حظر الشارع على المحرم أشياء، وحرمها عليه، نذكرها فيما يلي:

1 – الجماع ودواعيه، كالتقبيل، واللمس لشهوة، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالوطء.

2 – اكتساب السيئات، واقتراف المعاصي التي تخرج المرء عن طاعة الله.

3 – المخاصمة مع الرفقاء والخدم وغيرهم. والأصل في تحريم هذه الأشياء، قول الله تعالى: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج 1. وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من حج ولم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه”.

4 – لبس المخيط كالقميص والبرنس والقباء والجبة والسراويل، أو لبس المحيط كالعمامة، والطربوش ونحو ذلك مما يوضع على الرأس. وكذلك يحرم لبس الثوب المصبوغ بما له رائحة طيبة، كما يحرم لبس الخف والحذاء. فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس، ولا زعفران، ولا الخفين، إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين” 2. وقد أجمع العلماء على أن هذا مختص بالرجل. أما المرأة فلا تلحق به، ولها أن تلبس جميع ذلك، ولا يحرم عليها إلا الثوب الذي مسه الطيب والنقاب والقفازان. لقول ابن عمر رضي الله عنهما: نهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر أو خز 3، أو حلي، أو سراويل أو قميص، أو خف. رواه أبوه داود، والبيهقي، والحاكم ورجاله رجال الصحيح. قال البخاري: “ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهي محرمة، وقالت: لا تلثم، ولا تتبرقع، ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران”. وقال جابر: (لا أرى المعصفر طيبا. ولم تر عائشة بأسا بالحلي، والثوب الاسود، والمورد، والخف للمرأة وعند البخاري، وأحمد عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين”. وفي هذا دليل على أن إحرام المرأة في وجهها وكفيها: قال العلماء: فإن سترت وجهها بشئ فلا باس 4. ويجوز ستره عن الرجل بمظلة ونحوها، ويجب ستره إذا خيفت الفتنة من النظر. قالت عائشة: “كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبانها على وجهها، فإذا جاوزوا بنا كشفناه” 5. وممن قال بجواز سدل الثوب: عطاء، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. الرجل الذي لا يجد الإزار ولا الرداء ولا النعلين: من لم يجد الإزار والرداء، أو النعلين لبس ما وجده. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات وقال: “إذا لم يجد المسلم إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين” 6. وفي رواية لأحمد، عن عمرو بن دينار: أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم – وهو يخطب – يقول: “”من لم يجد إزارا ووجد سراويل فليلبسها، ومن لم يجد نعلين ووجد خفين فليلبسهما”. قلت: ولم يقل ليقطعهما؟ قال: “لا””. وإلى هذا ذهب أحمد فأجاز للمحرم لبس الخف والسراويل، للذي لا يجد النعلين والإزار، على حالهما، استدلالا بحديث ابن عباس وأنه لا فدية عليه 7.

5 – عقد النكاح لنفسه أو لغيره، بولاية، أو وكالة. ويقع العقد باطلا، لا تترتب عليه آثاره الشرعية. لما رواه مسلم وغيره، عن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب” 8. والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحق، ولا يرون أن يتزوج المحرم، وإن نكح فنكاحه باطل. وما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم: “تزوج ميمونة وهو محرم” فهو معارض لما رواه مسلم “أنه تزوجها وهو حلال”. قال الترمذي: (اختلفوا في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة، لأنه صلى الله عليه وسلم تزوجها في طريق مكة، فقال بعضهم: تزوجها وهو حلال، وظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف، في طريق مكة. وذهب الأحناف إلى جواز عقد النكاح للمحرم، لان الإحرام لا يمنع صلاحية المرأة للعقد عليها، وإنما يمنع الجماع، لا صحة العقد).

