أجرت جريدة المساء في عددها الصادر بتاريخ 29 و30 يوليوز2017، حوارا مع الدكتور محمد منار باسك، على هامش الورقة التي شارك بها في العدد نفسه تحت عنوان: “حراك 2011 و2017…الاختلاف والتشابه”. وننشر في ما يلي النص الكامل لهذا الحوار تعميما للفائدة.

س_ جاء في ورقتكم: “أن حركة 20 فبراير 2011 شكلت تحولا نوعيا في مظاهر الاحتجاج بالمغرب بحيث تم الانتقال من الاحتجاج التلقائي إلى الاحتجاج المنظم”. كيف تم التوفيق بين المطالب الاجتماعية والمطالب السياسية في حراك 20 فبراير، بحيث أضحى من الصعب الفصل بينهما؟ وهل شكلت 2011 مرحلة جديدة على مستوى عدم الفصل بينما هو اجتماعي وما هو سياسي؟

ج _ بكل تأكيد هناك ربط بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي، فكل مطلب اجتماعي له أبعاد سياسية، كما أن بعض المطالب السياسية تكون لها أبعاد اجتماعية. المطالبة مثلا بالشغل تقتضي قرارات سياسية وإجراءات على مستوى السياسة العمومية، وهذه تجليات سياسية، كما أن تغيير الحكومة الذي هو مطلب سياسي قد يكون من أجل تحقيق مجموعة من الأمور الاقتصادية والاجتماعية. ففي الواقع لا يمكن الحديث عن فصل أو ربط، ولكن يمكن الحديث في كثير من الأحيان عن أولويات، ففي بعض الأحيان تكون الأولية لما هو دستوري أو سياسي، وأحيانا أخرى تكون الأولوية لما هو اجتماعي أو حقوقي أو غير ذلك. ففي حراك الريف كانت الأولوية لما هو اجتماعي وحقوقي وثقافي، في حين أنه في حركة 20 فبراير كانت الأولوية لمطالب سياسية ودستورية مع وجود مطالب اجتماعية كما سبق التوضيح في الورقة، وأظن أن الذي أسهم في ذلك هو سياق التحولات التي عرفتها بعض البلدان العربية، فالسياق كان مطبوعا بشعارات تؤكد أن مفتاح التغيير والمدخل للكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية هو إحداث تحول على مستوى الأنظمة السياسية. وهذا ما تبنته أيضا حركة 20 فبراير محققة بذلك تطورا ملحوظا على مستوى حركة الاحتجاج التي تنامت بالمغرب منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي والتي كانت فيها الأولوية والكثافة لمطالب اجتماعية محلية، وكمثال على ذلك تجربة التنسيقيات المحلية التي عرفها المغرب خلال 2007 و2008 والتي كانت أغلب مطالبها ذات طبيعة اجتماعية تتعلق بغلاء الأسعار وغلاء فواتير الماء والكهرباء. بقي أن نشير أنه كلما اكتسى الاحتجاج بعدا وطنيا، وكلما كان هناك تصلب في الاستجابة للمطالب الاجتماعية، كلما كانت إمكانية تحول أولوية الاحتجاج مما هو اجتماعي إلى ما هو سياسي. وربما يصبح حراك الريف في حالة تطوره مثالا واضحا على ذلك.

