حقيقة محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومعناها

اختلفت عبارات العلماء في بيان حقيقة محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتفسيرها، فقال بعضهم: محبته صلى الله عليه وسلم اتباعه. وقال بعضهم: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم اعتقاد نصرته، والذّبّ عن سنته، والانقياد لها، وهيبة مخالفته. وقال بعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب. وقال آخر: المحبة إيثار المحبوب. وقيل: المحبة الشوق إلى المحبوب.

قال القاضي عياض رحمه الله: “أكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها، وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان وهذه الموافقة إما أن تكون للاستلذاذ بإدراكه، كحبّ الصّور الجميلة، وإما أن تكون للاستلذاذ العقلي، كحبّ الصالحين والعلماء، وإما أن تكون من جهة الإحسان والإنعام، وقد اجتمعت هذه الأسباب الموجبة للمحبة كلها في حقه صلى الله عليه وسلم. فقد اجتمع فيه صلى الله عليه وسلم جمالُ الصورة والظاهر، وكمالُ الأخلاق والباطن، وتمام الإحسان والإنعام، ما لم يحصل لبشر قبله، ولن يكون لبشر بعده، فاستوجب صلى الله عليه وسلم المحبة الحقيقية شرعًا وعادة وجبلة”.

وقال أيضا: “وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم، لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم والإبعاد عن الجحيم”.

فضل محبة النبي صلى الله عليه وسلم وثوابها

قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً (النساء: 69).

عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنك لأحبُّ إليَّ من نفسي، وأحبُّ إليَّ من أهلي، وأحبُّ إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفتُ أنك إذا دخلتَ الجنة رُفعت مع النبيين، وإن دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردَّ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ.

أخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: “وماذا أعددت لها؟” قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: “أنت مع من أحببت”. قال أنس رضي الله عنه: “فما فرحنا بشيء فرَحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أنت مع من أحببت”، فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإنْ لم أعمل بمثل أعمالهم”.

قوله: “لا شيء”، وفي رواية: “ما أعددتُ لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة”، قال النووي رحمه الله: “أي غير الفرائض، معناه: ما أعددت لها كثير نافلة من صلاة ولا صيام ولا صدقة”.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “قوله: “إنك مع من أحببت” أي: ملحق بهم حتى تكون من زمرتهم، وبهذا يندفع إيرادُ أن منازلهم متفاوتة فكيف تصحّ المعيّة؟ فيقال: إن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شيء ما، ولا تلزم في جميع الأشياء، فإذا اتفق أن الجميع دخلوا الجنة صدقت المعية وإن تفاوتت الدرجات”.

وقال النووي رحمه الله: “فيه فضل حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والصالحين وأهل الخير، الأحياء والأموات، ومن فضل محبة الله ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما، والتأدب بالآداب الشرعية، ولا يشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يعمل عملهم؛ إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم”.

أخرج الشيخان رحمهما الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحبّ قومًا ولم يلحق بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المرء مع من أحب”.

قال المباركفوري: “يعني من أحب قومًا بالإخلاص يكون من زمرتهم وإن لم يعمل عملهم لثبوت التقارب بين قلوبهم، وربما تؤدي تلك المحبة إلى موافقتهم”.

أخرج الإمام أحمد وأبو داود والدارمي رحمهم الله عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل كعملهم، قال: “أنت يا أبا ذر مع من أحببت”. قال: فإني أحب الله ورسوله، قال: “فإنك مع من أحببت”، قال: فأعادها أبو ذر فأعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن تيمية رحمه الله: “هذا الحديث حق، فإن كونَ المُحب مع المحبوب أمر فطري، لا يكون غير ذلك، وكونه معه هو على محبته إياه، فإن كانت المحبة متوسطة أو قريبة من ذلك كان معه بحسب ذلك، وإن كانت المحبة كاملة كان معه كذلك، والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة للمحبوب في محابه إذا كان المحب قادرًا عليها، فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك، وإن كانت موجودة، وحب الشيء وإرادته يستلزم بغض ضده، ولهذا قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (المجادلة: 22)، والموادة من أعمال القلوب؛ فإن الإيمان بالله يستلزم مودته ومودة رسوله، وذلك يناقض موادة من حادّ الله ورسوله”.

أخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار”.

قال النووي رحمه الله: “هذا حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام، قال العلماء رحمهم الله: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، ومحبة العبد ربَّه تحصل بفعل طاعته، وترك مخالفته، وكذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم”.

وقال ابن تيمية رحمه الله: “أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما”، وهذا من أصول الإيمان المفروضة، التي لا يكون العبد مؤمنًا بدونها”.

وقال ابن أبي جمرة رحمه الله: “إنما عبّر بالحلاوة لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: )مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) (سورة ابراهيم:24)، فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة أصل الإيمان، وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمار جنيها، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها”.

وقال البيضاوي رحمه الله: “وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينًا، ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار”.

لزوم محبة النبي صلى الله عليه وسلم ووجوبها

قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: “واعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله ولرسوله فرض”.

وقال ابن تيمية رحمه الله: “محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدّين”.

قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 24) قال القرطبي رحمه الله: “في الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدم على كل محبوب”.

وقال ابن تيمية رحمه الله: “لم يرض منهم أن يكون حبهم لله ورسوله كحب الأهل والمال، وأن يكون حب الجهاد في سبيله كحب الأهل والمال، بل حتى يكون الجهاد في سبيله الذي هو تمام حبه وحب رسوله أحبَّ إليهم من الأهل والمال، فهذا يقتضي أن يكون حبهم لله ورسوله مقدمًا على كل محبة، ليس عندهم شيء يحبونه كحب الله، بخلاف المشركين. ويقتضي الأصل الثاني وهو أن يكون الجهاد في سبيله أحب إليهم من الأهل والمال، فإن ذلك هو تمام الإيمان الذي ثوابه حب الله ورسوله”.

وقال أيضا: “فانظر إلى هذا الوعيد الشديد الذي قد توعَّد الله به من كان أهلُه وماله أحبَّ إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فعلم أنه يجب أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحبَّ إلى المؤمن من الأهل والمال والمساكن والمتاجر والأصحاب والإخوان، وإلا لم يكن مؤمنًا حقًا”.

قال القاضي عياض رحمه الله مفسرًا هذه الآية: “كفى بها حضًا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرّع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحبَّ إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله: (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) (التوبة:24) ثم فسَّقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله”.

قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (الأحزاب: 6) قال سهل رحمه الله: “من لم ير ولايةَ الرسول عليه في جميع الأحوال وير نفسَه في ملكه صلى الله عليه وسلم لا يذوق حلاوة سنته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه”.

قال ابن تيمية رحمه الله: “والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نطيع رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (النساء: 80). وأمرنا أن نتبعه فقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران: 31) وأمرنا أن نعزِّره ونوقِّره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بيَّنه في كتابه وسنة رسوله، حتى أوجب علينا أن يكون أحب الناس إلينا من أنفسنا وأهلينا”.

وقال أيضا: “وذلك أنه لا نجاة لأحد من عذاب الله ولا وصول له إلى رحمة الله إلا بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بالإيمان به ومحبته وموالاته واتباعه، وهو الذي ينجيه الله به من عذاب الدنيا والآخرة، فأعظم النعم وأنفعها نعمة الإيمان، ولا تحصل إلا به، وهو أنصح وأنفع لكل أحد من نفسه وماله؛ فإنه الذي يخرج الله به من الظلمات إلى النور، لا طريق له إلا هو، وأما نفسه وأهله فلا يغنون عنه من الله شيئًا”.

وقال ابن القيم رحمه الله: “من آثر محبوبه بنفسه فهو بماله أشد إيثارًا (…) ولا يتم للمؤمنين مقام الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليهم من أنفسهم فضلاً عن أبنائهم وآبائهم”.

أخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين”.

