الرؤية التحريرية، من أين وكيف نحرر؟

لما ننظر إلى أحداث الأمة ونكباتها من منظار السماء ورؤية القرآن فضلا عن اجتهادات الأرض وأفكار الإنسان، لما ننظر إلى  مواجهة  التكالب الأممي للمستضعفين تمزيقا للأمة  وحصارا للمسجد الأقصى منعا وقمعا نتيجة الاستكبار وتكالباته والسطوة والعلو الصهيوني على بيت المقدس من الرؤية التي رأى منها النبي صلى الله عليه، لما نرى تقلبات مجريات الأمور من خلال سنن الله ومن رؤية العطاء اللدني -“من لدنا”-  التي رأى بها ومنها “عبده”  محمد  صلى الله عليه وسلم الكون والملكوت بفضل مدرسة سماء المعراج المتجلية نورا وخبرا في قول الله تعالى “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا”، لما ننظر إلى حالنا بنور النبوة ومن المعالي التاريخية الإيمانية ونرى برؤية السماء والكون الشمولي ننجح أيما نجاح في معرفة الداء واستخلاص الدواء، نرى كشوف الماضي والحاضر والمستقبل، نرى التاريخ ونفسره ونصنعه  ونحلل الواقع ونسبر أغواره بدقة وعمق دون زيغان، نرى الداء والدواء ومشروع التحرير والتغيير والتجديد لإزالة الداء في عصر تشتتت فيه  الأفكار  في التحرير والتغيير لتشتت القلوب والنفوس والأهواء، وعوج الإرادات والتحركات، وخلل في المنهاج والخطط.

حين ننظر إزاء القرآن وبمنظار القرآن والوحي  نبصر الأمة وقضية بيت المقدس في أبعادها الضاربة الأعماق في سنة الله، العميقة الجذر في قلوب بني آدم من جهة إيمانهم بالله وتصديقهم لرسله أو تكذيبهم.

لما ننظر بنظرة السماء والرؤية المطلقة المتحدية للرؤية الإنسانية النسبية اتجاه قبلتنا الأولى، نرى أحداث المواجهة بين المسلمين والاستكبار الصهيوني الدولي المتكالب بحقائق سنة الله وحقيقة الأصل والوجود الحقيقي، ونرى الأحداث من الأعالي دون تيه وغرق في الأحداث والتفسيرات الأرضية، فهذه رؤية وسنة النبي صلى الله عليه في التخطيط والتدبير ووسيلته لفتح الأمة بيت المقدس بتنفيذ خطة “لنريه من آياتنا”.

فالوحي وضّح وكشف الداء والمرض الذي سيعلو على الأمة، وبيّن جليا الدواء المخلص من هذا المرض الشتات الذي سيزرع وسط الأمة ككيان عازل بعد جمعه لفيفا من قبل أوربا والغرب المستبد، لتحقيق خطة تفكيك الأمة الإسلامية والدولة العثمانية  قصعة منقسمة ممزقة الأوصال  ينخرها الوهن والغثائية بدل روح الجهاد والتجديد وحب الموت والشهادة.

من خلال الرؤية الشمولية المتجلية في  القرآن في سورة الإسراء “لنريه من آياتنا” التي لا تعد روايات تاريخية أو قصص تحكى، ومن إزاء منهاج ومشروع النبوة الذي هو ثمرة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف،  وثمرة حركة السير السببي بالبراق، وثمرة اجتماع الأنبياء والرسل بالمسجد الأقصى، وثمرة  رحلة الإسراء والمعراج، ومن إزاء منهاج ومشروع النبوة الذي هو حركة البراق ولقاء السماء بالمعراج، نشرف على التاريخ وعيا وفهما، لنقرأ الحاضر ونعي الواقع ونضع ملامح التغيير والتحرير الاستراتيجي المطلوب، لتطبيق القرآن عقيدة وعبادة وسلوكا وعملا على المقاصد وطلبا لها.

بهذه النظرة والرؤية المعراجية النبوية الشمولية نستعيد أنفسنا من الغثائية والجمود الفكري والانحطاط الحركي والإيماني، ونخرج سالمين من قبضة الفتنة التي أردانا فيها نسيان الله، وقساوة القلوب من عدم ذكر الله.

قال الله عز وجل: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا. وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [58] سورة الإسراء.

