عبد الله بلة    

   قبيل فجر ذلك اليوم.. يوم الاثنين 28 يونيو.. منذ سبع سنوات.. نزلت من البيضاء إلى فاس سبع كمندوهات، وليس في نيتها فقط خطف سبعة رجالات، بل توريط الجماعة في ملف إرهابي من صنع الاستخبارات… لكن الرياح تجري بما لا تشتهيه سفن الأفاكين والماكرين، فانقلب السحر على الساحر، “ولا يفلح الساحر حيث أتى”. فلم ينفع المخزنَ إعلامُه الرخيص، ولا تخطيطه البئيس، في كسر صخرة الحق الدامغ الساطع  والمبدإ الثابت الجامع أننا ما كنا يوما جماعة إرهاب وعنف…

   انهزم المخزن وباء تخطيطه بالفشل الذريع مرة أخرى أمام إجماع الحقوقيين والدفاع من داخل المغرب وخارجه، وأمام التفاف أعضاء الجماعة وقيادتها للوقوف في وجه هذه الصورة المقيتة من المكر والغدر… وأُسدل الستار، بعد شهور، على مشاهد مسرحية هجينة، لم ينفع من أخرجها إلا القبول ـ إلى حين ـ  بالهزيمة والاندحار خاسئا وهو حسير…

   لا يهم ما عاناه السبعة في الانتظار للرجوع إلى وظائفهم، ومحاولات الالتفاف على براءتهم.. فذلك كان شيئا منتظرا ومتوقعا في دولة التعليمات والانتقام، وصف بما شئت ولا حرج… لكن المهم هل تغير شيء في عقلية القائمين على الأمر في هذا البلد وفي المشهد عامة خصوصا وقد أعقب الحدث الربيع العربي بآلامه وآماله؟ الواقع ما ترى لا ما تسمع…

   سبع عجاف في سياسة البوار وجفاف القيم، حصدت خلالها آلة القمع المخزني الموغلة في التعنيف والتعذيب والإرهاب الكثيرين: هُشمت العظام، واعتقل المئات من الأنام.. لا لشيء إلا لأنهم خرجوا يطلبون الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فاستشهد هنا وهناك أحرار شاركوا في قول لا للظلم والفساد والاستبداد، أو انتفضوا ضد الحكرة بعدما وصل السكين إلى العظم، فمنهم من وقذ حتى الموت، ومنهم من دفع دفعا فأُحرق، ومنهم من طُحن… “وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون”.

   تهاوت القيم المُتبجّح بها على مدى سبع عجاف، وانفضح الزور والبهتان أكثر، وانكشف الوهم لكل من يبصر… فلا الدستور الممنوح الممجوج استطاع أن يغير من الصورة القديمة للمشهد، ولا التأثيث الجديد أراح الناس وأسعد، ولا الوعود والعهود وفت بأفضل غد… وها أنت ترى كل وعد وموعود في أفق مسدود..

   سبع عجاف كرست سياسة التفقير والبطالة والتهميش لعامة الشعب، مقابل ثراء فاحش واستفراد بالسلطة والثروة، واستغلال ذلك غطاء لتهريب الخيرات والثروات إلى الخارج، وتبذير الأموال في التفاهات.. حتى إذا ما اشتد الجوع والخصاص والحكرة بالمهمش، وعم الظلم كل مكان وعسعس، والجميع يتفرج مكرها على المشهد اللعين، وقام من قام صائحا “اللهم إن هذا منكر” وُسم بالخارج على القانون، ووُصم بالانفصال، ونزلت بساحته الجيوش الثقال، مرعدة، مرهبة، منزلة به كل أنواع الوبال… أليس في هذا فتحا لباب البلاد على المجهول، بل على كل الأهوال؟؟

   فعن أي دولة بربكم نتحدث؟ وعن أي أمانة أخذناها بحقها نصون ونُورّث؟ إنما هي سبع عجاف.. نسأل الله جميل الألطاف، وأن يقطع دابر السفهاء حتى لا تُجر البلاد إلى ما لا تُحمد عقباه نهاية المطاف…

    في ذلك الفجر، كانت بنيتي تسترق النظر من تحت الغطاء إلى عناصر الكمندو الزائر وهم يعبثون بكل شيء في منزل صغير… لقد كبُرت اليوم  وفتحت عينيها ـ كباقي الشباب الصاعد ـ على عصابات في كل مكان تعبث بكل شيء في وطن كبير…