محاولة لفهم أكبر لأعطاب الحركة الانتقالية في قطاع التربية والتعليم، وما ولدته من رفض واحتجاج من قبل نساء ورجال التعليم والنقابات والتنسيقيات المعنية، اتصل موقع الجماعة نت بالفاعل النقابي والحقوقي والباحث في قضايا التربية والتعليم الأستاذ سعيد مولاي التاج، فكانت منه هذه التوضيحات:

كما لا يخفى على الجميع الحركة الانتقالية هي محطة مصيرية حاسمة في المسار المهني لرجال ونساء التعليم تترتب عليها عدة تبعات نفسية واجتماعية وأيضا تربوية، لهدا نجدها تحظى باهتمام بالغ من طرفهم كل سنة، غير أنها هذه السنة على الخصوص أثارت اهتماما أكبر ومواكبة أوسع من لدن أسرة التعليم والمجتمع عموما لاعتبارات كثيرة لعل من بينها تعيين وزير جديد على رأس قطاع التعليم، والمقاربة الجديدة التي انتهجتها الوزارة في تدبير ملف الحركة الانتقالية، ثم نتائج هذه الحركة التي قسمت صفوف رجال التعليم بين رافض للنتائج وللمقاربة وبين قابل لهما معا وبين قابل للنتائج رافض للمقاربة، لهذا خلفت موجة من الاحتجاجات التي عرفتها عدة أقاليم وأكاديميات خاصة أكاديمية مراكش أسفي وجهة الرباط سلا القنيطرة وغيرها. وشخصيا أرى أنه لابد من التمييز بين كم وكيف النتائج أي بين المنهجية وبين النتائج.

فعلى مستوى النتائج لأول مرة تم انتقال حوالي 23000 أستاذ وأستاذة من ضمن 52000 طلب تقريبا، وهي نسبة غير مسبوقة في تاريخ الحركة الانتقالية التي لم تتجاوز معدل 6000 منتقل لسنوات عديدة، وهذا مكسب لكافة رجال التعليم إذا غلبنا النظرة الشمولية.

غير أنه على مستوى المنهجية والمقاربة فيمكن أن نسجل أنه لم يتم إخبار رجال التعليم أنه سيتم اعتماد مقاربة مختلفة وبهذه الطريقة، كعدم إعلان مناصب التعيينات مباشرة والدمج بين الحركتين الوطنية والجهوية وتأخير إعلان نتائج المشاركين في الحركة المحلية، مما جعل الكثيرين يشعرون بالحيف والغبن، ولا يمكننا إلا التعبير عن التضامن مع المتضررين منهم ومساندتهم في مطالبهم المعقولة والمشروعة، ودعوة كافة الهيئات النقابية لتحمل مسؤوليتها في الدفاع عن ملفاتهم، فهي كانت حاضرة في كل مراحل ومحطات الحركة الانتقالية التشاورية والإخبارية، وقبلت ضمنيا بالمنهجية المعتمدة في عموميتها وإن تحفظت على بعض البنود، وعلى الوزارة أن تحترم القوانين والمذكرات المؤطرة ومبادئ الانصاف والعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص المنصوص عليها إداريا ودستوريا.

بدون شك نتفق ونحرص على سير المرفق العام في قطاع حيوي كالتعليم، وندرك حجم الإكراهات والمشاكل والتحديات الناتجة عن تدبير موارد بشرية تقدر بحوالي 246599 من الأساتذة والإداريين والموظفين، لكن هذا لا يعفى الوزارة ومصالحها الإدارية من توسيع دائرة المشاركة والتشاور والاقتراح من داخل القطاع وخارجه، ومراجعة بعض الخلفيات السياسية والأمنية والتوافقات التي تحكمت في اتخاذ بعض القرارات المسؤولة عن الوضعية الكارثية الحالية، ومنها تعيين أعداد كبيرة من الأساتذة بعيدا عن مدنهم الأصلية، وكيفية تدبير الانتقالات وهذا ما رصده مؤخرا حتى تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول اختلالات قطاع التعليم. كما على الوزارة أن تراجع بعض معايير الحركة الانتقالية التي تكرس الظلم والحيف، فمع أننا نتفهم المبررات الاجتماعية لبعض “التمييز الإيجابي” لصالح المرأة وفئات أخرى، غير أنه لا يحقق العدل وتكافؤ الفرص، فلا يعقل أن تعطى الأولوية لأستاذة متزوجة ملتحقة حديثا على حساب من هم أقدم منها، فعوض أولوية المشاركة كان من الأجدر منح نقطة امتياز 10 نقط إضافية مثلا.

كما أن على الوزارة تكريس مزيد من الشفافية في تدبير الموارد البشرية مركزيا ومحليا من خلال توفير المعلومة وتقاسمها مع باقي الفاعلين والشركاء، بإعلان أعداد المناصب الشاغرة فعليا، أو المحتملة الشغور بسبب التقاعد أو تغيير الإطار أو الناجحين في مباريات الإداريين والمفتشين والموجهين وكذا الاستيداع والرخص الطويلة الأمد، وكذا عدد التوظيفات والتعاقدات والخصاص والفائض.

كما لا يفوتني أن أسجل ـ للأسف ـ في هذا الإطار ضعف التواصل الإعلامي للوزارة مركزيا وجهويا، فقد اكتفت ببلاغات مختصرة وتركت المجال فسيحا أمام الإشاعات والمعلومات غير الدقيقة، دون أن تكلف نفسها عناء تقديم توضيحات كافية ومعلومات شافية حول طبيعة المقاربة التي انتهجتها، أو مصير باقي المشاركين في الحركة المحلية، وكيفية تدبير عمليات الفائض وإعادة الانتشار أو طريقة تقديم الطعون والتظلمات الإدارية أو الإجراءات المواكبة للتدابير والوعود التي قطعتها الوزارة على نفسها كمحاربة ظاهرة الاكتظاظ وتوسيع البنية والخارطة المدرسية.

لابد من التأكيد في الأخير على تكريس حكامة أكبر وعقلانية في التدبير، فزمن الارتجالية والسياسات العشوائية والتخبط الحكومي التي عانى منها القطاع ويعاني منها حتى الآن ينبغي أن يقطع المغرب معه، وإلا سنظل ندور في نفس الحلقة المفرغة، ملايير الدراهم تنفق على التعليم، وعشرات البرامج والإجراءات، والحصيلة مخزية وسلبية تفضحها التقارير الرسمية المحلية والدولية.