قال ابن حجر رحمه الله: “من علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خُيِّر بين فَقدِ غرض من أغراضه، أو فقدِ رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنةً أشدَّ عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

وقال القرطبي رحمه الله: “كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشهوات، محجوبًا في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر في قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات، والله المستعان”.

وقال الحليمي رحمه الله: “أصل هذا الباب أن تقف على مدائح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمحاسن الثابتة له في نفسه، ثم على حسن آثاره في دين الله، وما يجب له من الحق على أمته شرعًا وعادة، فمن أحاط بذلك وسَلِم عقلُه علم أنه أحق بالمحبة من الوالد الفاضل في نفسه البَرّ الشفيق على ولده، ومن المعلم الرضي في نفسه المقبلِ على التعليم المجتهدِ في التخريج”.

أخرج البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “فوَ الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده”.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار لا حب الطبع، قاله الخطابي”.

وقال أيضا: “الأحبية المذكورة تعرف بالتفكر (…) فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة وإما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم”.

قال البيهقي رحمه الله: “ودخل في جملة محبته صلى الله عليه وسلم حب آله، وهم أقرباؤه الذين حرمت عليهم الصدقة، وأوجبت لهم الخمس لمكانهم منه (…) ويدخل في اسم أهل البيت أزواجه، فعلينا من حفظ حقوقهن بعد ذهابهن بالصلاة عليهن والاستغفار لهن وذكر مدائحهن وحسن الثناء عليهن ما على الأولاد في أمهاتهن اللائي ولدنهم وأكثر، لمكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وزهادة معظمهن على غيرهن من نساء هذه الأمة (…) ويدخل في جملة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب أصحابه لأن الله تعالى أثنى عليهم ومدحهم”.

أخرج البخاري رحمه الله عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك”، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الآن يا عمر”.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: “لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك” أي: لا يكفي ذلك لبلوغ الرتبة العليا حتى يضاف إليه ما ذكر، وعن بعض الزهاد: تقدير الكلام: لا تصدُق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه الهلاك.

وقال أيضا: “جواب عمر أولاً كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه، لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، ولذلك حصل الجواب بقوله: “الآن يا عمر” أي: الآن عرفت فنطقت بما يجب”.

وقد حمل القاضي عياض المحبةَ في هذا الحديث على معنى التعظيم والإجلال، وجعلها شرطًا في صحة الإيمان، وتعقبه القرطبي بأن ذلك ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته، قال: “فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه”.

قال ابن حجر رحمه الله: “فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها حاصلة لعمر رضي الله عنه قبل ذلك قطعًا”.

قال الحليمي رحمه الله: “وإذا ظهر أن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان، وبينَّا ما جمع الله له من المحامد والمحاسن التي هي الدواعي إلى محبته ومحبة اعتقاد مدائحه وفضائله، والاعتراف له بها بالولوع بذكرها وإكثار الصلوات عليه، ولزوم طاعته، والحض على إظهار دعوته، وإقامة شريعته، والتسبب إلى استحقاق شفاعته، وبالفرح بالكون من أمته، ومستجيبي دعوته، وإدمان التلاوة للقرآن الناطق بحجته فمن فعل ما ذكرناه وما يتصل به من أمثاله فقد أحبه”.

علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومقتضياتها

قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران: 31).

قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: “أي ليس الطريق إلى محبة الله إلا اتباع حبيبه، ولا يتوصل إلى الحبيب بشيء أحسن من متابعة حبيبه، ذلك رضاه”.

قال ابن تيمية رحمه الله: “جعل محبتهم لله موجبة لمتابعة رسوله، وجعل متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم موجبة لمحبة الله لهم”. وقال: “فاتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته باطنًا وظاهرًا هي موجب محبة الله، كما أن الجهاد في سبيله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها (…) وكثير ممن يدعي المحبة هو أبعد الناس من غيره عن اتباع السنة، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله”.

وقال القاضي عياض رحمه الله: “فمن اتصف بهذه الصفة يعني الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو كامل المحبة لله ورسوله، ومن خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم للذي حدَّه في الخمر فلعنه بعضهم وقال: ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله”. وقال الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (المجادلة: 22).

