مقدمة

يعتبر العلماء حديث جبريل عليه السلام المشهور بأنه أمّ السنة، لما احتواه واختصره واختزله من أحكام الشريعة في أمر الإسلام، وقضايا العقيدة في أمر الإيمان، وآداب السلوك في أمر الإحسان، ومراحل التاريخ وتقلباته وتحولاته في أمر الساعة وعلاماتها. كما هي مكة المكرّمة التي اعتبرها القرآن أمّ القرى الجامعة في موسم الحج والعمرة لمختلف أجناس المسلمين من أنحاء العالم، وكما هي سورة الفاتحة التي اعتبرها القرآن والحديث أمَّ الكتاب الجامعة لكل معاني القرآن وعلومه.

أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق. فلبثت مليا (أي قليلا) ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.

فالحديث كما يشكل وحدة موضوعية متكاملة تجمع بين مواضيع أربعة، يشكل أيضا وحدة شرعية تجمع بين أمور دينية أربعة. فالذين يكتفون بذكر المواضيع الثلاثة الأولى ويعطون لها الأهمية في الشرح والتحليل والتأليف ويعتبرونها الدين دون الموضوع الرابع الذي هو الساعة وعلاماتها إنما يجزّئون وحدة الحديث الموضوعية والشرعية. فما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإسلام والإيمان والإحسان من حديث عن الساعة وأماراتها ليس زائدا ولا عبثا. بل هو أمر من الدين له أهمية وله علاقة بما سبقه من أمور الدين. ولذلك “احتاج الأمر لأهميته أن ينزل جبريل على صورة رجل ويحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم حوارا مدهشا ليعلمهم دينهم. الدين إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة، والدين الذي يجدده الله للأمة بمن يصطفيه من خلقه هو كل هذا، لا يتبعض”[1].

فالإسلام والإيمان والإحسان تمثل مراتب الدين، وعلامات الساعة تمثل التاريخ بأبعاده الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل. فإذا كانت المراتب تمثل المشروع التربوي والفكري والحركي فإن علامات الساعة تمثل واقع التاريخ الذي تنزل ويتنزل عليه هذا المشروع بالوسائل والأساليب المناسبة. وكلما كان التنزيل صحيحا كان الواقع التاريخي مثاليا ونموذجيا كما كان في العهد النبوي والعهد الراشدي. وكلما كانت طريقة التنزيل فيها خلل عن طريق التأويل والتبديل كلما كان الواقع التاريخي يشهد انحرافا بظهور أمارات الساعة وعلى رأسها ما ذُكِر في الحديث النبوي الشريف، كما كان في عهد الملك العاض والملك الجبري.

إن مما اعتاد الناس عليه أن يقرؤوه وأن يسمعوه أن الدين هو الإسلام، وبهذا الفهم المعتاد للدين المنحصر في الإسلام غاب عندهم التنافس في الخير، والتسابق إلى مغفرة الله ورضوانه، بالرغم من نداءات الله تعالى المتكررة في القرآن إلى ذلك. يقول الله تعالى: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله[2]. ويقول كذلك سبحانه:  ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون[3]. ويقول أيضا عز وجل: والسابقون السابقون، أولئك المقربون في جنات النعي[4]. والصحيح أن الدين الذي أكمله الله تعالى لنا وأتمّ نعمته علينا ورضي لنا الإسلام لأولويته وتقدّمه في المراتب دينا كما ورد في الآية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [5]، وورد مفصلا في حديث جبريل عليه السلام المشهور الذي سنذكره لاحقا ببعض صيغه، هو إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة. فإذا وجدنا أن الإسلام في بعض الآيات من القرآن قد أطلق على الدين، فلكونه الباب الرئيسي الذي يدخل منه المرءُ إلى الدين، والأساس الذي يُبنى عليه للارتقاء إلى ما هو أعلى منه وأرقى. يقول الله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام[6]، ويقول سبحانه:  ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه[7]، فأطلق الله تعالى الجزء على الكل لأهميته من حيث الدخول في الدين واعتناقه والالتزام به، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: “الحج عرفة”[8]. فليس الحج هو الوقوف بعرفة فقط، بل هو الركن الأهم فيه الذي إذا غاب بطل ما سواه وبالتالي بطل الحج كله.

