جرت العادة أن نسمع مثل هذا العنوان في بعض البرامج التلفزية أو الإذاعية فينصرف الذهن إلى ضبط قواعد التلاوة بإخراج كل حرف من مخرجه الصحيح وإعطائه ما يستحق من صفات، وتطبيق ما يترتب له من أحكام بتركيبه مع حروف أخرى. وهذا أمر كرّس له علماؤنا جهودا عظيمة من أجل ضبطه وتقعيده وبسطه للأمة سهلا ميسرا. ومن واجب المسلم أن يأخذ حظه من هذا العلم صونا للسانه من اللحن جليِّه وخفيه، وامتثالا لأمر الله عز وجل بترتيل القرآن ترتيلا متقنا. يقول ابن الجزري رحمه الله:

والأخذ بالتجويد حتم لازم ** من لم يصحح القرآن آثم 1

إلا أن المقصود ههنا أعمق من مجرد ضبط التلاوة وإتقان الأداء. إنَّ السؤالَ عن الكيف بحث في الحال القلبي والوجداني الذي ينبغي أن يعتريَ المؤمن وهو يقرأ القرآن الكريم. إنه بعبارة أدق: كيف نقرأ القرآن والسعادة تغمر قلوبنا والسكينة تنزل عليها ومحبة الله رسوله تحييها؟ كيف تكون قراءتنا للقرآن سببا لانشراح الصدر وطمأنينة القلب؟ والحقيقة أن هذه الحال الشريفة لا سبيل للعبد إليها إلا أن يجود الحق سبحانه وتعالى بفضله ونواله. لذلك أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل القرآن حياة القلوب و وطمأنينتها. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحا” 2 . دعاء نتوجه به إلى المولى عز وجل لكي يحيي قلوبنا بالقرآن وينير صدورنا بتلاوته وتدبّره ويُذهب همومنا ببشاراته. وقد شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالربيع أي بالمطر الذي يحيي الله به الأرض الميتة فتنبت من كل زوج بهيج، فكذلك القرآن العظيم هو حياة للقلوب التي يتهددها الموت وإن كان أصحابها يمشون على الأرض. وهو النور الذي يضيء الصدور فتبصر به الحق حقا والباطل باطلا، وهو سبب السعادة والفرح التي تغمر باطن الإنسان بعد أن شوشت عليه الغفلات والوساوس والفتن، وأحزنت قلبه بهموم الدنيا المنغصة.

“اقرأ القرآن كما لو أنزل عليك”

إن سعادة المؤمن بكتاب الله عز وجل آتية من كونه يتلو كلام رب العالمين ويسمع آياته التي أنزلها على أفضل خلقه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وبعثه بها لهداية الناس إلى الصراط المستقيم وإلى معرفة الحق سبحانه والتقرب إليه ومحبته والتودد إليه. إننا نقرأ كلام الله؛ نتعرف وصاياه وشرعه الذي ارتضاه لنا وجنانه التي شوقنا إليها وقصص أنبيائه ومصائر الأقوام قبلنا وسننه في خلقه… ويزداد تعلق العبد بكتاب الله عز وجل وتعظم فرحته عندما يستشعر أن الله تعالى يخاطبه ويوجهه وينير له الطريق وسط ظلمات الفتن ليميز بين الحق والباطل، ويناديه بالنداء العلوي الحبيب كما يسميه سيد قطب رحمه الله ـ يا أيها الذين آمنوا أو بالنداء الرقيق الحاني ياعبادي. وهذا ما عاشه أحد الصالحين فانشد يصف هذه الفرحة قائلا:

ومما زادني شرفا وتيها ** وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك عبادي ** وأن صـيّرت لي أحمـد نبـيّاإن الناس عادة لو كلمهم بشر مثلهم ممن لهم مكانة في المجتمع أو لهم سمعة أو جاه لأحسوا بالفرحة الغامرة ولما توانوا في حكايتها للقريب والبعيد. فكيف بالعبد الفقير الضعيف الفاني يخاطبه الله عز وجل الكريم الوهاب مالك الملك سبحانه. فلو تأمل المؤمن هذه النكتة اللطيفة وهو يقرأ القرآن لأقبل عليه بنهم وشغف. ولذلك قال سيدنا الخباب بن الأرت: تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تـتقرب إلى الله تعالى بشيء هو أحب إليه من كلامه) 3 وقال سيدنا عثمان بن عفان: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم) 4 . إنه كلما تطهر القلب وتنور وتزكت النفس وصفت إلا وعاش المؤمن مع القرآن لحظات الأنس والسكينة والطمأنينة والسعادة والفرح بالله. جاء أحد المريدين إلى رجل من العارفين يريد أن يصحبه ويتتلمذ على يديه فسأله الشيخ: أتحفظ القرآن؟ قال: لا. فقال الشيخ: المؤمن لا يحفظ القرآن؟!! بم يتنعم؟! فبم يترنّم؟ ! فبم يناجي ربه تعالى!؟) 5 . كانوا رحمهم الله يجدون اللذة والنعيم بين أحضان كتاب الله عز وجل. وما أروع الحكمة التي أوصى بها الشاعـرَ أبوه عندما رآه يقرأ القرآن بشرود وغفلة: اقرأ القرآن وكأنه أنزل عليك) 6 أي أنت أيها القارئ للقرآن. المقصودُ ببشارته ونذارته، الموجَّهُ إليه أمره ونهيه، المعنيُّ بإشاراته ولطائفه، المعتبِرُ بقصصه.

