لم يستسغ الرأي العام تلكم المشاهد البشعة التي تناقلتها وسائل الإعلام، ليلة طحن محسن فكري سماك الحسيمة، وهو حي يرزق بحاوية لنقل النفايات، الأمر الذي جعل المغاربة قاطبة يستنكرون تلك الجريمة القبيحة التي ذكرتهم بالعهود الغابرة وبالانتهاكات السافرة لحقوق وكرامة الإنسان، فخرجوا في تظاهرات احتجاجية سلمية شملت عشرات المدن والقرى في المغرب.

إلا أن  شرارة الاحتجاج والغضب بلغت ذروتها لدى ساكنة الريف، حيث استمروا في أشكالهم الاحتجاجية السلمية لمدة تجاوزت 8 أشهر، مطالبين بعدم إفلات المسؤولين عن مقتل محسن فكري من العقاب والمساءلة، ومنادين برفع أشكال العسكرة والتهميش التي تطال إقليمهم منذ خمسينات القرن الماضي.

إلا أن الدولة عوض أن تستجيب لمطالبهم المشروعة، والتي تكتسي طابعا تنمويا واجتماعيا واقتصاديا، عمدت إلى المقاربة الأمنية وذلك  بتخوينهم وشيطنتهم والعمل على تعنيفهم واعتقال وترويع المئات منهم  والحكم على العشرات منهم إلى حد الآن بعقوبات سالبة للحرية وصلت في بعضها 3 أضعاف ما حكم به على المتابعين في مقتل محسن فكري، منتهكين بذلك كل ما جاء في الدستور والمواثيق والعهود الدولية من حماية وصون للحقوق وضمان للمحاكمة العادلة.

 ولعل التقرير الأخير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان المسرب يؤكد هذه الانتهاكات الجسيمة التي واكبت اعتقالات وتفريق تظاهرات نشطاء حراك الريف.

ترى ما هي وقائع نازلة مقتل سماك الحسيمة محسن فكري التي أججت الوضع بالريف؟

وما هي المآلات المسطرية والقضائية لهذا الملف الشائك والمحرج للدولة المغربية؟

وقائع النازلة:                              

حسب محضر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية رقم 244 / ف وش ق، المحرر بالحسيمة بتاريخ 31 أكتوبر 2016، أنه بتاريخ 29 أكتوبر 2016 وحوالي العاشرة والربع ليلا وقبل نقل السمك من السيارة إلى شاحنة نقل النفايات على مستوى شارع طارق ابن زياد قبالة مقهى جوكاندا، تمكن مجموعة من الأشخاص من القفز إلى الصندوق الخلفي للشاحنة احتجاجا على عملية الإتلاف، وخلال ذلك اشتغلت آلة سحب وضغط النفايات وتراجع الأشخاص المذكورون وقفزوا خارج صندوق الشاحنة المذكورة، فيما علق الهالك المسمى قيد حياته محسن فكري، ليتم إشعار عناصر الوقاية المدنية بإيفاد سيارة الإسعاف، حيث تمكن عناصر الوقاية المدنية إضافة إلى تقني تابع لشركة “ب” من إخراج المعني بالأمر من الصندوق الخلفي للشاحنة والذي كان لا يبدي أي حراك، ليتم نقله إلى قسم المستعجلات بمستشفى الحسيمة، حيث تبين أنه وصل جثة هامدة.

أمر بالإحالة على غرفة الجنايات

بعد مرور ثمانية وثمانين يوما على حادث مقتل محسن فكري أصدر قاضي التحقيق باستئنافية الحسيمة بتاريخ 24 يناير 2017 في ملف تحقيق عدد 102-14/2016 أمرا بالإحالة على غرفة الجنايات دبجه بعبارة “بناء على مطالبة النيابة العامة بإجراء تحقيق بتاريخ 31 أكتوبر 2016 وبناء على قرارنا بالاطلاع بانتهاء التحقيق الصادر بتاريخ 17 يناير 2017 وبناء على ملتمس النيابة العامة النهائي بتاريخ 19 يناير 2017 بالمتابعة والإحالة على غرفة الجنايات وبناء على مستندات التحقيق الجاري ضد المسميين (…) نقرر متابعة المتهمين (…) من أجل ارتكابهم جنحة القتل غير العمدي طبقا للفصل 432 من القانون الجنائي.