وكما اعتاد الناس أن يحصروا الدين في درجة الإسلام، اعتاد العلماء أن يتحدّثوا عن مواضيع هذا الحديث الذي يبين مجمل أمور الدين بنوع من التجزيء، إذ يعمدون إلى شرح الحديث من خلال المفاهيم الثلاثة الأولى دون إعطاء المفهوم الرابع الذي هو الساعة وعلاماتها حقه من الشرح والتوضيح والتفصيل. ومن الكتب التي تناولت حديث جبريل بالشرح الوافي كتاب “شرح حديث جبريل في الإسلام والإيمان والإحسان” المعروف باسم كتاب الإيمان الأوسط لمؤلفه شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله. الكتاب رغم حجمه الكبير الذي تزيد عدد صفحاته على 600 صفحة لم يتطرق ولو حتى بصفحة واحدة إلى علامات الساعة.  بينما الحديث واضح في تفاصيله وحقائقه ومواضيعه، فهي أربعة: الإسلام والإيمان والإحسان والساعة. قد تبدو لنا المفاهيم الثلاثة الأولى مرتبطة في ما بينها، بينما المفهوم الرابع فمستقل عنها، لكنه من المؤكد بتلك الطريقة التي جمعها الحديث النبوي ورتبها أن بينها علاقة وارتباط وثيق.

فلما تحدث العلماء في كتبهم عن علم الإسلام الذي هو علم الشريعة، وعن علم الإيمان الذي هو علم العقيدة، وعن علم الإحسان الذي هو علم السلوك، كان من العدل والإنصاف أن يتحدثوا عن علم الساعة أيضا ويسمونه. فيطلقون عليه مثلا “العلم بعلامات الساعة”. يكفي أن نلاحظ كيف أنصف الحديثُ كلّ أمر من هذه الأمور حين خصصّ له أركانا. فللإسلام خمسة، وللإيمان ستة، وللإحسان اثنان، وللساعة اثنان. هناك في ميدان التأليف كتب ذكرت علامات الساعة كباب من الأبواب ككتب الحديث مثلا، وهناك بعض الكتب استقلت بالموضوع، منها: كتاب “فقه أشراط الساعة” لمؤلفه محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم، وكتاب “الفتن” للحافظ نُعيم بن حمَّاد الخُزاعي، المتوفى سنة (228ه) رحمه الله. وكتاب “النهاية” أو “الفتن والملاحم” للحافظ ابن كثير، المتوفَّى سنة (774ه) رحمه الله. و“الإشاعة لأشراط السَّاعة” للشريف محمد بن رسول الحسيني البرزنجي، المتوفى سنة (1103ه) رحمه الله. و“الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي السَّاعة” للشيخ محمد صدِّيق حسن القنوجي، المتوفى سنة (1307ه) رحمه الله. و“إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط السَّاعة” للشيخ حمود بن عبد الله التويجري النَّجدي المتوفى سنة (1413 ه) رحمه الله.

ذِكرُ هؤلاء العلماء لأشراط الساعة وما بين يديها من الفتن والملاحم غالبا ما كان يصبّ في جانب التأصيل والتصنيف والشرح والتفصيل، لم يصل بهم الأمر إلى توظيف ذلك تربويا ودعويا وحركيا كما وظفوا مراتب الدين من إسلام وإيمان وإحسان، ربما لكون المجهودات العلمية آنذاك كانت فردية لم يخطر ببال أحدهم هذا التوظيف، أو ربما لأن الحاجة اقتضت ما وصلوا إليه فقط، أو ربما لأعذار أخرى لا نعلمها. كما قال سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه: “حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم”[9]. لكن اليوم والأمة تشق طريقها نحو غدِ الإسلام فإنه يتعين على العلماء إعادة القراءة لنصوص هذه الأشراط والعلامات والأمارات وما بين يديها من فتن حتى يتسنى توظيفها بطريقة صحيحة تخدم الدعوة الإسلامية وتصحيح مسار التاريخ بإعادة الأمة إلى سكته.