قال ابن تيمية رحمه الله: “ما من مؤمن إلا وهو يجد في قلبه للرسول من المحبة ما لا يجد لغيره، حتى إنه إذا سمع محبوبًا له من أقاربه وأصدقائه يسب الرسول هان عليه عداوته ومهاجرته بل وقتله لحب الرسول، وإن لم يفعل ذلك لم يكن مؤمنًا”.

وقال القاضي عياض رحمه الله: “وهؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم قد قتلوا أحِباءهم وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته صلى الله عليه وسلم، وقال له عبد الله بن عبد الله بن أُبي: “لو شئت لأتيتك برأسه”، يعني أباه”.

وقال ابن القيم رحمه الله: “فمُحبّ الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى وإن زعم أنه من المحبين، فكذب من ادّعى محبة محبوبٍ من الناس وهو يرى غيره ينتهك حُرْمَةَ محبوبه ويسعى في أذاه ومساخطه، ويستهين بحقه ويستخف بأمره وهو لا يغار لذلك، بل قلبه بارد، فكيف يصحّ لعبد أن يَدَّعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتُهكت، ولا لحقوقه إذا ضيِّعت. وأقل الأقسام أن يغار له من نفسه وهواه وشيطانه، فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته.

وإذا ترحَّلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة، بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الحاملة على ذلك، فإنه إنما يأتي بذلك غيرة منه لربه، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى علامة محبته ومحبوبيته الجهاد فقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة: 54).

أخرج الترمذي والطبراني رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: “أَحِبّوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي”.

قال ابن تيمية رحمه الله: “ليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحَبَّ لذاته من كل وجه إلا الله تعالى، وكل ما يُحَبُّ سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يحَبُّ لأجل الله ويُطاع لأجل الله ويُتَّبع لأجل الله”.

أخرج الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهَ اللهَ في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه”.

قال البيهقي رحمه الله: “ويدخل في جملة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب أصحابه لأن الله عز وجل أثنى عليهم ومدحهم (…) وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان فحبهم أن يعتقد فضائلهم، ويعترف لهم بها، ويعرف لكل ذي حق منهم حقه، ولكل ذي غِنًى في الإسلام منهم غناه، ولكل ذي منزلة عند الرسول صلى الله عليه وسلم منزلته، وينشر محاسنهم، ويدعو بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم، ولا يتبع زلاتهم وهفواتهم(…) ويسكت عما لا تقع ضرورة إلى الخوض فيه مما كان بينهم”.

أخرج البيهقي وأبو نعيم رحمهما الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف”.

قال المناوي رحمه الله: “من سره أن يحب الله ورسوله أي: من سره أن يزداد من محبة الله ورسوله فليقرأ القرآن”.

أخرج الترمذي رحمه الله عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! والله إني لأحبك، قال: “انظر ماذا تقول”، قال: والله إني لأحبك، قال: “انظر ماذا تقول، قال: والله إني لأحبك (ثلاث مرات) فقال: “إن كنت تحبني فأعِدَّ للفقر تِِجْفافًا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه”.

قال المباركفوري رحمه الله: قوله: “انظر ماذا تقول” أي: رمت أمرًا عظيمًا، وخطبًا خطيرًا، فتفكر فيه، فإنك توقع نفسك في خطر، وأي خطر أعظم من أن يستهدفها غرضًا لسهام البلايا والمصائب، فهذا تمهيد لقوله صلى الله عليه وسلم: “فأعد للفقر تجفافًا” (فأعد) أي: فهيِّئ (للفقر) أي: بالصبر عليه، بل بالشكر والميل إليه “تِِجْْفافًا” أي: درعًا وجُنة. فمعنى الحديث: إن كنت صادقًا في الدعوى ومحقًا في المعنى فهيئ آلةً تنفعك حال البلوى، فإن البلاء والولاء متلازمان في الخلا والملا، ومجمله أن تُهيَّأ للصبر خصوصًا على الفقر لتدفع به عن دينك بقوة يقينك ما ينافيه من الجزع والفزع، وقلة القناعة وعدم الرضا بالقسمة(…) “من السيل” أي: إذا انحدر من علو “إلى منتهاه” أي: مستقره في سرعة وصوله، والمعنى أنه لا بد من وصول الفقر بسرعة إليه، ومن نزول البلايا والرزايا بكثرة عليه، فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، خصوصًا سيد الأنبياء، فيكون بلاؤه أشد من بلائهم، ويكون لأتباعه نصيب على قدر ولائهم.

