4- عطلتي الصيفية: كيف يجب أن أقضيها؟

يطول استغرابنا، ويتعمق أسفنا ونحن نشاهد هذا العدد الهائل من شبابنا يتمثل العبارة الشعبية الأكثر رواجا في مختلف الأوساط “رحنا كنقتلو الوقت”، هكذا يتحول “الوقت = الحياة” إلى عدو يجب أن يحارب، وينبغي أن يقتل…

والواقع أن “المنظار النبوي” لهذه الظاهرة يسعفنا كثيرا في وضع اليد على مواطن الداء ، فها هو الصادق المصدوق عليه أفضل صلاة ربي وأزكى سلامه يؤكد هذه الحقيقة المرة منذ زمن النبوة المشرق، يقول: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” ومعلوم أن لفظ الغبن يوظف في البيع والشراء بمعنى: الوكس، غبنه يغبنه غبنا هذا الأكثر، أي خدعه 1 ، وقد شبه المكلف بالتاجر -كما يقول العلامة المناوي- والصحة والفراغ برأس المال، لكونهما من أسباب الأرباح، ومقدمات النجاح، فمن عامل الله بامتثال أوامره ربح، ومن عامل الشيطان باتباعه ضيع رأس ماله).

كثيرون هم أولئك ينعمون بالصحة الجيدة والوقت الحر، ويشعرون مع ذلك بالحيرة تغمرهم، وبالضياع يسم كل جوانب حياتهم، وبالعبث يقودهم ذات اليمين وذات الشمال… فلا يجدون مفرا من الاستسلام التام لصراخ نزواتهم وشهواتهم، ولنعيق وساوس شياطينهم، فيسقطون في بحر الرذيلة والخلاعة والانحلال، ناسين أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لأداء رسالة نبيلة، ولتحقيق هدف سام، إذ لا مكان للعبث والضياع في التصور الذي يرسمه الإسلام للحياة والإنسان، يقول عز جل: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق إن الحياة خلقت بالحق، الأرض والسماء وما بينهما. والإنسان في هذا العالم يجب أن يتعرف هذا الحق وأن يعيش به. أما أن يدخل في قوقعة من شهواته الضيقة، ويحتجب في حدودها مذهولا عن كل شيء فبئس المهاد ما اختار لحاضره ومستقبله!!) 2 .

إن حياة الإنسان دقائق تتوالى باستمرار وبدون توقف، وما قسم الله تعالى بأوقات معينة في كتابه العزيز إلا دليل قاطع على أهمية عنصر الزمن في التصور الإسلامي، فقد أقسم عز وجل بأوقات معينة: والضحى والليل إذا سجى، والفجر وليال عشر، والعصر إن الإنسان لفي خسر، والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى… ويتأكد هذا المعنى أكثر بتدبر آيات القرآن الكريم، فقد جعل الله تعالى من عنصر الزمن نعما من نعمه الثمينة، يقول تعالى: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدو نعمة الله لا تحصوها، ويقول تعالى: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، أي أنه عز وجل جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، فمن فاته عمل في أحدهما حاول أن يتداركه في الآخر. وتؤكد السنة النبوية هذه المعاني المتعلقة بأهمية الوقت وقيمته، فعن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه قال: “لن تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به” 3 ، الواضح إذا أن الإنسان يسأل عن عمره عموما، وعن شبابه على وجه الخصوص.

ما حقيقة هذه العطلة الصيفية إذا؟؟ أليست ثوان ودقائق وساعات وأياما وأسابيع تتوالى الواحد تلو الآخر بشكل سريع متتابع؟ أليس أوقاتا تجتزأ من حياتك أيها الطالب الذي تمر به أوقات عصيبة يتعرف من خلالها قيمة الدقيقة بل الثانية؟؟

العطلة الصيفية فرصة ثمينة لاستعادة الحيوية والنشاط، وللوقوف أمام مرآة الذات من أجل تقييم حصيلة السنة الدراسية، من أجل وضع اليد على مواطن النقص والخلل في تكوين الطالب العلمي، والأكيد أن النتائج الدراسية -بغض النظر عن مدى جديتها وموضوعيتها- تمكن إلى حد بعيد من إدراك هذه المواطن، ومن ثمة يهرع الطالب اللبيب إلى تعويض هذا النقص، من أجل مسايرة الركب مستقبلا، ومن أجل تحقيق أفضل النتائج في المواسم الدراسية المقبلة، باعتبار المشوار الدراسي في نهاية المطاق سيرورة متواصلة متراكمة يشد بعضها بتلابيب البعض الآخر.

