فتحت واقعة مقتل الشهيد عماد العتابي، من جديد، ملف مآلات التحقيقات في الجرائم التي ترتكبها ” أجهزة الدولة” تجاه المواطن المغربي كلما دفعت به كرامته إلى المطالبة بحق مشروع من حقوق العيش،  فيتم مجابهته بالعنف والقتل.  

كلما أجرم جهاز من أجهزة الدولة – فاضحا عقليتها الجبروتية- عبر  تنفيذه لأوامرها التسلطية، تسرع هذه الأخيرة للتبرؤ منها عندما  يهتز المجتمع ويعلن غضبه، ثم تسابق الزمن لتعلن للرأي العام عن فتحها تحقيقا لكشف الملابسات ومعاقبة الجناة.

صيغة صارت محفوظة، وشريط روتيني بات بعيدا كل البعد عن الواقعية والعدالة التي من المفروض أن تضمنها للمواطن، حقا من حقوقه التي كفلتها مختلف الشرائع.

ولنا في أحداث سابقة لحدث نقتل العتابي، خير شاهد على تورط الدولة من خلال التستر على جلاديها، وإخفاء الحقيقة، وطي الملفات ووضعها على رفوف النسيان.

الشهيد المطحون محسن فكري

هزت فاجعة طحن محسن فكري ليلة الـ28 من شهر أكتوبر 2016 الرأي العام الوطني، في سابقة تاريخية في اضطهاد المواطنين المطالبين بحقوقهم. حادث مأساوي انتفضت له الجماهير الشعبية بعدما تمادت أجهزة السلطة في تحقير وتعذيب أبناء الوطن إلى حد القتل البشع.

بعد انتشار الاحتجاجات في أرجاء البلاد، خرجت النيابة العامة بمدينة الحسيمة لتعلن للمغاربة عن إصدار أوامرها بإجراء تحقيق في الحادث ومعاقبة المتورطين.

التحقيق الموجز خرج ليورط بعض الأسماء، فصدرت أحكام خفيفة لتقفل الملف نهائيا، غير أن هيئة دفاع عائلة الشهيد كشفت بعض المستور، مؤكدة على أن الأحكام “لم تنصف الضحية لأسباب عديدة منها رفض طلبات هيئة الدفاع، بإحضار الشهود والخبرة والترجمة”، مشيرة إلى أن العديد من الحقائق ضاعت في أطوار المحاكمة، لعدم استدعاء عدة أطراف من ضمنهم وزراء.

شهداء الحسيمة الخمسة

شهداء الحسيمة الخمسة جمال ونبيل وسمير وجواد وعمران، خمس شباب راحوا ضحية الحراك المغربي الذي انطلق عشية 20 فبراير 2011، على يد السلطات البوليسية، ولم تكشف حقيقته إلى غاية اليوم.

الكل يعرف أن الحريق شب في الوكالة البنكية حوالي الخامسة والنصف مساء وتم إخماده في حدود السابعة والنصف مساء حيث عثر على جثة واحدة متفحمة داخل الوكالة وهي الجثة التي عاينها وكيل الملك بشكل رسمي وتم اتخاذ الإجراءات الروتينية في الحوادث المماثلة، لكن المفاجأة هو خبر العثور على أربع جثث متفحمة داخل ذات الوكالة والمثير أن الجثث اكتشفها مواطنون كانوا يمرون أمام الوكالة، فهل يعقل عدم انتباه عناصر الوقاية المدنية والأمن ووكيل الملك لوجود أربع جثث أخرى إذا افترض أنهم احترقوا في الحريق الأول! السكان المجاورون للوكالة أكدوا أن أنهم سمعوا دوي انفجار داخل الوكالة حوالي الرابعة والنصف من صباح الاثنين 21 فبراير وهو الانفجار الذي تسبب في نشوب حريق ثان بذات الوكالة، هي مفارقة غير مستساغة.

 رواية الأقرباء والأصدقاء تقول بأن الشهداء الخمسة، اعتقلوا من الشارع واقتيدوا  إلى مخفر الشرطة حيث خضعوا  للتعذيب  ثم رميت جثتهم في الوكالة البنكية واحرقوا ببراعة.

الملف وإن لفه الغموض، فدور الدولة أن تكشف غموضه، وتحق الحق، عبر تحقيق نزيه وشفاف، لينال الجلادون عقابهم. مرت خمس سنوات ولم تعلن أية نتائج للتحقيق، ليكون مصير الملف الطي والنسيان في خزانة المخزن.

