من دلالات الذكر في القرآن الكريم

يرد لفظ “الذكر” في القرآن الكريم للدلالة على عدة معان تدل على عبادة المولى عز وجل، وطاعته، ودعائه، وحمده وشكره، والثناء عليه، كل ذلك بالقلب واللسان وسائر أعمال الجوارح في كل وقت وفي كل حين، وعلى كل حال.

· ومن ذلك قول الله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ 1 . ذكر يكون بالصلاة والدعاء عند المشعر الحرام.

· ومنه قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ 2 ، (فاذكروا الله) وهذا يشمل جميع أنواع الذكر، ومنه الصلاة على كمالها وتمامها، وقوله تعالى (كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) فإنها نعمة عظيمة ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر ليبقي نعمته عليكم ويزيدكم عليها) 3 .

· ومنه قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ 4 يعني: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم) 5 . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تبارك وتعالى: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة”” 6 .

ومعنى (ظن عبدي بي) ظن الإجابة عند الدعاء، والقبول عند التوبة، والمغفرة عند الاستغفار، والمجازاة عند فعل العبادة بشروطها، ومعنى تقرب العبد شبرا من مولاه هو تقرب الطاعة والعبادة، وهذا يدل على أن يتقبل العمل الصالح ولو كان قليلا ويجزي عليه الجزاء الكثير، وهذا معنى تقربه من العبد بالمغفرة والثواب والرحمة حتى يكتب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إماطة الأذى عن الطريق، والتبسم في وجه الأخ المسلم من الصدقات) 7 .

· ومنه قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ 8 نعت لأولي الألباب؛ أي يذكرونه دائماً على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين فإن الإنسان لا يخلو عن هذه الهيآت غالباً) 9 .

· ومنه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا 10 . قال القرطبي: المراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات… فقد أمر الله تعالى عباده بأن يذكروه ويشكروه، ويكثروا من ذلك على ما أنعم به عليهم. وجعل تعالى ذلك دون حد لسهولته على العبد ولعظم الأجر فيه) 11 .

فالأمر في قوله تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ليس موجها إلى مطلق الذكر بل إلى كثرة الذكر، لأن القلة في الذكر من صفات المنافقين الذين لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً.

إن المعنى الغالب على لفظ الذكر لا ينصرف إلى مفهوم واحد بعينه، وليست له صفة واحدة محددة، إنما هو أن يتمثل المؤمن الذاكر رقابة الله تعالى في كل وقت وحين، وأن يستحضر عظمة الله سبحانه في جميع الأحوال، سواءٌ أكان هذا الاستحضار عقليًّا أو قلبيًّا أو قوليًّا أو فعليًّا.

البحث عن الطمأنينة

طمأنينة القلب وراحة النفس وانشراح الصدر غاية يسعى إليها الكثير من الناس، ومن أجل تحقيقها قد ينفق عليها البعض أموالا، ويقطع من أجلها المسافات بحثاً عن أي وسيلة للسعادة في عالم تسيطر عليه الجاهلية، وقيمها، وثقافتها، ووسائل إعلامها، فلا تكاد تسمع ذكر الله) 12 . يتعب نفسه من يبحث عن الطمأنينة وراحة القلب وهو غارق في الماديات، ليس له من يدله على المعنى الحقيقي لسعادة القلب وراحة النفس، يبحث عن علاج لأمراضه النفسية بعيدا عن مصحة الكمياء الإلهية، والدواء والعلاج التي بها يطهر القلب، وهو مصب الإيمان وملتقى شعبه ومصدر نوره هو ذكر الله) 13 .

العلاج هو ذكر الله تعالى قولا وفعلا وتأسيا، ذكر يؤتي ثماراً طيبة، في النفس وفي الحياة؛ حياة الفرد، وحياة الجماعة. وأولى هذه الثمار: سكينة النفس، وطمأنينة القلب، التي يشعر بها الذاكر، ويحس بها تملأ أقطار نفسه، فلا يحس إلا الأمن إذا خاف الناس، والسكون إذا اضطرب الناس، واليقين إذا شك الناس، والثبات إذا قلق الناس، والأمل إذا يئس الناس، والرضا إذا سخط الناس) 14 .

ألا بذكر الله تطمئن القلوب

إن من آثار ذكر لله عز وجل حصول طمأنينة القلب، فالمؤمن الذي لا يفتأ عن ذكر الله، لا تغادر شعوره فكرة الاطمئنان إلى رضا الله سبحانه وتعالى، فكلما تقرب العبد إلى الله بفعل الفرائض والنوافل كلما وجد السعادة في قلبه على قدر عمله، وكلما غفل عن ذكره بارتكاب معصية أو تقصير في واجب يشعر بألم في قلبه، وهم حاضر شاغل لفكره. فالذكر منبع الاطمئنان والراحة… والغفلة والمعصية مورد الهم وقسوة وأمراض القلوب.

يقول تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ 15 . تطمئن بإحساسها بالصلة بالله والأنس بجواره والأمن في جانبه وحماه، تطمئن من قلق الوحدة وحيرة الطريق بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل شر إلا بما يشاء الله مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء. أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ؟ ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة، يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم فاتصلت بالله، يعرفونها، ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها؛ لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهشّ لها ويندَى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفردًا بلا أنيس، فكل ما حوله صديق إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه) 16 .

إنَّ السكون والطمأنينة التي تغمر قلب الإنسان المؤمن، وهو في حالة من حالات الذكر والاتصال بالله عزوجل، إنما ترمز إلى أن ذكر الله، إنما هي عملية تتوافق والحالة الفطرية للإنسان، فذكر الله سبحانه إنَّما يمنح الإنسان المؤمن شيئاً لو اجتمعت الدنيا كلها بعلمها وقدراتها، لم توفره له، قال الإمام بن القيم رحمه الله: فما ذكر الله عز وجل على صعب إلا هان، ولا على عسير إلا إذا تيسر، ولا مشقة إلا خفت، ولا شدة إلا زالت، ولا كربة إلا انفرجت، فذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، والفرج بعد الغم والهم) 17 .


[1] سورة الآية البقرة: 198.\
[2] سورة البقرة الآية: 239.\
[3] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الإمام عبد الله بن ناصر السعدي: 1/106.\
[4] سورة البقرة الآية 152.\
[5] جامع البيان في تأويل القرآن، للإمام محمد ابن جرير الطبري، 3/211.\
[6] أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه)، حديث رقم:6856. أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، حديث رقم: 4832.\
[7] المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم، أبو العباس القرطبي: 2/134.\
[8] سورة آل عمران الآية: 191.\
[9] تفسير روح البيان، إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي، 2/116.\
[10] سورة الأحزاب الآية: 41.\
[11] الجامع لأحكام القرآن، الإمام القرطبي، 2/172.\
[12] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا. ذ. عبد السلام ياسين، ص: 146.\
[13] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الإمام عبد السلام ياسين، ص: 146.\
[14] كتاب “التوكل”. د. يوسف القرضاوي، ص: 56.\
[15] سورة الرعد الآيات: 27-29.\
[16] في ظلال القرآن، الشهيد السيد قطب، مجلد 4، ص: 2060.\
[17] الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، الإمام ابن قيم الجوزية، ص: 142.\