للصيف طبيعة خاصة، ففيه العطلة السنوية والسفر، وخلاله يميل الناس أكثر إلى الاسترواح عن النفس، وفي الصيف أيضا تظهر عادات وسلوكات إيجابية وسلبية…

فكيف يكون الصيف فرصة تجمع بين الاسترواح والتخفيف من المشاق التي تلازم الإنسان طيلة السنة، وبين الجد والحفاظ على التكاليف الشرعية وترسيخ العادات التي يستفيد منها دهره كله؟

في هذا السياق يعرض موقع الجماعة نت سلسلة “حوارات خفيفة” حول جملة من القضايا التربوية والترفيهية والمعرفية… ارتباطا بهذه الفترة الهامة من السنة.

اليوم مع حوار حول ترسيخ عادة المطالعة في فصل الصيف مع الأستاذ رشدي بيوبري.

يتيح فصل الصيف من الوقت والظروف المساعدة على المطالعة ما لا يتاح في غيره، كيف يمكن استثمار الصيف في هذا السبيل؟

فعلا يمثل فصل الصيف فرصة مهمة للقيام بالعديد من الأنشطة التي قد لا تتاح الفرصة خلال السنة لإنجازها والاستمتاع بها، بسبب كثرة الانشغالات والانخراط في دوامة الحياة العصرية التي تبتلع معظم الوقت في الأنشطة المعيشية أو التحصيلية أو غيرها. وفعل المطالعة، بما يوفره من اطلاع على المعارف والخبرات وتنمية الذات والرقي بها وبمكتسبات الإنسان العقلية والوجدانية والحسية، ضرورة ملحة يجب العناية بها كل العمر ولا يعذر عاقل من أن تكون له في برنامجه اليومي لحظات يخصصها لهذه المهمة الحيوية. وإن شغلت الإنسان الشواغل طيلة السنة فلا أقل من استغلال عطلة الصيف لهذا الغرض والاستزادة من القراءة لتوفر الوقت واعتدال الطقس. ومما يعين الفرد على المطالعة خمسة أمور أختصر الحديث عنها كالتالي:

1- النية: المطالعة فعل قاصد، ولا يجب أن يكون مجرد هواية عابرة، لدى يجب على المسلم أن يستحضر فيه النية الصالحة، نية طلب العلم والعمل به ونفع الخلق به.

2- البرنامج: لتنظيم فعل المطالعة والانتفاع به أكثر واستغلال الوقت بشكل أمثل يستحسن أن يضع المرء برنامجا للمطالعة يحدد فيه المقروء ووقت القراءة وغيرها مما يتعلق بها من المهام.

3- وضع لائحة مسبقة  للكتب التي يعتزم الإنسان مطالعتها خلال عطلته، فلا يضيع الوقت في التفكير في عناوين الكتب أو البحث عنها فيمل أو يضجر وتضيع بذلك الفائدة والفرصة.

4- استصحاب الكتاب في كل الأوقات وكل الأماكن، ففي هذا تربية للنفس على استغلال الفراغ والفرصة للتمتع بالانغماس في القراءة كلما أتيح المجال لذلك. فلا يجب أن تخلو يد أو محفظة الانسان من كتاب قد يلجأ إليه في انتظار موعد مثلا أو خلال جلوس في المقهى أو غيره.

5- الحرص على وضع ملخص للمقروء أو إجراء محادثة أو نقاش حول مضامينه مع الغير، تقاسما للفائدة ونشرا للمعرفة ورقيا بالذوق والوعي، ثم تشجيعا للذات والآخر على مزيد من الاطلاع والقراءة. فكلما شعر الإنسان بفائدة ما يعمل ولمس ثمرة عمله كلما زاده ذلك تحفيزا على الاستغراق فيه.

ما هي طبيعة المطالعات التي تنصحون بها؟      

تتفاوت ميول الناس ورغباتهم وكذا اختصاصاتهم، لذلك فإن اختيار المقروء موكول بالأساس لكل واحد منهم. لكن بشكل عام ينصح بتنويع مصادر القراءة والبحث عن المفيد من المقروءات وأحسنها تأثيرا في الذوق والعقل وتنمية الموارد المعرفية والمهارات الحياتية التي يتوقف نمو الخبرة البشرية عليها. فلا ينبغي أن يتحكم في اختيار المقروء منطق المتعة فقط، ولا بأس من الجمع بينها وبين الفائدة. وبناء عليه فلا غنى للمرء من الاطلاع على السير، سير الصالحين والناجحين والنافعين، لما فيها من عبر ولما تختصره على الإنسان من زمن ولما تقوم به من تحفيز للإرادات والهمم.     

كيف يحافظ المؤمن على عادة القراءة التي اكتسبها في الصيف على مدار العام كله؟

حين يقتنع الإنسان بأهمية القراءة والمطالعة وعظيم نفعها وجليل أثرها عليه حالا واستقبالا، فلن يستطيع إن كان محبا للخير لنفسه وللناس أن يتخلى عنها أو يتهاون في ممارستها والدوام عليها. وهذا الأمر أشد توكيدا بالنسبة للمؤمن ولصاحب الرسالة، رجل الدعوة، خاصة. إذ أن فعل القراءة أمر إلهي” إقرأ باسم ربك الذي خلق”، ثم إن المؤمن يتحرك بين الناس داعيا إلى الله وناصحا بالخير فزاده من العلم والمعرفة والفهم بحاجة ماسة للتجديد والتطور ليكون أكثر إقناعا في خطابه للناس، وليكون أقرب إلى واقعهم وهمومهم، وليكون أيضا قوة اقتراحية مهمة للمستقبل، فينال ثقة العامة ويكون جديرا بإمامتهم في كل خير.