س _ ما هي أهم أسباب تعثر حركة 20 فبراير 2011؟

ج _ لا بد من الإشارة في البداية أن أهم ما حققته حركته 20 فبراير هو تنمية الشعور النضالي وبث الصمود والإصرار وتحدي القمع لدى المحتجين. وإذا كان قد تم الالتفاف على مستوى المطالب الكبرى للحركة، فإن ما يؤرق السلطة اليوم هو هذا الشعور النضالي المتنامي لدى مجموعة من الفئات من الشعب، والذي يزيد في الأرق أن هذا الشعور يتنامى بعيدا عن كل أشكال الوساطة والضبط، سواء السياسي أو النقابي، لذلك فإن ما يلاحظ أحيانا من ارتباك أو عناد أو تعامل مفرط في القسوة من قبل السلطة يكون من أهم أسبابه الرغبة في القضاء على ذلك الشعور النضالي المتنامي. ولعل من المهم هنا أن نثير الانتباه إلى حركة احتجاجية أخرى تزامنت مع حراك الريف، وهي احتجاجات قبيلة أولاد الشيخ، فقد دامت هذه الاحتجاجات لأسابيع أظهر من خلالها المحتجون صمودا وإصرارا بطوليا أمام الإنزالات المكثفة لقوات الأمن والقمع والاعتقال. لذلك فحركة 20فبرايرحققت شيئا مهما يصب في استمرار الحركة الاحتجاجية بصمود أكبر ووعي أرقى. أما عن أسباب تعثر الحركة فهي متنوعة ومتداخلة، منها عدم تحمل بعض القوى السياسية لمسؤوليتها كاملة في سندها ودعمها، بل من القوى السياسية من عارضت الحراك، وكانت ورقة رابحة استعملها النظام لسحب البساط من تحت الحركة، والمقصود هنا بدرجة أولى حزب العدالة والتنمية، الذي يؤدي اليوم ثمنا باهظا بسبب ذلك الخطأ التاريخي، كما أن هناك أسباب ذاتية تتمثل في ضعف الإقناع بمطالب الحركة وعدم التمكن من دفع فئات عريضة من الشعب للاحتجاج، خاصة بعد حركة التكيَف التكتيكي التي قام بها النظام وبعد مآل الاضطراب والفوضى التي عرفتها بعض البلدان العربية. ومن أهم أسباب التعثر عدم الاتفاق على خارطة طريق واضحة بين القوى الداعمة للحركة بسبب الاختلافات الإيديولوجية والسياسية بينها، وعدم وجود حوارات واتفاقات قبلية.

س_ من الملاحظات في حراك الريف أنه لأول مرة يبدأ الحراك من الهامش/ الأطراف ويؤثر على المركز. هل هذا دليل على ولادة أنواع جديدة من الحراك غير الكلاسيكية؟ أم يمكن اعتبار حراك الريف بأنه يشكل الاستثناء؟

ج _ نعم هذه ملاحظة مهمة، لكن لا ننسى أن انطلاق ثورات وانتفاضات 2010 كان سببه المباشر إحراق البوعزيزي لنفسه في” سيدي بوزيد”، التي هي منطقة تنتمي إلى الأطراف وليس إلى المركز. وهنا أشير إلى فكرة أعتبرها مهمة ألا وهي أن عموم الظواهر الاجتماعية يطبعها التعقيد، ولذلك من الصعب جدا في كثير من الأحيان تحليلها وفق تفكير خطي بسيط، بمعنى إذا حدث حدثٌ معين في مكان معين ستكون النتيجة حتما هي كذا، وإذا لم يحدث ذلك الحدث أو حدث في مكان آخر ستكون النتيجة مخالفة. التفكير في الظواهر الاجتماعية وأيضا الحركات الاجتماعية ينبغي أن يطبعه التركيب والتعقيد، بالنظر إلى طبيعة تلك الظواهر والحركات، لذلك هناك الكثير من العوامل التي تؤثر في صيرورة الاحتجاج ومآلاته، ولا يكون ذلك بنفس الدرجة وبنفس الترتيب في كل الحالات وإن بدت أحيانا متشابهة. نعم ما يحدث في الأطراف أو المناطق الهامشية من احتجاج قد لا يثير الانتباه في البداية نظرا لقلة المصالح المتأثرة بذلك الاحتجاج ونظرا للبعد عن الأضواء والإعلام، لكن بشاعة الحدث، كما حصل للبوعزيزي أو محسن فكري، تسهم في أن يصبح للقضية بعد وطني وربما دولي، وتبقى للفاعل في الاحتجاج أهمية قصوى في ذلك من خلال حفاظه على عدالة قضيته وصموده ونجاحه في تحويل التعاطف العام إلى مساندة فعلية، ويتوقف ذلك إلى حد بعيد على حسن استثماره للموارد الاتصالية المتاحة.

س_ غياب الزعامة عن حراك 2011 وحضورها في حراك الريف هل هو نقلة نوعية أم مجرد حدث عرضي يصعب تكراره؟

