضافة -والبيت مضاف لله عز وجل، فبالحري أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة، فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل-) 1.

2. الحج قومة على العوائد الرتيبة والأعراف السميكة

إن الإسلام انعتاق من أسْر الشهوات، وأصفاد العادات التي تُقيد الإنسان، فالصوم مثلا ما هو إلا قومة على عوائد التخمة وامتلاء المعدات، ولكنها قومة محدودة بزمن، رغم ما يحس به الصائم من سعادة روحية ورحمات وفيوضات ربانية في ذاك الشهر المبارك، أما الحج فهو قومة عظيمة ممتدة زمنا، فيها ينخلع المسلم من حصار المدنية، وعوائد اللباس، وتَحكُّم الفوارق الزائفة، وينسلخُ من عالمه المألوف المرسوم المصنوع إلى عالم الحرية وعالم الحب والشوق والهيام، والتحرر من الرق، والكفر بالقوميات والوطنيات وتمايز الأعراق والأجناس، والسكون إلى وحدة الشهود 2 ووحدة الإنسانية ووحدة العقيدة – لتجد الناس كلَّهم قائمين صارخين بدَوِيٍّ واحد وصوت بديع قوي: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.

3. الحج استسلام كلي للمحبوب وخضوع مطلق له

إن من أَسَرته مدنيته، وتسلطت عليه آلهة العوائد، وملكته المألوفات والشهوات، فإنه لا حريةَ له ولا انعتاق لديه، لاسيما مَن كان يَزِن كل شيء بعقله، ولا يَنشط لعمل، بل لا يمتثل لأمر إلا بعد حساب مادي دقيق، شأن عُبَّاد العقل والمادة، لكن الحج بوصفه الغامض المُغاير للمألوف، تحَدٍّ لأسارى النُّظم، وأرِقاء الترتيبات، ودعوةٌ للاستسلام المجرد والإيمان بالغيب، والخضوع المطلق لمراد المحبوب عز وجل، بدون طلب برهان، أو استناد إلى منطق أو دليل عقلي -وهذا الخضوع المطلق للأمر، والاستسلام الكلي لمقتضاه بتجرد عن بيان الحكمة- هو كمال رِقِّ الإنسان ومنتهى عبوديته للإله الأعظم سبحانه.

يقول الإمام الغزالي: (ووضع البيت على مثال حضرة الملوك، يقصده الزوار من كل فَجٍّ عميق، ومن كل أوْب سحيق، شُعثا غبُرا، متواضعين لرب البيت ومستكينين له، خضوعا لجلاله واستكانةً لعزته، مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يَحويَه بيت أو يكتنِفَه بلد – ليكون ذلك أبلغَ في رِقهم وعبوديتهم، وأتمَّ في إذعانهم وانقيادهم، ولذلك وظَّف عليهم فيها أعمالا لا تأنسُ بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرجم الجمار بالحجار، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمالُ الرق والعبودية، فإن الزكاةَ إرفاق، ووجهَه مفهوم، وللعقل إليه ميل، والصومَ كسرٌ للشهوة التي هي آلة عدو الله، وتفرغ للعبادة بالكفِّ عن الشواغل، والركوعَ والسجودَ في الصلاة تواضعٌ لله عز وجل بأفعالَ هي هيئة التواضع – أما ترددات السعي ورمي الجمار، وأمثال هذه الأعمال لا حظَّ للنفس فيها ولا أُنس للطبع فيها ولا اهتداءَ للعقل إلى معانيها – لأن كلَّ ما أدرك العقل معناه، مال الطبع إليه ميلا ما، فيكون الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحج على الخصوص: “لبيك بحجة حقا، تعبدا ورِقَّا” ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها، وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالُهم على سَنَن الانقياد، وعلى مقتضى الاستعباد، كان ما لا يُهتدى إلى معانيه أبلغَ أنواع التعبدات في تزكية النفوس، وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق) 3.