أخرج الإمام أحمد والبيهقي رحمهما الله عن سعيد بن أبي سعيد أن أبا سعيد رضي الله عنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فقال صلى الله عليه وسلم: “اصبر يا أبا سعيد، فإن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي ومن أعلى الجبل إلى أسفله”.

وأخرج البزار رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أحبك، فقال: “استعدَّ للفاقة”.

أخرج مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مِن أشد أمتي لي حبًّا ناس يكونون بعدي يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله”.

نماذج من حب السلف للنبي صلى الله عليه وسلم

قال ابن القيم رحمه الله: “كان الصحابة يقونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب بنفوسهم حتى يُصرعوا حوله”.

فهذه امرأة من بني دينار، أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحد، فلما نُعوا لها، قالت: “فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: “أرونيه حتى أنظر إليه”، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: “كل مصيبة بعدك جلل”، تريد: صغيرة. رواه ابن إسحاق رحمه الله. قال ابن هشام: “الجلل يكون من القليل ومن الكثير، وهو هاهنا القليل”.

وهذا زيد بن الدَّثِنَة رضي الله عنه كان أسيرًا في مكة، فبعث به صفوان بن أمية بن خلف مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم ليقتله بأبيه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدِّم ليُقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال زيد: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي. قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، ثم قتله نسطاس.

أخرج بن مردويه رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله! إنك لأحب إليّ من نفسي، وأحب إليّ من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك..”.

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: “والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ أن أصل من قرابتي”.

أخرج الترمذي رحمه الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبيه: لم فضَّلْت أسامةَ عليَّ؟ فوالله ما سبقني إلى مشهد، قال: “لأن زيدًا كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وكان أسامة أحبَّ إلى رسول الله منك، فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي”.

أخرج بن مردويه رحمه الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للعباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم: “أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إليّ من أن يسلم الخطاب”، وما ذاك إلا لأنه كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخرج مسلم رحمه الله عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: “وما كان أحد أحبّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه”.

وقال إسحاق التجيبي رحمه الله: “كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا”.

قال القاضي عياض رحمه الله: “وكذلك كثير من التابعين، منهم من يفعل ذلك محبة له وشوقًا إليه، ومنهم من يفعله تهيبًا وتوقيرًا”.

وقال مصعب بن عبد الله رحمه الله: “كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك، فقال: “لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليَّ ما ترون، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرَّ، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا وإما صامتًا وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيُنظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع، ولقد رأيت الزهري وكان من أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه”.

وقال القاضي عياض رحمه الله: “فالحقيقة من أحب شيئًا أحب كل شيء يحبه، وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس، وقد قال أنس حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة: فما زلت أحب الدباء من يومئذ. وهذا الحسن بن علي وعبد الله بن عباس وابن جعفر رضي الله عنهم أتوا سلمى رضي الله عنها وسألوها أن تصنع لهم طعامًا مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل نحو ذلك”.

من أقوال السلف في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال علي رضي الله عنه: “من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه”.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله”. قال سفيان رضي الله عنه: “المحبة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم”.

قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: “لم يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم من لم يوقر أصحابه، ولم يعزَّ أوامره”.

وقال: “علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب سنته، وعلامة حب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا أن لا يدخر منها إلا زادا وبُلْغة إلى الآخرة”.

قال حاتم رحمه الله: “من ادعى ثلاثًا بغير ثلاث فهو كاذب: من ادعى حب الله بغير ورع عن محارمه فهو كذاب، ومن ادعى حب الجنة بغير إنفاق ماله فهو كذاب، ومن ادعى حب النبي صلى الله عليه وسلم بغير حب الفقراء فهو كذاب”.