6، 7 – تقليم الأظفار وإزالة الشعر بالحلق، أو القص أو بأية طريقة، سواء أكان شعر الرأس أم غيره لقول الله تعالى: ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله. وأجمع العلماء: على حرمة قلم الظفر للمحرم، بلا عذر، فإن انكسر، فله إزالته من غير فدية. ويجوز إزالة الشعر، إذا تأذى ببقائه، وفيه الفدية إلا في إزالة شعر العين إذا تأذى به المحرم فإنه لا فدية فيه 9. قال الله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. وسيأتي بيان ذلك.

8- التطيب في الثوب أو البدن، سواء أكان رجلا أم امرأة: فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر وجد ريح طيب من معاوية، وهو محرم. فقال له: ارجع فاغسله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “الحاج الشعث التفل” 10. ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما الطيب الذي بك فاغسله عنك، ثلاث مرات”. وإذا مات المحرم لا يوضع الطيب في غسله ولا في كفنه 11 لقوله صلى الله عليه وسلم – فيمن مات محرما -: “لا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا”. وما بقي من الطيب الذي وضعه في بدنه، أو ثوبه، قبل الإحرام، فإنه لا بأس به. ويباح شم ما لا ينبت للطيب، كالتفاح والسفرجل، فإنه يشبه سائر النبات، في أنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه. وأما حكم ما يصيب المحرم من طيب الكعبة فقد روى سعيد بن منصور، عن صالح بن كيسان، قال: (رأيت أنس بن مالك، وأصاب ثوبه – وهو محرم – من خلوق الكعبة، فلم يغسله). وروى عن عطاء، قال: (لا يغسله ولا شيء عليه). وعند الشافعية من تعمد إصابة شئ من ذلك، أو أصابه، وأمكنه غسله، ولم يبادر إليه فقد أساء، وعليه الفدية.

9- لبس الثوب مصبوغا بماله رائحة طيبة: اتفق العلماء على حرمة لبس الثوب المصبوغ بما له رائحة طيبة، إلا أن يغسل، بحيث لا تظهر له رائحة. فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تلبسوا ثوبا مسه ورس، أو زعفران، إلا أن يكون غسيلا” 12 يعني في الإحرام، ويكره لبسه لمن كان قدوة لغيره، لئلا يكون وسيلة لان يلبس العوام ما يحرم، وهو المطيب. لما رواه مالك عن نافع: (أنه سمع أسلم – مولى عمر بن الخطاب – يحدث عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة ؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر. فقال عمر: إنكم – أيها الرهط – أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام، فلا تلبسوا – أيها الرهط – شيئا من هذه الثياب المصبغة) 13. وأما وضع الطيب في مطبوغ، أو مشروب، بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولا ريح، إذا تناوله المحرم فلا فدية عليه. وإن بقيت رائحته، وجبت الفدية بأكله عند الشافعية. وقالت الأحناف: لا فدية عليه، لأنه لم يقصد به الترفه بالطيب.

10- التعرض للصيد: يجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر، وأن يتعرض له، وأن يشير إليه،

وأن يأكل منه. وأنه يحرم عليه التعرض لصيد البر بالقتل أو الذبح، أو الإشارة إليه، وإن كان مرئيا، أو الدلالة عليه، إن كان غير مرئي، أو تنفيره. وأنه يحرم عليه إفساد بيض الحيوان البري، كما يحرم عليه بيعه وشراؤه وحلب لبنه. الدليل على هذا قول الله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما 14.

