مراتب الدين   

علِمنا وتعلّمنا بموجب “مبدأ التلقي” من الحديث المشهور بحديث جبريل عليه السلام أن الدين إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة، وبموجب “مبدأ الترقي” تمثل فيه الأمور الثلاثة الأولى مراتب ومدارج ومعارج، والترقي تطبيق لمعاني الإسلام والإيمان والإحسان وسلوك على طريقها الصاعدة وقطع لمسافاتها المتعاقبة الواحدة تلو الأخرى. بينما الأمر الرابع فيمثل فيه “مبدأ السلامة والتوقّي” من الأخطار والعقبات، والبوصلة لتحديد الاتجاه على الطريق الصحيح. عندما أتتنا الآيات في القرآن لتؤكد لنا وجود الدرجات في الآخرة للتفاضل والتي أحصاها بعض العلماء في المائة درجة، وما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، فهذا يدل على وجود الدرجات في الدين لتحقيق هذا التفاضل في الدنيا قبل الآخرة، يقول الله تعالى: وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا[1]. وفي القرآن آيات أخرى تدل وتشير إلى كون الدين ما هو بطريق مستو وبنفس الدرجة، بل هو صعود ومراق ودرجات. نجد هذا في آية كريمة من سورة فاطر، يقول الله تعالى فيها: ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير[2]. من العلماء الذين أحسنوا الكلامَ في هذه الآية وبيَّنوا ما تتضمنه من درجات العاملين والسالكين والمهتدين بلغة علم المقاصد الإمامُ محمد بن يوسف الغرناطي رحمه الله المعروف بالمــَوّاق والمتوفى سنة 897ه، حيث ألّف في هذا كتابا كاملا بعنوان: “سَنن المهتدين في مقامات الدين”، وقد حاول الإمام رحمه الله أن يتحدث عن أصناف أو درجات: الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات بأن يعطي لكل درجة ثلاثة مقامات، لتصبح عدد المقامات التي تحدث عنها تسعة مقامات، سالكا في القسم الأول من الكتاب منهج التدلي، وفي القسم الثاني منه منهج الترقي. بدأ التدلي بمقام العارفين بالله، وبه ختم الترقي تفاؤلا منه ليختم الله له به.

كما نجد في بداية سورة الواقعة وفي خاتمتها الحديثَ عن مراتب الناس في الدنيا وعن درجاتهم في الآخرة بحسب قربهم أو بعدهم من الدين. يقول الله تعالى في بدايتها: فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون أولئك هم المقربون في جنات النعيم[3]. وفي خاتمتها يقول سبحانه: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنةُ ونعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم[4]. ففي بداية السورة رتب سبحانه وتعالى هذه المراتب حسب التسابق والتنافس في الأعمال، بينما في خاتمة السورة رتبها سبحانه وتعالى حسب الجوائز المستحقّة.

إلى جانب آيات القرآن الكريم هناك أحاديث نبوية شريفة، منها الحديث النبوي الشريف عن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ: يعلمون[5]، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كفّ عليك هذا، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم”[6].  في الحديث عرض لمعالم الدين بالتفصيل وهي معالم السعادة في الداريْن، يترقى من خلالها المسلم من درجة لدرجة، ولكل درجة مقتضياتها، حتى يصل إلى أعلى درجة وهي الإحسان التي من مقتضياتها حسب الحديث أن يحرص المسلم على سلامة إسلامه بتثبيت أركانه، فبدون الإسلام يفسد الدين، ويحرص على صحة صلاته بحسن إقامتها، فبدون الصلاة يسقط بناء الدين، ويحرص على صيانة جهاده بحمل لوائه فبدونه يتعطّل الدين. وفي الحديث أيضا ما يمكن أن نسميه بمنهج “التعويض”، حيث نجد الأركان في درجة الإسلام إذا لم يستطع المسلم تأديتها كاملة على وجهها الصحيح تُستكمل بما بعدها في درجة الإيمان ودرجة الإحسان من فضائل الأعمال حسب ما يناسب كلّ ركن. فركن الصلاة يتمّ تعويض نقصِهِ بصلاة قيام الليل والنوافل، وركن الصيام بصيام التطوع، وركن الزكاة بالصدقة، وركن الحج بالجهاد، وركن الشهادتين بإمساك اللسان عن الشر وإشغاله بذكر الله تعالى.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “مراقي الدين تعلَّمها الصحابة رضي الله عنهم في مشهد ملائكي فريد لكي يكون وقع التعليم مؤثرا عميقا دائما. تعلموا أن الدين سُلّم مرقاته الأولى إسلام، والثانية إيمان، والثالثة إحسان”[7]. وهناك من الدعاة من يسمّيها أركانا، وهي ليست كذلك، لأن الأركان تكون متقابلة تعطي للدين مفهوما مسطحا ومستويا، أما كونها مراتب ومعارج ومدارج ومراق بالنسبة للأمور الثلاثة الأولى فتعطي للدين مفهوما تصاعديا يشبه السلّم بدرجات بعضها فوق بعض حتى يتسنى التنافس والتسابق بين السالكين عليه. ويقول كذلك الإمام رحمه الله: “الإسلام تأسيس للأركان، والإيمان بناء وتشييد، والإحسان هو القبة. ومن مجموع الإسلام والإيمان والإحسان يتكون الدين. الدين مراتب ودرجات”.[8]

