يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعمال أمته تعرض عليه وينظر فيها، عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم، فما كان من حسن حمدت الله عليه، وما كان من سيئ استغفرت الله لكم” 1 .

يدل هذا الحديث النبويّ الشريف دلالة واضحة على عرض أعمال أمته عليه صلى الله عليه وسلم، فيصدر رد فعل المصطفى حولها بين الحمد والاستغفار، فهو الرؤوف الرحيم المشفق على أمته يفرح لفلاح كل فرد من أفرادها، ويألم من أن يتأذّى أو يصيبه مكروه بما فعل أو اقترف.

وتحضرنا جملة من الأسئلة حول ما يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعمالنا ونحن نعيش في واقع مرير، مليء بالفتن والحوادث والملمات والخطوب، فتن كقطع الليل المظلم 2 .

كيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا ومنا من يغش؟ وهو القائل: “من غش فليس مني” 3 . وفي رواية لمسلم رحمه الله: “من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا”. وكيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا وفينا تتزايد الأرقام القياسية للجياع واللاجئين والمعدومين والفقراء والأميين، وتعلو مظاهر الغنى والبذخ والثراء الفاحش؟ وهو القائل: “ليسَ الْمُؤمِنُ الذِي يَبيتُ شبعَانَ وجَارهُ إِلَى جَنبِهِ جَائع” 4 . وكيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا ومنا من يقتل النفس التي حرم الله ويهتك أعراض المسلمين، وينهب أموالهم؟ وهو القائل: “كلُّ المسلِمِ عَلى الْمُسلِمِ حَرَام دَمه ومَالهُ وعِرضهُ” 5 . كيف يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم مسرورا ومنا من يشهد الزور؟ وهو القائل: وجلس وكان متكئاً، فقال: “ألا وقول الزور”، قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. 6 وكيف يكون رسول الله مسرورا ومنا من يزني ويتعامل بالربا وقد حرمهما الله؟ وهو القائل: “إذا ظهر الزنا والربا في قريةٍ فقد أحلوا بأنفسهم عذابَ الله” 7 . وكيف يكون رسول صلى الله عليه وسلم مسرورا ومنا من يفسد وينشر الفساد بين الناس ويجهر بالمعاصي ويدافع عنها؟ وهو القائل: “كل أمتي معافىً إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه” 8 . وكيف يفرح رسول الله ومنا من يسالم الأعداء ويناصب أولياء الله العداء؟ وهو الذي يروي عن ربه: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب” 9 . وكيف يكون رسول الله مسرورا ومنا من يسيء إلى والديه وذوي رحمه؟ وهو القائل: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟” ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “الإشراك بالله، وعقوق الوالدين” 10 . والقائل: “من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما، فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين” 11 . وهل يكون رسول الله بنا مسرورا ومنا من يهجر أخاه لأتفه الأسباب في واقع المصالح والأنانيات المقيتة؟ وهو القائل: “لا يَحل لمُسلِم أن يَهجُر أخَاه فَوق ثَلاثِ ليال، يَلتقِيانِ، فيعرضُ هَذا، ويُعرِض هَذا، وخَيرهم الذِي يَبدأ بالسّلامِ” 12 .

كيف يفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته في عالم الرذائل، ومنهم من يتشبه من الرجال بالنساء، ومن تتشبه من النساء بالرجال؟ وهو القائل بما أعلمه الله: “لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال” 13 . وفي رواية للبخاري “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء”. قال الحافظ المنذري: المخنث بفتح النون وكسرها من فيه انخناث، وهو التكسر والتثني كما يفعله النساء لا الذي يأتي الفاحشة الكبرى.