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: “خصلتان من كانتا فيه نجا: الصدق وحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم”.

قالت عابدة من عابدات مكة رحمها الله: “إخوتي وقرةَ عيني، إنما صلاح الأبدان وفسادها في حسن النية وسوئها، إخواني وقرةَ عيني، إنما نال المتقون المحبة لمحبتهم له، وانقطاعهم إليه، ولولا الله ورسوله ما نالوا ذلك، ولكنهم أحبوا الله ورسوله فأحبهم عبادُ الله لحبهم الله ورسوله”.

عن شقيق بن إبراهيم رحمه الله قال: مرَّ إبراهيم بن أدهم في أسواق البصرة فاجتمع الناس إليه، فقالوا له:

يا أبا إسحاق، إن الله تعالى يقول في كتابه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: 60) ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا؟ قال: فقال إبراهيم: “يا أهل البصرة ماتت قلوبكم في عشرة أشياء: أولها عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، والثاني قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، والثالث ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته، والرابع ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس قلتم: نحب الجنة ولم تعملوا لها، والسادس قلتم: نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها، والسابع قلتم: إن الموت حق ولم تستعدوا له، والثامن اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم، والتاسع أكلتم نعمة ربكم ولم تشكروها، والعاشر دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم”.

أبيات شعرية في محبته صلى الله عليه وسلم

خرج عمر ليلةً يحرس فرأى مصباحًا في بيت، وإذا عجوز تنفش صوفًا وتقول:

علـى محمـــــد صــلاةُ الأبـــرار *** صلى عليه الطيبون الأخيـــار

قد كنت قوّاما بكا بالأسحار *** يا ليت شعــري والمنـايا أطــوار

هل تجمعني وحبيبي الدار

تعني النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس عمر يبكي.

قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وكفى بنا فضلاً على من غيرنا *** حــبُّ الــنـبـي مـحــمـدٍ إيـانــا

كان الأشعريون عند قدومهم المدينة يرتجزون:

غـدا نلقى الأحبة *** محمـــدًا وصحبـه

وقال آخر:

حبُّ النبي رسول الله مفتـرض *** وحـب أصحــابه نور ببرهـــان

من كان يعلـم أن الله خـــالقُــه *** لا يرمـيَـنَّ أبا بكـر بـبـهـتـــــان

ولا أبا حفص الفاروق صاحبه *** ولا الخليـفــة عـثـمـان بن عفــان

أما علـيٌّ فـمشهور فضائلــه *** والـبـيـت لا يـسـتـــوي إلا بأركان

وقال آخر:

شــرط المحبــة أن توافـق مما تحب *** عــلـى محبتـه بــلا عـصـيان

فــإذا ادعـيـــت لــه الــمـحبـة مــع *** خلافك ما يحبّ فأنت ذو بهتان

وقال آخر:

ولي فـؤاد إذا لج الــغـرام بــه *** هام اشتيــاقــاً إلى لُقيــا معـذِّبــِــه

يفديك بالنفس صبٌّ لو يكون له *** أعــز من نفســه شيء فـــداك به

وقال آخر:

ثوى في قريش بعض عشرة حِجـة *** يــذكر لو يلقى حـبـيـباً مــواتـيـا

ويعرض في أهل المواسم نفســه *** فلم يـر من يـؤوي ولم يــر داعيـا

فلما أتانا واسـتـقــــرت به النــــوى *** وأصـبـح مـسـرورًا بطيبة راضـيـا

بذلنا له الأمـوال مـن حــل مـــالـنـا *** وأنفسنـا عـند الوغى والمآسيــا

نعادي الذي عادى من الناس كلهم *** جميعًا وإن كان الحبيبَ المصافيا

ونــعـلــــم أن الله لا رب غــــيــــره *** وأن رسـول الله أصبـــح هــاديــاً

وقال آخر:

إن المحب إذا أحب حبيبه *** تلقــاه يـبــذل فيـه مـا يُـبـذل