4. الحج سلوك واقعي لطريق الإرادة

لما كان الحاج محبا لخالقه، فهو طوع إشارة، ورهين أمر، ها هو ذا متقلب بين مكة ومنى، وعرفات والمُزدلفة، ثم مِنًى ومكةَ، مقيم ومرتحل، ماكث ومنتقل، مخيم ومقلع، ليست له إرادة ولا حُكم، وليس له اختيار ولا حرية، ينزل بمنى فلا يلبث أن يُؤمرَ بالانتقال إلى عرفات، من غير أن يقف بالمزدلفة، ويقف بعرفات ويظل سحابة النهار مشتغلا بالدعاء والعبادة، وتحدثُّه نفسه بالمكث بعد الغروب ليستجم ويستريح فلا يُسمح له بذلك، ويؤمر بالانتقال إلى المزدلفة، ويقضي حياته محافظا على الصلوات في وقتها، ولكنه هاهنا يؤمر بترك صلاة المغرب في عرفة، لأنه عبد لربه، وليس عبدا لصلاته وعاداته، فلا يصليها إلا بالمزدلفة جمعاً مع العشاء، وتطيب له الإقامة في المزدلفة، فيريد أن يطيلها، فلا يُسمح له بذلك ويؤمر بالانتقال إلى منى، وهكذا كانت حياة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وحياة الأنبياء، وحياة المحبين المؤمنين والأصفياء الوارثين، حياةَ نزول وارتحال، ومُكثٍ وانتقال، وعقد وحل، ونقض وإبرام، ووصل وهجر، ولا خضوعَ لعادة، ولا إجابة لشهوة ولا اندفاع لهوى.

5. الحج انجماع على الله وتشبه بالأصفياء الماضين

فالمكان والزمان يحكيان قصةَ الوُد والولاء والإخلاص والوفاء والإيثار والفداء التي قام بها الأنبياء والمرسلون والموحدون المخلصون والمحبون المتفانون في عصورهم، فإذا حضر المحب للقيام بنفس المناسك التي قام بها أسلافه، فإنه انتَظم في سِلكهم بنَسك مناسِكهم، وشُهود مشاهدهم، واحتذاء حذوهم، وترسُّم خطاهم – لأنهم من قبل طافوا حول البيت نفسِه، وسعوا بين الصفا والمروة نفسها، ووقفوا بعرفات وباتوا بالمزدلفة ورموا نفسَ الجمرات ونسكوا في منى، فمن أتى إلى الحج فإنه يحكي رواية الحب الإلهي، ويتنسم الجو الفائض والحنانَ الذي عاشه الأصفياء في نفس الزمان والمكان، فإِنْ زاد على هذا المجيء المنفرد للحاج قدومُ وفود أخرى من الحُجَّاج ففي ذلك انجماع على الله بأجواءِ الإيمان والإيقان مثل أجواء الرُّبُط والنصائح المباركة، لما يُحدثه الدعاء والذكر والتلبية والاستغفار من حياة للقلوب الخامدة، وتحريكٍ للهمم الفاترة، بل فيه استمطار لرحمات المولى عز وجل، ونزول للفيوضات الرحمانية بسكب العبرات وإقالة العثرات.

يقول حجة الإسلام الإمام الغزالي: (فإذا اجتمعت هِممهم، وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله سبحانه أيديهم، وامتدت إليه أعناقُهم، وشَخَصت نحو السماء أبصارُهم مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة فلا تَظنَّ أنه يُخيِّب أملَهم ويُضيع سعيَهم، ويَدخِّر عنهم رحمةً تغمرُهم) 4.

ومن أبواب الطهارة النفسانية: الحلول بموضع لم يَزل الصالحون يعظِّمونه ويَحِلُّون فيه ويَعمُرونَه بذكر الله، فإن ذلك يجلب تعلُّق هممِ الملائكة السُفلية، ويَعطِف عليه دعوةَ الملأ الأعلى الكُلية لأهل الخير، فإذا حَلَّ غلب ألوانُهم عن نفسه 5.

وانجماع المسلمين على الله في الحج اغتراف من مشكاة صحبة أصفياء بني آدم ورسل الله تعالى، فتقليد المحبُّ لإبراهيمَ عليه الصلاة والسلام في رميه للجمرات، ولرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في طوافِه وسعيه ووقوفه بعرفات، سَيَران دافِق لنور محبتهم، وانتظامٌ في سلك صُحبتهم، وانتقال لعدوى الحب، واتصال بالمنبع الأول الذي تجري منه جداول الإيمان والتصديق والمحبة والتحقيق، وليس لمن ذاق حلاوة الإيمان منظر ألذ من منظر تقليده أصفياءَ بني آدم والمحبين الخالدين عليهم الصلاة والسلام، إذ هو تمثيل لشعائر قاموا بها آلاف السنين فأفاض الله عليها طابعَ الخلود، وطلبَ من جميع المحبين والمخلصين إعادتها وتمثيلها، ألا ترى كيف خَلَّد الله عز وجل حركة “هاجر” المؤمنة في بحثها عن الماء بين جبلين، وهي حركة اضطرارية، فجعل سبحانه هذه الحركة ركنا في الحج، يُكلَّف بها أعظم العقلاء، تبركا، وأعظمُ الفلاسفة والنبغاء، تأسيا، فلا يتم نُسُكهم إلا بالسعي بين هذين الجبلين اللذين هما ميقات كل محب، وغاية كل مطيع واقتداء بأم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