كيف يفرح بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن صرنا كثرة غثائية ضررها أشدّ من نفعها؟ وهو القائل بما أوحى إليه الله تعالى: “”يوشك الأمم أن تتداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”. فقال قائل: “أومن قلة نحن يومئذ؟” قال: “بل أنتم يومئذ كثير. ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم. وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن”. فقال قائل: “يا رسول الله! وما الوهن!” قال: “حبّ الدنيا وكراهية الموت!”” 14 . وكيف؟ وكيف؟ والأسئلة تطول…

إنما يفرح رسول الله بنا عندما يطلع على أعمالنا، ازديان الصحائف بالأعمال الصالحة، وامتلاؤها بالحسنات المنجيات، يفرحه منا ما يراه من العمل بكتاب الله عز وجل والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، والتمسك بحبل الله المتين، والتحلي بخصال الخير، والسير على نهجه صلى الله عليه وسلم، وسنته الطاهرة، والاقتداء والتأسي به، قال الإمام الرفاعي رحمه الله: مفتاح السعادة الأبدية الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مصادره وموارده وهيئته وأكله وشربه وقعوده وقيامه ونومه وكلامه، حتى يصح لك الاتباع المطلق) 15 ويقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة إن تحققت فينا ثلاثة شروط: رجاء الله، ورجاء الآخرة، وذكر الله الكثير. في كلمة (رجاء) معنى الانتظار. فالمتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم هم المقبلون على الله تعالى، المنتظرون لقاءه، الراجون مغفرته، اشتغلوا بذكره آناء الليل وأطراف النهار، يسبحونه ويمجدونه، عن الدنيا الهاجمة عليهم من كل المنافذ، تُغريهم وتدعوهم ليرتَموا في أحضانها) 16 .

وما يفرحه منا الرفق بالضعيف والحنو على اليتيم والإحسان للوالدين والجار والصاحب والفقير والطفل والمرأة.

ما يفرحه أن نكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى 17 . وأن يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه من خير وفضل وبر ونجاح وفلاح في الدنيا والآخرة، وللآخرة خير وأبقى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا، ولا تومنوا حتى تحابوا. أولا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحابَبتم؟ أفشوا السلام بينكم” 18 .

ما يفرحه منا أن نغض بصرنا ونحفظ فروجنا ونكف أذانا عن الناس، ونقابل السيئة بالحسنة مدافعة ومصابرة وطلبا للألفة بين الناس.

ما يفرحه منا أن ننضم إلى سلك المجاهدين العاملين للإسلام والرافعين لواءه بين الأمم بإعادة النموذج الحي النافع للناس في دنياهم وآخرتهم؛ في الاقتصاد والزراعة والعلوم الكونية، وفي الخدمة والفتوة والتعاون على البر والتقوى، الساعي إلى توحيد الأمة وجمع شتاتها وتحقيق المطالب المفقودة من عدل وشورى ومحبة وقوة تمكن من الظهور لدين الله في الأرض، وهو القائل: “أحبّ الناس إلى الله أنفعهم، وأحبّ الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبّ إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كفّ غضبه، ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل” 19 .

ما يفرحه منا حقا حفظ العهد الذي قطعه الله تعالى على عباده يوم أخذ عليهم ميثاقه في قوله تعالى:﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ 20 .

كتبت ما تقرؤون وأستغفر الله لي ولكم والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، والهيثمي في مجمع الزوائد، وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية، والحارث في مسنده، والسيوطي في الجامع الصغير.\
[2] عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم.” رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم.\
[3] رواه مسلم.\
[4] رواه الحاكم وابن حجر العسقلاني والهيتمي.\
[5] رواه أحمد والبيهقي ومسلم.\
[6] رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما.\
[7] رواه الطبرانى والحاكم والبيهقى فى شعب الإيمان عن ابن عباس.\
[8] رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما.\
[9] رواه البخاري عن أبي هريرة.\
[10] رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما.\
[11] رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحه وأبي يعلى الموصلي في مسنده والطبراني في المعجم الأوسط والبيهقي في الشعب، وصححه الألباني رحمه الله.\
[12] رواه البخاري ومسلم ومالك وأحمد والترمذي وأبو داود.\
[13] رواه البخاري.\
[14] رواه أبو داود وابن عساكر بسند صحيح عن ثوبان.\
[15] الرفاعي أحمد، البرهان المؤيد، ص: 80.\
[16] ياسين عبد السلام، الإحسان ج1، ص: 258.\
[17] “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى.” أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير.\
[18] رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.\
[19] أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وأبو نعيم في الحلية، الذهبي في الميزان، والطبراني في الجامع الكبير والأوسط والصغير عن ابن عمر.\
[20] سورة الأعراف: 172.\