شهيد صفرو كريم الشايب

الشاب كريم الشاب ابن مدينة صفرو، ينضاف إلى شهداء الحسيمة الخمسة، الذي رآه ضحية جبروت السلطات المخزنية، يوم 20 فبراير الذي خرج فيه المغاربة للتعبير عن مطالبهم إسقاط الفساد والاستبداد.

وقد تداولت بعض المواقع فيديو يوثق لمقتل الشهيد كريم الشايب، ويظهر الشريط عددا من رجال الشرطة يلاحقون شبابا من نشطاء حركة 20 فبراير، قبل أن يقبضوا على أحدهم، وينهالوا عليه بالضرب المبرح.

وبدا واضحا في الشريط شرطي بزيه المدني، ينهال ضربا ورفسا على كريم الشايب وهو ساقط أرضا بهستيريا مثيرة للغاية، بل ظهر مغادرا قبل أن يعود لممارسته ساديته من جديد وهو يمسك العصا بيديه، ليفلظ بعدها كريم أنفاسه الأخيرة، متأثرا بالتعذيب الذي تعرض له أمام أعين أبناء المدينة.

الكل كان واضحا في المشهد، الضحية والجلاد، غير أن الدولة لم تكن واضحة في فتح تحقيق ومعاقبة مرتكب الجريمة.

الطالب ابراهيم سيكا

الشهيد الطالب إبراهيم سيكا، عنوان آخر لاسترخاص أرواح أبناء الوطن من طرف الدولة، وهو شاب عشريني كان يناضل إلى جانب زملائه الطلبة المعطلين من أجل الحق في الشغل، فدخل في إضراب عن الطعام، بعدما صادرت السلطات حقه واعتقلته.  

مساء يوم الجمعة  15 أبريل  2016 توفي الطالب  المعطل الصحراوي ”إبراهيم صيكا” بالمستشفى الإقليمي الحسن الثاني بمدينة أكادير، بعدما تدهورت حالته الصحية وهو رهن الاعتقال الاحتياطيي.

بعض أقرباء وأصدقاء الشهيد أكدوا تعرض ”إبراهيم صيكا” للتعذيب أثناء الاحتفاظ به رهن الحراسة النظرية بمقر الشرطة القضائية بمفوضية الشرطة بمدينة كليميم.

وطالب هؤلاء الدولة الدولة بفتح تحقيق مستقل ونزيه بخصوص الوفاة الغامضة للمعطل الصحراوي، مشيرين إلى تشبثهم بمحاكمة المتورطين في الاعتقال السياسي الذي طال المعطل الصحراوي وهو يمارس حقه المشروع في الاحتجاج السلمي المطالب بالحق في الشغل والعيش الكريم.

تمر اليوم حوالي سبعة أشهر على رحيل الشاب سيكا، دون أن تصدر نتائج التحقيقات في مقتل الراحل، وبذلك يكون مصير الملف، مثل باقي الملفات.

شهيد أسفي كامل عماري

تعرض الشهيد كمال عماري لقمع مفرط من طرف سبعة عناصر من الأمن (الصقور) بعدما انهالوا عليه ضربا  ورفسا يوم الأحد 29 ماي 2011، خلال إحدى مسيرات حركة 20 فبراير،  وخلف هذا الاعتداء إصابة خطيرة في الرأس وكسرا في الرجل اليمنى وكدمات على الوجه ورضوضا في الصدر وأنحاء مختلفة من جسده.  إصابات عجلت باستشهاد كمال عماري يوم الخميس 02 يونيو 2011 بمستشفى محمد الخامس بمدينة أسفي.

 ما زال ملف الشهيد كمال عماري لم يبرح مكانه، فمنذ الوفاة إلى الآن لا تعلم عائلته ولا أصدقاؤه نتيجة التقرير الطبي ولم تتسلم نسخة منه أو من تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي استمع لجميع الأطراف.

 فتح التحقيق كما هو معلوم، ووعدت الدولة كعادتها بمحاسبة المتورطين، انتهى التحقيق مع جميع الأطراف كما أعلن ولم تعلن النتائج ولا الحقائق، ليتم الإعلان من جديد عن إعادة الملف لتعميق البحث من جديد، ليضل هذا الملف حبيس أدراج محكمة الاستئناف بأسفي، ويتعرض هو الآخر لعثة النسيان.