تقسيمات ودلالات أخرى

يظهر من خلال الحديث أنه يمكن تقسيم المراتب الثلاثة للترقي: الإسلام والإيمان والإحسان إلى قسمين، فمرتبتا الإسلام والإيمان تمثلان مرحلة التصديق، بدليل قول سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجابه عن سؤال الإسلام والإيمان: “صدقت”.  ومرتبة الإحسان تمثل مرحلة التحقق من المنزلة العليا في الدين. فالتصديق على مستوى مرتبة الإسلام هو صدق النية في الإتيان بالأقوال والأعمال الصالحة “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”[9]، أما التصديق على مستوى مرتبة الإيمان فصدق الإيمان بالغيب  الذين يؤمنون بالغيب[10]، بينما التحقّق على مستوى مرتبة الإحسان فهو التحقق من مقام العبدية “أفلا أكون عبدا شكورا”. في مرحلة التصديق ورد في صحيح البخاري ومسلم أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” خمس صلوات في اليوم والليلة”، فقال: هل علي غيرها ؟، قال:” لا، إلا أن تطوّع”. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” وصيام رمضان”. قال: هل علي غيره ؟، قال:لا، إلا أن تطوع”،  وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها ؟، قال: “لا، إلا أن تطوع “. قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”  أفلح إن صدق”. وفي سورة الحجرات ورد قوله تعالى:  إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون[11]. وفي مرحلة التحقق يقول الله تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون[12].

هناك من العلماء من تحدث عن هذه المراتب الثلاثة في سياق شرحه للحديث النبوي الشريف بإعطاء كلَّ مرتبة من المراتب الثلاثة معنى يناسبها ودلالة تعبر عنها. من ذلك ما أورده المفكر اليمني أبو بكر بن علي المشهور في كتابه “أصول الدين الأربعة الثوابت والمتغير”، حيث أطلق مراتب السلوك على المراتب الثلاثة وعدّها من الثوابت، بينما أمر الساعة عدّه من المتغيرات والتحولات[13]. ثم قسّم هذه المراتب إلى قسمين: قسم سماه مراتب الإيصال وهي الإسلام والإيمان، وقسم سماه مراتب الوصول وهي الإحسان. بعد ذلك وفي نفس الكتاب خصص كل مرتبة بما يقابلها من معنى ومدلول، فجعل الإسلام يقابله الذكر باعتباره الكلمة الجامعة لمعاني العبادات، وما شرعت العبادات إلا لذكر الله، وفاعلها يسمى ذاكرا، والعلماء بها وبأحكامها هم أهل الذكر. والإيمان يقابله الفكر لارتباطه بعقل القلب المتفكر في اليقينيات والغيبيات. وجاء التفكر بعد الذكر في القرآن في قوله تعالى:  الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض[14] للدلالة على هذا الترتيب والربط. والإحسان يقابله الشكر باعتباره وصفا ارتبط بالأقلّين عددا، والأعلون مقاما، يقول الله تعالى: وقليل من عبادي الشكور[15]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أفلا أكون عبدا شكورا”[16].

ومن ذلك أيضا ما أورده علماء الأوائل، إذْ أطلقوا على الإسلام علم الشريعة، وعلى الإيمان علم الطريقة، وعلى الإحسان علم الحقيقة. فعلم الشريعة يتعلق بإصلاح الظاهر، وعلم الطريقة يتعلق بإصلاح الباطن، وهما علمان كسبيان، وعلم الحقيقة وهو الثمرة والغاية فعلم موهوب. فكلّ علم لا يبلّغ صاحبه لعلم الحقيقة وهو الإحسان فهو ناقص، إذْ ثمرة العلم العمل، وثمر العمل وجود الحال، وثمرة وجود الحال التحقق من المقامات والارتقاء فيها. وزاد بعضهم: الشريعة التي هي الإسلام معناها أن تعبده، والطريقة التي هي الإيمان معناها أن تقصده، والحقيقة التي هي الإحسان معناها أن تشهده. فالشريعة للطالبين، والطريقة للسائرين، والحقيقة للواصلين. فمرجع الشريعة إلى امتثال الأمر واجتناب النهي، ومرجع الطريقة إلى التخلية والتحلية، التخلية تطهير النفس من الرذائل، والتحلية اتصافها بالفضائل، ومرجع الحقيقة إلى حسن الصحبة وكمال الأدب.