من يحرر بيت المقدس والأمة؟


إذا قرأنا خبر الله تدبرا في قول الله تعالى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً، نلحظ أن لفظ “العباد” منسوبا إلى الألوهية والرحمانيّة “لنا” وضمير الجلالة يطلق في القرآن على العباد الصالحين.

فعباد الله هم عباد الرحمان  المصطفون الأخيار كانوا هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان وسار سيرا متئدا وخطى يقينية صادقة لا تعرف النكوص عن العهد والإرث النبوي الجهادي الإيماني.

أفسد اليهود في الأرض يومئذ بما نقضوا من عهود وبما نكثوا وغدروا، وكانوا رمز النكوس والغدر خصوصا قتلهم الأنبياء،  وكان جند الله بقيادة رسول الله عبادا لله أولي بأس شديد لا يخافون في الله لومة لائم، ومن أشد صفاتهم الجوس، جاسوا خلال ديار خيبر “الجوس الـمُنكي” الذي لا تزال ذاكرة إخوان القردة تحفظه وتغذي نوايا ثاراته باحتلال مكة والمدينة بعد احتلال القدس.

نقلة تاريخية ما بين انتصار المسلمين على اليهود بعد خيبر ودخولهم بيت المقدس في زمن عمرَ  والقادسية وانتصار العهدة العمرية طواها القرآن طيا كما نعهد من بلاغته.

لم يكن لليهود كل ذلك العلو المادي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت لهم صناعة حجر وحصون وتجارة ودراية وقلم، لكن عباد الله كانوا عباد الله حقا يتربون في حجر النبوة ويتعلمون من صفاتها وخصالها وشعبها ويتحركون على منهاجها وخطتها، فصنعوا رجالا ومحاضن الرجال  وأشاعوا العدل والإحسان، وأسرجوا بالقناديل النورية ربوع الأمم وفتحوها لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولنصرة المستضعفين من جور  الملوك والسلاطين إلى عدل الإسلام وسعته.

لكن الروح اليهودي الصهيوني وبعد عكوفه علميا وعقديا  في جيتوات (ملاحات) لمدة قرون، استغل فترة  بعد الانكسار التاريخي الثاني بسقوط الدولة العثمانية وضعف الأمة الإسلامية  (آخر شوكة عسكرية إسلامية للأمة) ليتم جمعه لفيفا بعد شتات (لأمر يريده الله)، ليزرع بوعد بلفور  البريطاني في 1917 كدولة عزل وكيان صهيوني يعلن عن دولته في 1948 ليتمكن بعدها ويتمدد روحا وأرضا في دول العرب والغرب بأحجام غربية  أمريكية وروسية بروتيستانتية وقومية وفتنوية وديكتاتورية عربية.

ومع اقتراب الموعد الآخر الذي بينهم وبيننا موعد النصر والتمكين، نرى اطِّراد تقدمهم العلمي والتكنولوجي والتحالفي والتنظيمي والكيدي ومعهم القنابل الذرية والصواريخ يجودونها إتقانا وتصنيعا.

ولن يكون المسلمون الذين يقاتلونهم ويقتلونهم خلف الحجر والشجر، يتكلم الشجر بإذن الله، إلا الجيل الذي يستحقُ أقرب ما يكون الاستحقاق أن يسموا “عباد الله” كما كان المهاجرون والأنصار عباد الله، وكما تجدد هذا الجيل مع الفاتحين الأيوبيين والزنكيين والمغاربة الذين تشربوا العبودية الحقة وقوة السلوك الجهادي من رجال الله والصلاح  والقرآن والعلم أمثال عبد القادر الجيلاني وابن برجان والقاضي عبد الرحيم البسياني والغوث أبي مدين وابن حرزهم  رحمهم الله جميعا.

ولي كلمة

هذه العبودية الشمولية هي التي تجسدت وتجددت في قرون الفاتحين الأوائل عهد الفاروق  عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفاتح لبيت المقدس بسبعة عشر رقعة ودابة وغلام، ومع نور الدين محمود زنكي الملك العادل رحمه الله الذي صحب رجال الله وأولياء الله رؤية وتربية لنيل الفتح المعنوي قبل الميداني، وصلاح الدين الأيوبي رحمه الله الذي رفع شعار خيمة قيام الليل “من هنا يأتي النصر ومن هنا تأتي الهزيمة” ورفع شعار “معرفة الرحمان قبل الميدان” ورفع شعار “بناء الإنسان قبل مواجهة العدوان”.