ج _ ظهرت في حراك 2011 مجموعة من القيادات الشابة، ورغم أن بعض القيادات كان لها إشعاع وطني وليس فقط محلي، فإن ذلك لم يفرز زعيما أو قائدا وطنيا للحراك يحظى بتأييد عام من قبل الجميع، فالسياق لم يكن سياق زعامات، وإنما كان سياق شباب ثائر ضد الأشكال التقليدية، ربما بما فيها شكل الزعامة، ومما صعب ذلك أيضا اختلاف التوجهات الفكرية والسياسية للمشاركين في الحراك، بحيث كان من الصعب الإجماع على شخص واحد، لكن في حراك الريف كان الأمر مختلفا، ومما ساعد على ذلك البعد المحلي والهوياتي للاحتجاج. مع التأكيد أن زعامة الزفزافي هي زعامة ميدانية تبقى دائما في حاجة إلى دعم زعامات فكرية وسياسية. فالزعامة الميدانية وحدها لا تكفي. قد يكون للزعامة الميدانية دور مهم في الصمود الميداني، لكن لاستمرار هذا الصمود ولعدم انحرافه عن اتجاهه لابد من وضوح الأفق، وتوضيح الأفق من مهام الزعامات الفكرية والسياسية الصادقة والمخلصة، إلا أنه يبدو أن المغرب يعيش فعلا أزمة زعامات فكرية وسياسية، وهذا ما يصب في تضخيم الزعامة الميدانية، التي هي بلا شك مهمة لكنها غير كافية.

س _ كيف يمكننا تفسير اختفاء أهم الزعامات الشبابية لحركة 20 فبراير والتي في معظمها تم ابتلاعها واستدراجها من طرف الفاعل الحزبي؟

ج _ هذا ما سبقت الإشارة إليه، القادة الميدانيون للاحتجاج لابد لهم من حاضنة فكرية وسياسية إذا صح هذا التعبير، المفترض في هذه الحاضنة أن تمد أولئك القادة بالطاقة وتجعل لاحتجاجهم معنى، وإن لم يحقق كل المطالب المنشودة. ففي غياب الانتماء لمشروع فكري وسياسي تكون النتيجة إما الجري وراء مصالح شخصية محضة، أو الركون إلى الإحباط واليأس، وعوض أن تكون الحركة الاحتجاجية مشتلا لصناعة قادة سياسيين تصبح مشتلا لصناعة أناس يائسين. وهذا ما حدث للكثير من شباب حركة 20 فبراير وللأسف الشديد، والعيب ليس فيهم، ولكن في بيئة سياسية ملوثة لا تكاد تجد فيها معنى للتضحية والمبادئ والمصلحة العامة والنضال النبيل.

س _ هل يمكن القول بأن خطاب حراك الريف كان أكثر تجدرا من خطاب 20 فبراير لأنه لم يتصادم مع الهوية سواء الدينية أو الثقافية عكس خطاب 20 فبراير الذي كان سبب نفور عدد معتبر من المغاربة في التعاطف مع الحركة؟

ج _ ما يلاحظ في خطاب حراك الريف هو الشعبية والبساطة والمحافظة، وهذا أسهم إلى حد بعيد في انتشاره وأكسبه قوة حجاجية في الإقناع بضرورة الاحتجاج وأهميته. وحين نقول المحافظة فالمقصود هنا الانطلاق من الهوية الدينية والثقافية للمنطقة، وإلا فالخطاب على المستوى السياسي كان ثوريا في بعض الجوانب، خاصة فيما يتعلق بالموقف من الأحزاب السياسية والمنتخبين، وأيضا فيما يتعلق بالخطاب الديني الرسمي الذي تنتجه وزارة الأوقاف. فقادة الحراك، خاصة الزفزافي، استعملوا بكثافة خطابا دينيا، لكنه خطاب ديني شعبي يعلي من قيم الحرية والعدالة والمساواة، عكس الخطاب الديني الرسمي الذي يعتبر الاحتجاج فتنة، واستقرار الأوضاع على ما هي عليه، وبالشكل الذي هي عليه، نعمة ليس بعدها نعمة. وبكل تأكيد أسهمت تلك المسحة الدينية، بغض النظر عن مستوى عمقها وتمثلها، في تعبئة المحتجين. فالخطاب الديني يبقى مؤثرا في الشعب المغربي عموما، خاصة إذا ارتبط ذلك بدفع الظلم، وكانت هناك ثقة في المخاطبين. في حراك 2011 لم يبرز خطاب ديني، لكن في المقابل لم يبرز خطاب معادي بشكل صريح للدين، وكان في ذلك نوع من الحفاظ على التوازنات بين القوى الداعمة للحراك. دون أن ينفي ذلك وجود بعض السلوكات التي كان لها تأثير سلبي على صورة الاحتجاج. وتبقى من أبرز التحديات أمام القوى السياسية الطامحة للتغيير في المغرب صياغة خطاب جامع يعلي من القيم الإنسانية كقيمة الكرامة والحرية والعدالة والتسامح، وعدم الاقتصار على خطابات إيديولوجية ضيقة تفرق أكثر مما تجمع.