11- الأكل من الصيد: يحرم على المحرم الأكل من صيد البر الذي صيد من أجله أو صيد بإشارته إليه، أو بأعانته عليه. لما رواه البخاري ومسلم عن عن أبي قتادة: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم – فيهم أبو قتادة – فقال: “خذوا ساحل البحر حتى نلتقي” فأخذوا ساحل البحر. فلما انصرفوا، أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون، إذا رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا، فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيد، ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا، يا رسول الله: إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانا فنزلنا، فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: “أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟” قالوا: لا. قال: “فكلوا ما بقي من لحمها”” 15. ويجوز له أن يأكل من لحم الصيد الذي لم يصده هو، أو لم يصد من أجله، أو لم يشر إليه، أو يعين عليه. لما رواه المطلب عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم” 16، والمطلب لا نعرف له سماعا من جابر. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لا يرون بأكل الصيد للمحرم بأسا إذا لم يصده أو يصد من أجله. قال الشافعي: (هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. وأقيس. وهو قول أحمد وإسحق وبمقتضاه قال مالك أيضا والجمهور. فإن صاده أو صيد له فهو حرام، سواء، صيد له بإذنه أم بغير إذنه. أما إن صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم، أو باعه، لم يحرم عليه). وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: “خرجنا مع طلحة بن عبيد الله، ونحن حرم، فأهدي له طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع. فلما استيقظ طلحة وفق من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم” 17. وما جاء من الأحاديث المانعة من أكل لحم الصيد كحديث الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا – بالابواء أو بودان – فرده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهه، قال: “إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم”. فهي محمولة على ما صاده الحلال من أجل المحرم، جمعا بين الأحاديث. قال ابن عبد البر: وحجة من ذهب هذا المذهب، أنه عليه تصح الأحاديث في هذا الباب. وإذا حملت على ذلك لم تضاد، ولم تختلف، ولم تتدافع. وعلى هذا يجب تحمل السنن، ولا يعارض بعضها بعض ما وجد إلى استعمالها سبيل. ورجح ابن القيم هذا المذهب وقال: (آثار الصحابة كلها في هذا إنما تدل على هذا التفصيل).


[1] الجدال المنهي عنه هنا: هو الجدال بغير علم، أو الجدال في باطل، أما الجدال في طلب الحق فهو مستحب أو واجب (وجادلهم بالتي هي أحسن).
[2] “البرنس”: كل ثوب رأسه منه. “الورس”: نبت أصفر طيب الريح يصبغ به. رواه البخاري، ومسلم.
[3] “الخز”: نوع من الحرير.
[4] اشتراط المجافاة عن الوجه ضعيف لا أصل له، أفاده ابن القيم. كذلك حديث: إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها.
[5] رواه أبو داود، وابن ماجه.
[6] أي إذا لم يجد هذه الأشياء تباع، أو وجدها، ولكن ليس معه ثمن فاضل عن حوائجه الأصلية.
رواه أحمد، والبخاري، ومسلم.

[7] رجح هذا ابن القيم وذهب جمهور العلماء: إلى اشتراط قطع الخف دون الكعبين لمن لم يجد النعلين، لان الخف يصير بالقطع كالنعلين. لحديث ابن عمر المتقدم، وفيه “إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين”. ويرى الأحناف شق السراويل وفتقها لمن لا يجد الازار، فإذا لبسها على حالها لزمته الفدية. وقال مالك والشافعي: لا يفتق السراويل، ويلبسها على حالها، ولا فدية عليه، لما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين”. رواه النسائي بسند صحيح. فإذا لبس السراويل، ووجد الإزار لزمه خلعه. فإذا لم يجد رداء لم يلبس القميص، لأنه يرتدي به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل.
[8] رواه الترمذي وليس فيه “ولا يخطب”. وقال: حديث حسن صحيح.
[9] قالت المالكية: فيه الفدية.
[10] . رواه البزار بسند صحيح.
[11] جوز ذلك أبو حنيفة.
[12] رواه ابن عبد البر، والطحاوي.
[13] “مدر”: أي مصبوغة بالمغرة. وهو الدر الأحمر الذي تصبغ به الثياب.
[14] قصر الشافعية والحنابلة: الحرمة على الصيد المأكول من الوحش والطير، فقالوا بحرمة قتله دون غيره من حيوانات البر، فإنه يجوز قتلها عندهم. والجمهور يرى تحريم قتلها جميعا، سواء أكانت مأكولة أم غير مأكولة إلا ما استثناء الحديث: خمس يقتلن في الحل والحرام.. الخ.
[15] “الأتان”: الأنثى من الحمير الوحشية.
[16] رواه أحمد والترمذي وقال: حديث جابر مفسر.
[17] “وفق”: صوب، أو دعا له بالتوفيق.
رواه أحمد ومسلم.