مي فتيحة بائعة البغرير

قضية مي فتيحة، هي واحدة من أكثر وأشهر القضايا التي هزت الرأي العام، وشغلت بال الشعب المغربي. واقعة أخرى انضافت الى السجل التاريخي الدامي للسلطات المخزنية.

مي فتيحة (42 عاما) كانت تعمل قيد حياتها بائعة متنقلة للبغرير، تجارة بسيطة كانت تعيل من دخلها القليل نفسها وابنتها ووالدها الطاعن في السن، قبل أن تسلط عليها يد رجال المخزن، وتحجز مصدر عيشها الوحيد المحدود ظلما يوم 9 أبريل 2016.

هذه المصادرة لبضاعتها دون وجه حق لم تستسغه مي فتيحة، فطالبت وتوسلت ﻹعادة مصدر رزقها الوحيد، غير أن السلطة تعنتت واستمرت في جبروتها، فهددت الضحية بإضرام النار في جسدها إن لم تتراجع السلطة عن قرارها الجائر،   وأمام هذا الغلو الظالم للسلطة المخزنية،  نفذت مي فتيحة تهديدها أمام ملحقة منطقة بئر الرامي بالقنيطرة  في مشهد مؤثر تناقلته مختلف المواقع الصحفية بالصوت والصورة.

نقلت مي فتيحة على إثرها إلى المستشفى، حيث لفظت أنفاسها الأخيرة، بسبب عدم تحمل جسدها آثار الحروق الخطيرة التي نهشته.

بعد الواقعة خرج المغاربة للاحتجاج والمطالبة بفتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين عن وفاة مي فتيحة، ووعدت الداخلية بفتح تحقيق ومعاقبة الجناة، غير أن مصير الملف كان رفوف التجاهل والنسيان كسابقيه.

شهداء انتفاضة 1981

مجزرة 20 يونيو 1981 تترسخ في ذاكرة المغاربة، كأفظع حدث دامي في تاريخ المغاربة الحديث، بعدما واجهت السلطة المخزنية احتجاجات المغاربة ضد ارتفاع جنوني في الأسعار بالرصاص الحي، فسقط مئات الشهداء والجرحى، في واقعة إجرامية لن تنساها ذاكرة الشعب المغربي.

بعد المجزرة حملت الداخلية المسؤولية للنقابة التي دعت للاحتجاج، ثم طوي الملف، ليأتي العهد الجديد ليعلن المصالحة بين الضحية والجلاد، دون أن يفتح تحقيق رغم مطالبة عائلات الضحايا بذلك.

دفن الضحايا في مقبرة خاصة ومعلومة في شهر شتنبر 2016، بعدما ظلوا مجهولين في مقابر جماعية، ولم تستجب الدولة لمطالب العائلات بفتح تحقيق، ولم تستدعهم أجهزة الدولة للتعرف على هياكل الضحايا، ودفنوا ودفنت معهم الحقيقة.

شهيد حراك الريف عماد العتابي

آخر ضحايا الانتهاكات التي تمارسها أجهزة الدولة في حق أبناء الوطن، كان عماد العتابي الشاب اليافع الذي خرج يوم الخميس الأسود 20 يوليوز 2017 إلى جانب أبناء ساكنة الريف وغيرهم من أبناء الوطن لرفع أصواتهم ضد الاستبداد والفساد والمطالبة بتحقيق الحرية والكرامة في العيش، لتغتاله يد المخزن أردته جثة هامدة.

بعد إعلان موته رسميا من طرف النيابة العامة بالحسيمة، أوردت هذه الأخيرة في بلاغ الوفاة عن فتح تحقيق لمعرفة أسباب الوفاة، بالأسلوب الروتيني ذاته، وكأننا فعلا في دولة الحق والقانون حيث يُنصر فيها المظلوم ويحاكَم الظالم.

ويستمر مسلسل الاضطهاد بإخراج جديد

إن ما يتعرض له المواطن المغربي اليوم من قمع واضطهاد، يفضي أحيانا إلى القتل، ما هو إلا دليل على استمرار سنوات الاعتقال والرصاص، لكن بإخراج جديد، تحاول من خلاله الأجهزة الحاكمة والمتحكمة  تنميق وجهها بمساحيق  العدل والقانون، غير أن الوجه الذميم البشع لا تنفع معه مساحيق ولا حتى عمليات تجميل.