حديث “أمّ السنة”

نُورد الحديث بهذه الصيغ المشهورة في كتب الحديث مع العلم أن هناك صيغ أخرى مختلفة في المتن والسند لكنها متقاربة أو بنفس المعنى في المضمون والقصد. وهذه الروايات المختلفة تزيد في وضوح المعنى أكثر واتساعه وتمامه. والطالب للعلم وكل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة يُعهد إليهم بذل الجهد للتمكن من حفظ هذه الصيغ الواردة الثلاثة أو على الأقل الاطلاع عليها لاستيعاب مجمل التفاصيل المذكورة في الحديث. ولطالب العلم بعد ذلك أن يتفقه بالغوص في أعماقه وسبر أغواره. لعلنا بهذا العمل نساهم في دفع ورفع ما يجتاح صفوف المسلمين والمسلمات اليوم من أمية دينية تصطف جنبا إلى جنب مع الأمية التاريخية والأمية التقنية والأمية السياسية.

الصيغة الأولى: أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق. فلبثت مليا (أي قليلا) ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.

الصيغة الثانية: في رواية للإمام النسائي رحمه الله في صحيحه: “كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابِه فيجيء الغريبُ فلا يدري أيهم  هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريبُ إذا أتاه، فبنينا له دكّانًا من طين ٍكان يجلس عليه، وإنا لجلوس ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مجلسه إذ أقبل رجلٌ أحسنُ الناسِ وجهًا وأطيبُ الناسِ ريحًا كأن ثيابَه لم يمسَّها دنَسٌ حتى سلَّم في طرف البساطِ، فقال: السلامُ عليك يا محمدُ، فردَّ عليه السلامَ، قال: أدنو يا محمدُ، قال: أدنُه، فما زال يقول أدنو مرارا ويقول له ادنُ حتى وضع يدَه على ركبتي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمدُ أخبرني ما الإسلامُ؟ قال: الإسلامُ أن تعبد اللهَ ولا تشرك به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ وتؤتي الزكاةَ وتحجَّ البيت وتصومَ رمضانَ. قال: إذا فعلتُ ذلك فقد أسلمتُ، قال: نعم. قال: صدقتَ. فلما سمعنا قول الرجلِ صدقتَ، أنكرناه. قال: يا محمدُ أخبرني ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ باللهِ وملائكته والكتاب والنبيين وتؤمن بالقدرِ. قال: فإذا فعلتُ ذلك فقد آمنتُ، قال رسولُ اللهِ: نعم. قال: صدقت، قال يا محمدُ أخبِرني ما الإحسانُ؟ قال: أن تعبد اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: صدقتَ. قال: يا محمدُ أخبرني متى الساعةُ، قال: فنكس فلم يجبه شيئًا، ثم أعاد فلم يجبه شيئًا، ثم  أعاد فلم يُجبه شيئًا، ورفع رأسَه فقال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائلِ، ولكن لها علاماتٌ تُعرف بها، إذا رأيتَ الرعاءَ البهمَ يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاةَ العراةَ ملوكَ الأرضِ، ورأيتَ المرأةَ تلدُ ربَّها، خمسٌ لا يعلمها إلا اللهُ (إن الله عنده علم الساعة) إلى قوله: (إن الله عليم خبير)، ثم قال: لا والذي بعث محمدًا بالحق هدى وبشيرًا، ما كنتُ بأعلم به من رجلٍ منكم، وإنه لجبريلُ عليه السلامُ نزل في صورة دِحيةَ الكلبيِّ”.

الصيغة الثالثة: في رواية لابن كثير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه: “جلَسَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ مجلِسًا لهُ فأتاهُ جبريلُ فجلَسَ بينَ يدَيْ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ واضعًا كفَّيْهِ علَى رُكبَتيْ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّمَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ حدِّثني ما الإسلامُ؟ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: الإسلامُ أن تُسْلِمَ وجهَك للهِ عزَّ وجلَّ وتشهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريك لهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورَسولُهُ، قال: فإذا فعَلتُ ذلكَ فقَد أسلمتُ؟ قال: إذا فعلتَ ذلكَ فقد أسلمتَ، قالَ: يا رسولَ اللهِ فحدِّثني ما الإيمانُ؟ قال: الإيمانُ أن تُؤمنَ باللهِ واليَومِ الآخرِ والملائكةِ والكِتابِ والنَّبيِّينَ وتؤمِنَ بالموتِ وبالحياةِ بعدَ الموتِ وتؤمِنَ بالجنَّةِ والنَّارِ والحِسابِ والميزانِ وتؤمنَ بالقَدَرِ كلِّهِ خيرِه وشرِّه ، قال: فإذا فعَلتُ ذلكَ فقد آمنتُ؟ قال: إذا فعَلتَ ذلكَ فقد آمنتَ، قال: يا رسولَ اللهِ حدِّثني ما الإحسانُ؟ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: الإِحسانُ أن تعمَلَ للهِ كأنَّكَ تراهُ، فإن كُنتَ لا تراهُ فإنَّه يراكَ، قال: يا رسولَ اللهِ فحدِّثني مَتى السَّاعةُ ؟ قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: سُبحانَ اللهِ في خَمسٍ لا يعلمُهُنَّ إلَّا هوَ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ولكن إن شئتَ حدَّثتُك بمَعالمٍ لها دونَ ذلكَ، قال: أجَل يا رسولَ اللهِ فحدِّثني، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: إذا رأيتَ الأَمَةَ ولدَتْ ربَّتَها أو ربَّها ورأيتَ أصحابَ الشَّاءِ يتَطاولون في البُنيانِ ورأيتَ الحُفاةَ الجِياعَ العالةَ كانوا رُؤوسَ النَّاسِ فذلكَ من مَعالمِ السَّاعةِ وأشراطِها، قال: يا رسولَ اللهِ ومَن أصحابُ الشَّاءِ والحُفاةُ الجِياعُ العالةُ؟ قال: العَربُ”.

في التعليق على الحديث

قال القاضي عياض رحمه الله: هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه.

طالع أيضا  عَهْدُ اللهِ | الإمام عبد السّلام ياسين

و قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله مؤلف كتاب “جامع العلوم والحكم”: هو حديث عظيم الشأن جدًّا، يشتمل على شرح الدين كله؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»، بعد أن شرح درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كله دينًا.

وقال الإمام النووي رحمه الله: واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام.
وقال القرطبي رحمه الله: فيصلح في هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم القرآن؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن.

وقال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: أتتنا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مروية عنه في جلساته وخطبه ووعظه ووصاياه. لكن حديث جبريل المشهور الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن عن عمر جاءنا في حلة من التشويق والغرابة والتفصيل التربوي. جاء جبريل فرآه الصحابة وسمعوه وتلقوا حواره الغريب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ذاك إلا لأهمية هذا التفصيل الذي لا نجده في حديث غيره 1.

مفهوم الدين

استعمالُ الناس على ألسنتهم لكلمة الدين وربطها بكلمات أخرى خاصة من قبل المفكرين ووسائل الإعلام مثل كلمات التطرف الديني والدين الكنسي والغلو الديني والإرهاب الديني والدين الرسمي، أفقد للدين معناه الحقيقي ومفهومه القرآني والنبوي. فكان لا بد للحديث عن مفهوم الدين وتحديد معناه بالرجوع إلى القرآن والحديث. ففي القرآن نجد كلمة الدين ذكرت لمرات عديدة لتفيد في عمقها وروحها أربعة أمور كما يشير إلى ذلك الإمام أبو الأعلى المودودي في كتابه “المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم” وهي:

1- الحاكمية والسلطة العليا.
2- الإطاعة والإذعان لتلك الحاكمية والسلطة.
3- النظام الفكري والعملي المتكون تحت سلطان تلك الحاكمية.
4- المكافأة التي تكافئها السلطة العليا على اتباع ذلك النظام والإخلاص له أو على التمرّد عليه والعصيان له 2. يقول الله تعالى: إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم 3.

وبعد أن أورد الإمام المودودي رحمه الله مجموعة من الآيات مستدلا بها على هذه الأمور الأربعة، خلُص في الأخير إلى أن “المراد بــ”الدين” في جميع هذه الآيات هو نظام الحياة الكامل الشامل لنواحيها من الاعتقادية والفكرية والخلقية والعملية” 4.