أما علماء الفقه والأصول فلوجود هذا التمايز بين الإسلام والإيمان والإحسان باعتبارها درجات ومراتب بعضها فوق بعض، فقد خصصوا لكل مفهوم من المفاهيم الثلاثة علما خاصا به، فكان للإسلام علم الشريعة، وللإيمان علم العقيدة، وللإحسان علم السلوك. فعلم الشريعة يتعلق بأحكام التكليف منها: الواجب والحرام والمكروه والمستحب والمندوب. وعلم العقيدة يتعلق بحقائق الإيمان الغيبية، وعلم السلوك يتعلق بقواعد السلوك إلى الله وشروطه وآدابه.

وبلغة العصر يمكن تصنيف هذه المراتب على الشكل التالي:

– الإسلام يمثل مرحلة تقدير الذات، ويكون ذلك من خلال أمرين: الأول: بحرص المسلم على التمسك بتعاليم الإسلام، لأنه بذلك التمسك يقدّر ما أكرمه الله به من كرامة آدمية كمخلوق له صفات عقلية وقلبية وجسمية عالية تميّزه عن الحالة الحيوانية، ويقدّر شخصيته الإنسانية كمواطن ينتمي إلى مجتمع مسلم له حقوق وواجبات. والثاني: بهذا التقدير لذاته من خلال تمسكه بتعاليم بالإسلام يكسب احترام وتقدير الآخرين له من حوله. “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه”[17].

– الإيمان يمثل مرحلة تحقيق الذات، أو بمعنى آخر البحث عن الكمال، ويكون ذلك من خلال أمرين كذلك: الأول: باستيعاب الحقائق الإيمانية، وفي مقدمتها المعرفة بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى.  والثاني: باكتساب الحس الجمالي في تجلياته الباطنة والظاهرة. وفي مقدمته جمالية التفكير والشعور والسلوك، أو قل جمالية الأحوال والأقوال والأفعال.

– الإحسان يمثل مرحلة تجاوز الذات، أو بمعنى آخر نكران الذات. ويكون بأمرين أيضا: الأول: بالتسليم الكامل لله تعالى، فيرى أمر الله قبل أمره، ومراد الله قبل مراده، فهو بالله ولله وفي الله وإلى الله.  قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت أنا أول المسلمين[18]. والثاني: بالتفكير في الآخر والاهتمام بصلاح شؤونه وسعادة أحواله في معاشه ومعاده، سواء كان الآخر فردا أو مجتمعا أو أمة.

في خلاصة القول نتصور مراتب الدين الثلاثة أنها تشكل صرحا مشيّدا عاليا، يتكون ذلك الصرح من بناء أول يعلوه بناء ثان ويعلوهما بناء ثالث. البناء الأول الإسلام له أركان وخصائص وعلامات توصل إلى البناء الذي يعلوه. والبناء الثاني الإيمان له أركان وخصائص وشعب توصل إلى البناء الذي يعلوه. والبناء الثالث الإحسان له أركان ومقامات ومنازل أُعدّت لأهل القَبول والوُصول. الناس اليوم على طول مساحة رقعة الأمة وعرضها يطالبون بمطالب مختلفة لا بأس بها لتحسين ظروف حياتهم الدنيوية، لكن المطلب الأهم والأعظم والرئيسي للأمة اليوم هو “مطلب معرفة الدين وإقامة أحكامه”، ذلك المطلب الذي يحمل سعادة الدنيا والآخرة غائب في الشارع من  هتافات الناس المرتفعة ويافطاتهم المرفوعة. ولذلك إنْ كان الله تعالى أهاب بنا في أكثر من آية للتسابق والتنافس إلى الارتقاء في مراتب الدين ودرجاته فإن من مدلولات هذا التسابق والتنافس حملُ همّ طلب تجديد الدين في الأمة بتعليمه للناس وبالسعي لإقامته في الأرض عدلا وإحسانا.

في المقال القادم سيكون الحديث عن هذه المراتب بالتفصيل إن شاء الله تعالى.

 

1- الإسراء:21.
2- فاطر:32.
3- الواقعة:8-14.
4- الواقعة:91-97.
5- السجدة : 16 – 17
6- رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح.
7- ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات ج2، ص:6.
8- ياسين عبد السلام، كتاب العدل الإسلاميون والحكم، ص:264.
9- رواه البخاري رحمه الله في صحيحه.
10- البقرة:3.
11- الحجرات:15.
12- يونس:26.
13- أبو بكر ابن علي المشهور، أصول الدين الأربعة، ص:18.
14- آل عمران:191.
15- سبأ:13.
16- متفق عليه.
17- رواه الإمام مسلم رحمه الله.
18- الأنعام: 162-163.