فهي إذا أمور أربعة هكذا أصّل لها الحديث، “ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمْر دينكم”[10]، وفي رواية: “هذا جبريل أتاكم يعلمكم مناسك دينكم”[11]، وفي رواية أخرى: “ذاك جبريل أتاكم يعلمكم معالم دينكم”[12]. وهكذا ينبغي أن يتلقاها كل مسلم ويتعلمها ويتفقهها أمورا ومعالم ومناسك أربعة. ثم بعد التلقي والتعلم والتفقه والفهم والاقتناع يظهر للمسلم إرادة الترقي من إسلام لإيمان لإحسان باعتبارها مراتب الدين ومدارجه ومعارجه، وفي نفس الوقت يتوقّى ويحذر من أمارات الساعة وما بين يديها من فتن مضلة التي قد تنتج عن أي خلل يقع في منهجي التلقي والترقي من طرف الفرد أو الجماعة أو الأمة. وبناء على هذا فإن التعامل الصحيح مع حديث جبريل عليه السلام، حديث “أمّ السنة” يكون من خلال المبادئ أو المناهج الثلاثة: التلقّي لأمور الدين ومعالمه الأربعة كاملة ومجتمعة تعلّما وتعليما وفقها وفهما، والترقّي في مراتبه تطبيقا وسلوكا، تصديقا وتحقيقا، والتوقّي من أمارات الساعة التحذيرية (السلبية) التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث نبوية كثيرة حفْظا للمراتب وحفاظا على مبدأي التلقي والترقي. يقول الله تعالى: [فليحذر الذين يخالفون عن أمره (مراتب الدين الثلاثة بالخلل فيها تلقيا وترقيا) أن تصيبهم فتنة أو عذاب أليم (بظهور أمارات الساعة وعلاماتها والفتن التي بين يديها)][13]. والغريب في الأمر أن الواقع التاريخي للأمة اليوم يثبت انتقال الأمة رويدا رويدا بفعل الإفساد الممنهج لفكّ العلاقة الصحيحة بين الأمة والمراتب الثلاثة إلى العيش في زمن ظهور أمارات الساعة ومضلات الفتن.

نتصور تلك العلاقة القائمة بين المراتب الثلاثة والعلم بعلامات الساعة وأشراطها وأماراتها الواردة في النصوص القرآنية والحديثية على الشكل التالي: تمثل المراتب الثلاثة (الإسلام والإيمان والإحسان) السفينة العابرة لبحر الواقع الهائج المائج نحو شاطئ النجاة، بينما تمثل علامات الساعة التغيرات الجوية. فإذا لم يكن الربّان خاصة القائدين للسفينة على علم بالأرصاد الجوية وعلى معرفة بالتوقعات المطرية والثلجية والعاصفية والإعصارية التي قد تحدث في أي لحظة يوشك أن تغرق السّفينة بهم وبمن معهم من الركاب أو تتيه في المجهول وهم لا يَدرون.

فإدراكا منا لعظمة شأن هذا الحديث وما يمثله من أهمية داخل المنظومة الحديثية باعتباره أمّ السنة وأصلا من أصول الدين نهيب بكل مسلم ومسلمة، وكل مؤمن ومؤمنة إلى حفظه وتحفيظه، تعلّمه وتعليمه، فقهه وتفقيهه كما هو الشأن مع سورة الفاتحة. فيُلقن للكبار كما للصغار، للرجال كما للنساء. وأن يُدرج ضمن برامج التربية والتعليم للمتعلمين والطلبة في المدارس والمعاهد فيُلقّن للناشئة لحفظه ويُدرّس لهم لتعلم معانيه ومضامينه. أما في المجال الدعوي فإنه من المسؤوليات الملقاة على عاتق الدعاة الربانيين حمل الناس على تلقي أمور هذا الدين مجتمعة، والترقي في مراتبه، والسعي إلى إعادة بناء هذه المراتب بتجديد الأساليب والوسائل التربوية الداعية والدافعة إلى ذلك. وبموازاة ذلك يحتاج الحديث أيضا من العلماء والمفكرين لقراءة جديدة متأنية ولدراسة علمية واعية تحترم فيهما الوحدة الموضوعية والوحدة الشرعية للحديث بقصد استخراج واستنباط ما يحتويه ويتضمنه من علوم ولغات وخطابات متنوعة تناسب العصر والمصر وتفيد الطالب بصفة خاصة والمسلم بصفة عامة.

في هذه الوقفة مع هذا الحديث النبوي الشريف سنحاول بعد المقدمة:

أولا: الوقوف على مفهوم الدين ومراتبه الثلاثة بالتفصيل.

ثانيا: الوقوف على الساعة وخاصة علاماتها وأماراتها وما بين يديها من فتن مضلة.

ثالثا: الوقوف على العلاقة التي تربط بين مراتب الدين الثلاثة التي تمثل مشروع المنهاج النبوي للتغيير والبناء بأمارات الساعة التي تمثل الواقع بكل أبعاده.

وفي الأخير الخاتمة التي تلخص ما سبق.

والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

 

1- ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص:33 .

2- الحديد: 20

3- المطففين: 26

4- الواقعة: 12- 14.

5- المائدة: 3.

6- آل عمران: 19.

7- آل عمران: 85.

8- أخرجه الترمذي رحمه الله في كتاب الحج.

9- رواه البخاري رحمه الله.

10- رواه الترمذي رحمه الله في صحيحه.

11- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لعلي بن أبي بكر الهيثمي، رجاله موثقون، 45/1.

12- رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده وابن ماجه رحمه الله في صحيحه.

13- النور: 63.