6. الحج عاصم للدين من الاندراس

فإذا كانت مرحلة الخلافة الراشدة هي المعيار الإيماني والسياسي الحق لهذه الأمة، والمَرجِع الحقيقي لشَرعية أيِّ نظام، لأن ما أتى بعدها من عَضٍّ أو جَبْرٍ فهو زائف لا يُلتفت إليه، وكاذب لا يعتمد عليه، فكذلك الحج هو مرجع للملة الإبراهيمية الحنيفية، وأصل للشريعة المحمدية السمحة، لأنه ينفي عن الدين تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وخرافةَ المخرفين، وسطحِيَّةَ السطحيين. ففي الحج قياس للنِّحل المستحدثة، والملل الزائفة والثقافات المستهجنة التي قد تجرف الأمة، فتنبري أصولُه لشَدِّ عُرى الدين، ودحضِ التوجهات والرؤى المخالفة لشريعة الرحمة ودين التيسير.

ألا ترى كيف يُرد المسلمون كلُّهم باختلاف شخصياتهم وأعراقهم ولغاتهم وأوطانهم إلى وحدة الدين وتماسك الملة بانسكاب الإيمان في قلوب أفرادها، فتزول مؤثراتهم الإقليمية والمحلية بمعيار الحنيفية الإبراهيمية والصبغة الإسلامية المحمدية، لتبقى راية الدين خفاقةً وتندرسَ الفوارق البشرية في ركن سحيق، فلا تجد سوى لباسٍ واحد (الإحرام)، وأشودةٍ واحدة خالدة (التلبية) ووقفةٍ واحدة انضباطية (الوقوف بعرفة) ومشي واحد دقيق نحو غايتين مشتركتين (الصفا والمروة)، وقصد واحد وهو الله عز وجل سبحانه.

ومادام الحج فريضةً باقية إلى يوم القيامة، فالمسلمون بحمد الله لن تبتلعَهم القوميات والنعرات والعصبيات كما ابتلعت أمما كثيرة، ولا يصبحون ضحيتها، إذ لا قبلة عندهم سوى قبلة الحج التي يتوجَّه إليها الشرقي والغربي والعجمي والعربي، قال تعالى: وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

7. الحج برهان على قيمة المصحوب الأعظم صلى الله عليه وسلم ومَن ساروا على هديه الكريم من الأولياء

عندما يتوجه المسلم الذي اكتسب نورا بأدائه مناسكه إلى مدينة النور، سيكتسي حُللا من نور بزيارته للنُّور والسراج المنير صلى الله عليه وسلم، فتجده متألقا بالإشراق والوضاءة والطهر والنداوة، متذكرا مسجده عليه الصلاة والسلام الذي فيه تربى الجيلُ الخالد، وانغرست الصحبة مع الذكر في نفوس الصَّاحبين، وابتلَّت تربتُه بدموع المحبين ودمائهم، فلا ريب أن تكون الصلاةُ فيه خيرا من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرام 6.

وكذلك شهود المواطن التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وحضورها فيه إظهار للسنة بل هو برهان على المحبة وإعلان عن الاقتداء، فإذا وقف الحاج في نفس المواقف التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم والشهداء والصديقون والسابقون الأولون، فإن إرادةَ احتذائه ستنبعث، وعزيمةَ سيره على المنهاج الذي ساروا عليه والطريق الذي سلكوه ستُشحذ، بل في ذلك استمداد للصدق والإيمان وحب الرسول الكريم والجهاد في سبيل الله.

وإنه لفخر عظيم ومرتبة في الدين سامقة أن يقترب المحب من سيد الخلق ونور الحق صلى الله عليه وسلم ليصلي ويسلم عليه برفق، مخاطبا إياه بأدب أنه سائر على منهاجه، مصاحِب لِمن صحبه، هادف لإعادتها خلافة على منهاج النبوة!


[1] إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (1/24).
[2] وحدة الشهود هي أن يعيش المرء في مشاهدة دائمة لله سبحانه، وهي حقيقة الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
[3] نفس المصدر (1/240).
[4] الإحياء (1/243).
[5] حجة الله البالغة لولي الله الدهلوي (1/59).
[6] متفق عليه.