وهاهو الفضيل بن عياض رحمه الله يعزم على اقتراف الذنب – قبل توبته – فإذا به يسمع تاليا يتلو: ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله… فيجيب فور سماعها: بلى يا رب، قد آن). لقد أحس أنه المخاطب المباشر بتلك الآية في تلك اللحظة وذلك الآن، فكان التأثر وكانت الاستجابة الفورية. وقد كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم. سمع امرأة تبكي وتردد قول الله تعالى: هل أتاك حديث الغاشية فأخذ يبكي معها ويقول: “نعم أتاني، نعم أتاني” 7 .

مع الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال القرآن الكريم

إن الله تعالى اصطفى مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما للأنبياء والرسل وأنزل عليه أفضل كتبه. ومن حكمة الله عز وجل أن القرآن لم ينزل جملة واحدة بل نزل مفرقا حسب الأحداث والوقائع. فالمؤمن المحب لرسول الله صلى الله عليه يرى بقلبه ـ وهو يقرأ القرآن ـ كيف فاجأ الوحي النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء وكيف رجع إلى أمّنا خديجة رضي الله عنها يرجف فؤاده فتضمه وتثبته وتزمله، وكيف قام مبلغا الرسالة في سرية وتخفّ، ثم كيف أمر بالصدع بالدعوة.. ويرى حجم التكذيب والأذى والتضييق الذي لقيه الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، وكيف كانت تنزل عليه الآيات تباعا، تـثـبّـته وتقوي يقينه في نصر الله وتردّ أباطيل المشركين وتقارعهم بالحجة والبيان وتأمره بالصبر حتى نصره الله عليهم وبلغ رسالة ربه. يرى المؤمن كيف كانت تنزل الآيات عليه صلى الله عليه وسلم مُوجهة له في السلم والحرب والسفر والحضر وفي البيت والمسجد والسوق، في الشأن الخاص والعام. يرى كيف كانت تُزفّ له البشارات الدنيوية والأخروية تلو البشارات… يرى المؤمن ذلك كلَّه وغيرَه بعين قلبه من خلال مرآة القرآن الكريم وكأنه حاضر مع الرسول صلى الله عليه وسلم مرافق له في مسيرة دعوته متنعم بقربه. ومن كان هذا حاله مع القرآن استنار قلبه وقويَت حُجته، حتى إذا خرج إلى دنيا الناس كان معه من نور القرآن ما يضيئ له ولهم الدروب المظلمة أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس 8 قال ابن كثير: والنور هو القرآن؛ كما رواه العوفي، وابن أبي طلحة، عن ابن عباس) 9 .

فلئن كانت الأجيال بعد عصر الصحابة قد فاتها أن تعيش مع الرسول صلى الله عليه وسلم كما عاش الصحب الكرام فإن لها أن تتلمس آثار دعوته وسلوكه وأخلاقه العظيمة من خلا ل كتاب الله عز وجل خصوصا إذا توفرت لديها مراتع للتربية والصحبة والذكر يؤتى فيها الإيمان قبل القرآن.

فيا سعادة المحب بوصلة بالحبيب صلى الله عليه وسلم عبر آي الذكر الحكيم!!


[1] المقدمة الجزرية لابن الجزري.\
[2] رواه الإمام أحمد.\
[3] جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي: شرح الحديث الثامن والثلاثون.\
[4] نفسه.\
[5] نفسه.\
[6] الشاعر هو محمد إقبال رحمه الله.\
[7] ذكره ابن أبي حاتم بسند جيد.\
[8] سورة الأنعام: 122.\
[9] تفسير ابن كثير للآية السابقة.\