طالع أيضا  الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى

ننتقل من الإمام المودودي رحمه الله إلى الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ليحدثنا عن ماهية الدين كسؤال جوهري في حياة الإنسان والذي تعدّ معرفة جوابه حقّ من حقوقه الإنسانية الأسبق عن غيره من الحقوق والأهم والأعظم. يقول في كتابه “الشورى والديقراطية”: “الدين لغة الانقياد والخضوع. فالدين عند الله انقياد، واستجابة مخلصة، وطاعة مبدئية لله ورسوله تُصَدِّقها طاعات، وتكاليف، ووقوف عند حدود، ومسؤوليات. أول مراتب الدين الإسلام” 5. وحتى ينفي الإمام عن الدين ما تعلق به من تصورات خاطئة أكّد في معرض توضيحاته أن الدين ليس “رولجيونَ” طقوس وكهنوت، وليس إديولوجيةَ نضالٍ لاستعادة هوية ثقافية وتحقيق شعبية جماهيرية، كما أنه ليس عقيدة رسمية للدولة لفرض الخضوع لها على الناس، وليس أيضا شأنا خاصّا يتسامح به المسلم مع الكافر، والتائب مع المرتد. بل الدين بمعناه البسيط الذي يسْهُل فهمه من قبل الجميع هو: لقاء كل واحد منا مع الله تعالى هنا في الدنيا ليعرفه ويعبده ويطيعه، ويدرك أنه مخلوق مكرم ومسؤول له رسالة ملقاة على عاتقه عليه أن يبلّغها، ثم لقاؤه مع الله ثانية هناك في الآخرة ليحاسبه ويجزيه على ما قدم من عمله، في حقّ معرفة ربه وعبادته وطاعته وتبليغ رسالته.

وكما نجد للدين جانبا تعليميا للتلقي نتعلمه من حديث جبريل عليه السلام المشهور بأنه مراتب وطريق صاعدة وصراط مستقيم وعقبة واقتحام، وبأنه علم بعلامات الساعة وأماراتها وأشراطها لمعرفة مواضع الأقدام على رقعة الواقع والتاريخ، حتى احتاج الأمر لأهمية هذا الجانب التعليمي أن ينزل جبريل عليه السلام على صورة رجل ويحاور النبي صلى الله عليه وسلم حوارا مدهشا يحضره الصحابة ويسمعون مضمونه وتفاصيله ويتلقون تعليمه مع النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة. الدين هو إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة. نجد له أيضا جانبا آخر تطبيقيا وسلوكيا مفصلا في حديث النصيحة، الذي يُبين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين في إطاره العام علاقةٌ بين العبد وربه طاعة واستجابة لأمره، وعلاقةٌ بينه وبين القرآن تلاوة وتدبرا وتطبيقا، وعلاقةٌ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة وتأسّ واتباعا، وعلاقةٌ بينه وبين الحاكم مبايعة بين الطرفين على إحقاق الحق وإقامة العدل، وعلاقةٌ بينه وبين عامة المسلمين أخوة وتعاونا على البر والتقوى. فعن تميم الداري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” 6.

ويمثل الدين بأموره الأربعة: الإسلام والإيمان والإحسان وترقب للساعة دائرةَ النور، بينما تمثل الجاهلية بدركاتها من كفر وشرك ونفاق دائرةَ الظلمات، ومن خلال هذا التمثيل تتحدد وظيفة الأنبياء والرسل وأتباعُهم بإحسان، وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإنقاذهم من الهُوِيِّ في الدركات إلى الارتقاء في الدرجات. وتزداد الظلمة ويختفي النور كلّما هوى الإنسان بنفسه في الدركات السفلى حتى يصير شخصية ظلمانية، ويزداد النّور وتختفي الظلمة كلما ارتقى الإنسان بنفسه في الدرجات العليا حتى يصير شخصية نورانية.

