عن أبي مالك الأشعري أنه قال: لما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاته أقبل علينا بوجهه. فقال: “يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا. إن لله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على منازلهم وقربهم من الله”. فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى بيده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، ناس من المؤمنين ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم. انعتهم لنا، حلهم لنا – يعني صفهم لنا، شكلهم لنا – فسر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي، فقال: “هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا. يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. رواه كله الإمام أحمد والطبراني بنحوه وزاد “على منابر من نور من لؤلؤ قدام الرحمان” ورجاله وثقوا. وفي رواية: قال: يا رسول الله سمهم لنا. قال: فرأينا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: “إن لله جلساء يوم القيامة عن يمين العرش – وكلتا يدي الله يمين – على منابر من نور، وجوههم من نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء ولا صديقين”. قيل يا رسول الله من هم؟ قال: “هم المتحابون بجلال الله تبارك وتعالى”. رواه الطبراني ورجاله وثقوا.

وعن أبي سعيد الخدري رضوان الله عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن المتحابين في الله تعالى لترى غرفهم في الجنة كالكوكب الطالع الشرقي أو الغربي. فيقال من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله عز وجل”. رواه أحمد برجال الصحيح (انظرمجمع الزوائد).

المحبة في الله شأنها عظيم، يكفي من عظمتها أن الكلام فيها والسؤال عنها سر له وجه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وتهلل به. أما إذا علمنا أنها من أكبر الأسباب التي تنيل العبد محبة الله جل وعلا وتقربه منه، فذاك شيء تعجز العبارات عن الإفصاح عن بعض جوانبه فضلا عن فهم عمق معانيه ومضامينه. ونحن نرجو من ربنا الكريم أن يكون كلامنا هذا وقراءتنا هذه وتدارسنا هذا، مما يفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغبطه، فيرضى عنا ويحبنا.

فقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل. فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل عليه السلام، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض”.

حب الله السابق منه إلى عباده أعظم رزق يتكرم به عليهم سبحانه، أما إذا جمعت هذه المحبة الإلهية الملقاة على هؤلاء المحبوبين، فصاروا به متحابين فيه، ثم فاضت عليهم وسرت بينهم وشاعت، وخرقت أسوار المكان وتخطت حدود الزمان، فألفت بين السابق و اللاحق، ولاقت بين الروح والروح. فليس لنا إلا أن نحمد الله تبارك وتعالى على ما أكمل من نعم، وأعظم من منن.

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن أرواح المؤمنين لتلتقي على مسيرة يوم، ما رأى أحد منهم صاحبه قط”. رواه أحمد و الطبراني.

ولتزداد أواصر هذه المحبة قوة وحبالها متانة، رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم المتحابين في بذل الجهد في الحفاظ على هذا الرزق، وأكد على حمايته وإخلاص النية فيه.

فعن أبي الدرداء رضوان الله عليه يرفعه قال: “ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبا لصاحبه”. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، غير المعافى بن سليمان وهو ثقة.

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أحب رجلا لله فقد أحبه الله. فدخلا جميعا الجنة، وكان الذي أحب لله أرفع منزلة, ألحق الذي أحبه لله”. رواه الطبراني والبزار بنحوه بإسناد حسن.

وكما أن الأشياء تجوع وتعطش وتفقد حياتها ووجودها إذا أهملت وتركت ولم تطعم ولم تسقى، فكذلك الأمر بالنسبة للمحبة. فمن اللازم لتجديد حياتها وامتداد بقائها تغديتها بما اشترط لها الله ورسوله من تزاور وتبادل وتناصح وتواص وتناصر، وسقيها بما ينعشها ويزينها ويزكيها من تصاف وتصادق.

عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “حقت محبتي للمتحابين في، حقت محبتي للمتواصين في، حقت محبتي للمتبادلين في. المتحابون في على منابر من نور, يغبطهم بمكانتهم النبيون والصديقون والشهداء”. رواه الإمام أحمد وابن حبان و الحاكم والقضاعي.

وفي رواية: “حقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتصادقون من أجلي”. رواه الطبراني في الثلاتة وأحمد بنحوه ورجال أحمد ثقات.

“المتحابون لجلالي في ظل عرشي يوم لاظل إلا ظلي”. رواه الإمام أحمد والطبراني وإسنادهما جيد عن العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى.