يحببنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخفاء الأعمال عن الناس مخافة الرياء، ولتكون خالصة لله عز وجل، فيقول: “من استطاع منكم أن يكون له عمل خبيئة فليفعل” 1. ومثله قال الزبير بن العوام: (من استطاع منكم أن يكون له جني من عمل صالح فليفعل) 2.

أعمال السر كثيرة منها: الصلاة (النافلة) – الصيام – الصدقة – الذكر – البكاء من خشية الله – الدعاء والمناجاة – مساعدة المحتاجين – قراءة القرآن – قيام الليل، إصلاح ذات البين – الجهاد…

فضل عمل السر

لعمل السر فضائل كثيرة، نذكر منها:

1 – قبول العمل، لأنه يكون خالصا لله تعالى، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، فقد قال تعالى في سورة البينة الآية 5: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين.

2 – التكفير عن السيئات، لقوله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير 3.

3 – رضى الله تعالى واجتناب غضبه، لقوله صلى الله عليه وسلم: “صدقة السر تطفئ غضب الرب” 4.

4 – نيل حب الله تعالى، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي” 5.

5 – تفريج الكرب وقبول الدعاء، كما جاء في قصة الغار 6.

6 – حسن الخاتمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهومن أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة” 7.

7 – التظلل بظل العرش يوم القيامة والنجاة من حر المحشر، لقوله صلى الله عليه وسلم: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله… ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه” 8.

8 – دخول الجنة، لقوله صلى الله عليه وسلم لبلال: “”يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة”، قال: ما عملت عملا أرجى عندي، أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي” 9.

أقوال الصالحين عن عمل السر

1 – قال ذو النون المصري: (لم أر شيئا أبعثَ لطلب الإخلاص مثل الوحدة، لأنه إذا خلا لم ير غير الله، فإذا لم ير غير الله، لم يحركه إلا حكم الله، ومن أحب الخلوة، فقد تعلق بعمود الإخلاص) 10.

2 – وقال بشر بن الحارث: (لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس) 11.

3 – وقال أيوب السختياني: (والله ما صدق عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه) 12.

4 – وقال محمد بن الواسع: (إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته لا تعلم به) 13.

طالع أيضا  من الكلمة الطيبة إلى العمل الطيب

5 – وقال أحمد بن الصلت: (سمعت بشر بن الحارث يقول: غنيمة المؤمن، غفلة الناس عنه، وإخفاء مكانه عنهم) 14.

6 – وقال الحسن البصري: (أدركت أقواما ما كان أحدهم يستطيع أن يسر عملا، فيعلنه، قد علموا أن أحرز العملين من الشيطان، عمل السر، وأن أحدهم ليكون عنده الزور، وأنه ليصلي خلف الوجه، ما يعلم به زوره) 15.

حال الصالحين مع عمل السر

كان الصالحون رضي الله عنهم يتسترون على أعمالهم ويخفونها حتى لا يطلع عليها أحد وتبقى خالصة لوجه الله تعالى ابتغاء مرضاته، وخوفا من إحباطها بالرياء والسمعة:

* عن الأوزاعي أن عمر بن الخطاب خرج في سواد الليل، فرآه طلحة، فذهب عمر، فدخل بيتا، ثم دخل بيتا آخر، فلما أصبح طلحة، ذهب إلى البيت ذلك، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى. قال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع؟ 16.

* وعلي زين العابدين كان يحمل أكياس الدقيق على ظهره بالليل ويوصلها إلى بيوت الأرامل والأيتام والفقراء ولا يستعين بخادم، مخافة أن يطلع عليه أحد، فلما مات وغسلوه، وجدوا على ظهره آثارا مما كان يحمل الجرب بالليل، وعن محمد بن إسحاق قال: (كان ناس من أهل المدينة يعيشون ما يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين رحمه الله فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل) 17.

* قال ابن قتيبة في عيون الأخبار: (حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ (ت 215 هـ) قال: حدّثنا أبو عمرو الصّفّار قال: حاصر مسلمة حصناً فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد. فجاء رجل من عرض الجيش فدخله ففتحه اللّه عليهم، فنادى مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد، فنادى: إني قد أمرت الآذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلاّ جاء. فجاء رجل فقال: استأذن لي على الأمير. فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه. فأتي مسلمة فأخبره عنه، فأذن له فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألاّ تسوّدوا اسمه في صحيفة “إلى الخليفة” ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو. قال: فذاك له. قال: أنا هو. فكان مسلمة لا يصلي بعده صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب) 18.

* عبد الله بن المبارك كان يضع على وجهه لثاما في الجهاد كي لا يعرف، قال عبدة بن سليمان: (كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة، فطعنه فقتله، ثم آخر، فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة، فطعنه فقتله، فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه، فإذا هو ملثم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه، فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا. وقال عنه أحمد بن حنبل: ما رفعه الله إلا بخبيئة كانت عنده) 19.

طالع أيضا  العمل الصالح: شروطه وجزاؤه

* أيوب السختياني كان يقوم الليل يخفي ذلك، فإذا كان قبيل الصبح رفع صوته فكأنه إنما قام تلك الساعة 20. وكان ربما حدث بالحديث فيرق، فيلتفت فيتمخط ويقول: ما أشد الزكام 21.