ويفصل بين الخط المتصاعد للدين نحو الأعلى والخط المتهاوي للجاهلية نحو الأسفل فاصل يمثل الفتنة التي هي خليط من الحق والباطل أو ما اشتبه من أمور بينهما. يقول سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الخبير بالفتن: “لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة ما اشتبه عليك الحق والباطل” 7. فكل ما هو فوق الخط الأفقي المنتمي إلى مساحة النور هو من معالي الأمور، وكل ما هو تحته المنتمي إلى مساحة الظلمة هو من سَفْساف الأمور. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأمور ويكره سَفْسافها” 8. فمن أراد معالي الأمور فلينظر إلى السماء ليلا فهي مثل النجوم تُدرك بقوة الإرادة وعلو الهمّة، ومن أرادتْ نفسُه سفساف الأمور فلينظر إلى الأرض فهي مثل الأحجار المتناثرة تطأها الأقدام بالوطأة والخطوة.

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (3)

يمثل الدين كذلك بأموره الأربعة الصراط المستقيم الذي أنعم الله به على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ودعا إليه جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أقوامَهم. فهو يبدأ من قاعدة عريضة وواسعة يشترك فيها كلّ أفراد الأمة المسلمة وهي الإسلام، ثم يضيق هذا الصراط بعد ذلك ويقلّ السالكون عليه من درجة لدرجة، ومن مرتبة لمرتبة وذلك بسبب وجود العقبات الكثيرة، حتى يصير هذا الصراط المستقيم في أعلى درجة وهي الإحسان أدقّ وأرقّ ما يكون، لتعرّض العبد فيها لأشدّ العقبات وهي النفس الأمارة بالسوء، ولأخطر المحاذير المهلكة وعلى رأسها الغرور والكبر والنفاق. عَن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأبواب سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ، يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلا تَتَفَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ أن يَفْتَح شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأبواب، قَالَ: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الإسلام، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، والأبواب الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ” 9.

وكما يمثل الدين دائرة النور والصراط المستقيم يمثل أيضا طريق الهدى الذي أرسل الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ليسعد الناس في دنياهم وأخراهم. بينما في الجهة الأخرى المضادّة يمثل الكفر والشرك والنفاق طريق الضلال الذي يدعو إليه الشيطان وحزبه حتى يكونوا من أصحاب السعير. يقول الله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون 10. وجاء في الصحيحين من حديث أبي موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله “إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلت به”. فالاستجابة للهدى أنواع، استجابة طيبة صاحبها مهتد في نفسه وهاد لغيره، واستجابة جدباء صاحبها ضال في نفسه وهاد لغيره، واستجابة قيعية صاحبها ضال في نفسه وضال لغيره.

ولا ينكر أحد في العالمين حتى وإن اختلفوا عن نوعية الدين المطلوب، ما يكتسيه دينُ الحقّ الذي يرتضيه الله لعباده في الأرض للإنسان وللجماعة وللأمة من أهمية بالغة في تحقيق الأهداف الدنيوية من أمن وسلام واستقرار وعدالة وكرامة وحرية، وفي تحقيق الغايات الأخروية من سعادة ورضى وحسن مآب. فإن كان للناس من نظرة سلبية عن الدين بأنه تخلف وشأن خاص يتعلق بالموت وما بعده وبأنه إرهاب وقتل، فإنما كان ذلك بناء على الاستعمالات الخاطئة لكلمة الدين، التي يتلاعب بها الأعداء والخصوم على حدّ سواء يمينا وشمالا للإيقاع به وتشويه سمعته. وهذا ما دفع بالكثير إلى اعتناق أديان أخرى كدين الحداثة ودين الديقراطية ودين اللائيكية واللادينيةَ الإلحاد، ظانّاً منهم فيها الخلاص، والحقيقة أنها الهلاك لا مناص. يقول الله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين 11.

وللدين مراتب نستعرض تفاصيلها في حديثنا القادم إن شاء الله تعالى.


[1] المنهاج النبوي، ص: 33.
[2] أبو الأعلى المودودي، المصطلحات الأربعة في القرآن، ص: 120.
[3] يوسف: 40.
[4] المصطلحات الأربعة في القرآن، ص: 129.
[5] ياسين عبد السلام، الشورى والديقراطية، ص: 140.
[6] رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه.
[7] رواه ابن أبي شيبة رضي الله عنه.
[8] أورده الألباني في السلسلة الصحيحة.
[9] رواه الترمذي في الجامع، والإمام أحمد في المسند.
[10] الصف: 9.
[11] آل عمران: 85.