ومتابعة (…) من أجل التزوير في محرر رسمي بإثبات صحة وقائع يعلم أنها غير صحيحة طبقا للفصول 351 و352 و353 من القانون الجنائي.

ومتابع (…) من أجل ارتكابه جناية استعمال محرر رسمي مزور مع علمه بذلك طبقا للفصل 356 من القانون الجنائي.

ونأمر بإحالتهم ومستندات الملف على غرفة الجنايات الابتدائية لدى هذه المحكمة، الأول والثاني والرابع والسادس والسابع والثامن والتاسع في حالة اعتقال لمحاكمتهم طبقا للقانون.

الغرفة الجنائية الابتدائية بالحسيمة تصدر حكمها

بعد مائة واثنين وثمانين يوما على واقعة مقتل محسن فكري أصدرت الغرفة الابتدائية بالحسيمة بتاريخ 26 أبريل 2017 حكمها القاضي:

   في الدعوى العمومية، وبعد رد الدفوع الشكلية بعدم مؤاخذة المتهمين “ب ب”، “ب م”، “ع س”،  “أ بن”،  من أجل ما نسب إليهم وتصرح ببراءتهم من أجل ذلك.

  بمؤاخذة المتهمين “ع ج”، “م ب” من أجل ما نسب إليهم وعقاب كل واحد منهم ب 5 أشهر حبسا نافذة وغرامة نافذة قدرها 500 درهم.

   بمؤاخذة المتهمين “ع أ”، “م ش”، “ر ر” ،”ج ه”، من أجل جنحة صنع عن علم شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة طبقا للفصل 366 من القانون الجنائي بعد إعادة التكييف بدلا من جناية التزوير في محرر رسمي بإثبات صحة وقائع بعلم أنها غير صحيحة وعقاب كل واحد منهم ب 8 أشهر حبسا نافذا وغرامة نافذة قدرها 500 درهم وتحميل المتهمين المدانين الصائر تضامنا والإجبار في الأدنى.

 وفي الدعوى المدنية التابعة، وبعد رد دفع شركة التأمين،بعدم الاختصاص للبت في المطالب المدنية المقدمة في مواجهة المتهمين “ب ب”، “ب م”، “ع س”، “أ بن”.

وبعدم قبول المطالب المدنية المقدمة في مواجهة المتهمين “ع أ”، “م ش”،” ر ر”، “ج ه”.

وبقبولها شكلا في مواجهة باقي المتهمين وموضوعا بأداء المتهم “م ب”، تعويضا قدره “…” درهم لفائدة كل واحد من والدي الهالك “م ف”، وبأداء شركة “ط” مع إحلال شركة التأمين أكسا محلها في الأداء تعويضا قدره “…” درهم لكل واحد من والدي الهالك “م ف”، وبتحميل المتهم “م ب” وشركة التأمين أكسا صائر الدعوى المدنية التابعة على قدر نسبة المبالغ المحكوم بها مجبرا في الأدنى بالنسبة للمتهم “م ب”.

المتابعون في ملف مقتل محسن فكري خارج أسوار السجن

بعد انقضاء المدة المحكوم بها على معتقلي ما بات يعرف بقضية مقتل سماك الحسيمة محسن فكري  والمتراوحة بين 5 و8 أشهر حبسا نافذا، غادر المحكومون في هذا الملف أسوار السجن يوم الجمعة 30 يونيو2017.

أما باقي المتابعين الأربعة ومن بينهم القائد فقد برأتهم المحكمة مما نسب إليهم.

ترى هل ستعدل الغرفة الجنائية الاستئنافية بالحسيمة  قرارها؟ أم ستؤيد الحكم الابتدائي؟

هذا ما سنواكبه من خلال أطوار المرحلة الاستئنافية في الملف عدد 42/2612/2017 الرائج بجلسة 12 يوليوز 2017.