* قال محمد بن مهزم: (كان محمد بن واسع يصوم الدهر ويخفي ذلك). وقال عنه موسى بن بشار: (صحبت محمدا بن واسع من مكة إلى البصرة، فكان يصلي الليل أجمع، يصلي في المحمل جالسا يومئ برأسه إيماء، وكان يأمر الحادي يكون خلفه، ويرفع صوته حتى لا يفطن له… لم يكن يرى كثير عبادة، وكان يلبس قميصا بصريا وساجا، وكان له علية، فإذا كان الليل، دخل ثم أغلقها عليه) 22.

* داود بن أبي هند كان يصوم مدة أربعين سنة، لا تعلم به زوجته وأهل السوق. يقول لأهل السوق: (إني ذاهب إلى البيت للغذاء)، ويقول لزوجته: (أعدي لي الغذاء لأتناوله في السوق) ثم يتصدق به 23.

* قال محمد بن القاسم الطوسي عن سيده أبي الحسن الطوسي: (كان يدخل بيتا ويغلق بابه، ويدخل معه كوزا من ماء فلا أدري ما يصنع، حتى سمعت ابنا له صغيرا يحكي بكاءه، فنهته أمه، فقلت لها: ما هذا البكاء، فقالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت، فيقرأ القرآن ويبكي، فيسمعه الصبي فيحكيه. وكان إذا أراد أن يخرج، غسل وجهه، واكتحل ولا يرى عليه أثر البكاء. وكان يصل قوما ويعطيهم ويكسوهم، فيبعث إليهم ويقول للرسول: انظر أن لا يعلموا من بعثه إليهم. ويأتيهم هو بالليل، فيذهب به إليهم، ويخفي نفسه، فربما بليت ثيابهم ونفذ ما عندهم، ولا يدرون من أعطاهم) 24.

* عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “”إن الله عز وجل يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الشعثة رؤوسهم، المغبرة وجوههم، الخمصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا”. قالوا: يا رسول كيف لنا برجل منهم؟ قال: “ذاك أويس القرني”. قالوا: وما أويس القرني؟ قال: “أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة، آدم، شديد الأدمة، ضارب بذقنه إلى صدره، رام ببصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين، لا يؤبه له، متزر بإزار صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء، لو أقسم على الله لأبر قسمه، ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف، فاشفع، فيشفعه الله عز وجل في مثل ربيعة ومضر. يا عمر، يا علي، إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما، يغفر الله لكما”” 25.

طالع أيضا  كن سليم السر في علن الهرج

خاتمة

عمل السر من أهم الأعمال التي يحبها الله تعالى، ويرضى عنها ويجزل عليها العطاء، لأنها تعلم الإخلاص والصدق، وتبعد عن الرياء والسمعة وحب المحمدة، وهي أعمال يذخرها المؤمن ليوم يكون أحوج فيه إلى ما ينجيه من كرب يوم القيامة، ويجعله في ظل عرش الرحمان يوم لا ظل إلا ظله، كما أنها أشق على النفس، وأشد على الشيطان الذي لا يترك العبد حتى يحدث بها، فينزع عنه الإخلاص والثواب ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لذلك على المسلم أن يبادر ويسارع إلى أعمال خبيئة يتاجر فيها مع الله تعالى، يكسب فيها ربحا وفيرا وفلاحا وسعادة في الدنيا والآخرة. ج3 ص 20 – 21.


[1] رواه الإمام أحمد وابن شهاب القضاعي في مسنده والخطيب البغدادي في تاريخه والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة وصنفه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
[2] صفة الصفوة ابن الجوزي ج1 ص135 مكتبة الصفا الطبعة الأولى.
[3] سورة البقرة الآية 271.
[4] رواه الطبراني.
[5] رواه مسلم.
[6] كلنا يعلم قصة الثلاثة الذين حبستهم صخرة في غار، فتوسلوا إلى الله تعالى بأخلص أعمالهم، ففرج الله تعالى كربتهم، كما رواها البخاري وغيره، لكن لا أحد منا سأل نفسه لو كان مكان الثالث، وكان إنقاذ أصحابه من الهلاك متوقفا عليه، فبأي عمل خبيئة يتوسل إلى الله تعالى.
[7] البخاري ومسلم.
[8] البخاري وغيره.
[9] البخاري ومسلم.
[10] صفة الصفوة ج4 ص 186.
[11] نفسه ج2 ص 150.
[12] نفسه ج3 ص 145.
[13] نفسه ج3 ص 132.
[14] نفسه ج2 ص 151.
[15] كتاب الزهد للإمام أحمد – مكتبة الصفا – الطبعة الأولى 217 – 218.
[16] صفة الصفوة ج1 – ص 110 نقلا عن أبي نعيم في حلية الأولياء ج1 ص 48.
[17] صفة الصفوة ج2 ص44.
[18] نفسه ج1 ص 172.
[19] نفسه ج 4 ص 86.
[20] نفسه ج3 ص144.
[21] نفسه ص 145.
[22] نفسه ج3 ص 131.
[23] سير أعلام النبلاء للذهبي ج6 ص134 مؤسسة الرسالة.
[24] صفة الصفوة ج4 ص 75 – 76.
[25] نفسه ج3 ص 20-21.