غير أن الإيمان بضرورة الاستغلال الجيد للعطلة لا يتنافى إطلاقا مع الشعور بأنها أنسب الأوقات للاستجمام والترويح عن النفس، وهذا ما يجد تأصيله في الكثير من الإشراقات النبوية، والعديد من توجيهات السلف الصالح، يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم) 4 ، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لأستجم نفسي من الباطل ليكون أقوى لها على الحق) 5 ، وسئل النخعي: كان أصحاب رسول الله يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال الرواسي 6 ، ومن ذلك ما روي أن يحيى لقي عيسى عليه السلام، فتبسم عيسى في وجه يحيى فقال: ما لي أراك لاهيا كأنك آمن؟ فقال عيسى: مالي أراك عابسا كأنك قانط؟ فقال: لا تبرح حتى ينزل علينا الوحي، فأوحى الله عز وجل: أحبكما إلي أحسنكما بي ظنا، وروي: أحبكما إلي الطلق البسام 7 .

وهذا يعني أن الإسلام اعترف بحاجة الإنسان الملحة إلى المرح والتسلية، لكن الأمر كله يجب ألا يخرج عن طاعة الله تعالى، فقد كان عليه الصلاة والسلام دائم البشر، طلق الوجه، يضحك أحيانا إلى أن تبدو نواجذه، كما أنه كان يمازح جلساءه وأصحابه، غير أنه “كان يمزح ولا يقول إلا حقا”.

وهنا يجب طرح السؤال الملح: ما الأنشطة التي تجعل الطالب يجدد نشاطه وعزيمته دون أن يخرج عن دائرة المباح؟

يتدخل التوجيه النبوي ليحث على مسألة تنظيم الوقت، فمما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن صحف إبراهيم عليه السلام: “وعلى العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، قلت وهي من السحر إلى طلوع الشمس، وساعة يحاسب فيها نفسه، وهي من العصر إلى الغروب، وساعة يمضي فيها إلى إخوانه الذين يبصرونه بعيوبه ويدلونه على ربه، ويعينها متى تيسر له من ليله ونهاره، وساعة يخلي فيها بين نفسه وشهواته المباحة، وهي كالتي قبلها…”.

وأعتقد جازما أن الطلبة أحوج الناس إلى حسن استغلال واستثمار العطلة، بحيث يشعرون بأنهم لم يوقفوا بناء شخصياتهم بناء إيجابيا متينا، وأنهم في حرب مستمرة ولا هوادة فيها ضد “الفراغ”، إذ في أحضانه تنشأ آلاف الرذائل والوساوس والأمراض، انطلاقا من حقيقة ثابتة مفادها أن ليس ثمة فضاء فارغ إطلاقا، ذلك أن الطبيعة ترفض الفراغ رفضا مطلقا، ومادام الأمر كذلك وجب على الطالب أن يسعى باستمرار ويقظة لملإ هذا الفراغ بكل مفيد بحيث يشعر أنه يجني من وقته إما فائدة عقلية (مطالعة حرة، المشاركة في عروض وندوات، الانشغال بالكتابة من أجل النشر في الجرائد والمجلات، الانكباب على أبحاث يمكن أن يتم تطويرها ونشرها في شكل كتب، الاستغلال الجيد والإيجابي للمواقع الإلكترونية الجادة الهادفة…)، وإما فائدة جسمية (ممارسة رياضة من الرياضات المفضلة، كل حسب مواهبه وميولاته)، وإما فائدة نفسية (الانشغال بكل ما يبث المرح والانشراح المباح في النفس: التجول في الحدائق أو الغابات أو الجبال أو الشاطئ والوقوف على عظمة الخالق من خلال المناظر الطبيعية المثيرة المتميزة)، هذا الوعي بضرورة هذا الاستثمار الإيجابي للوقت يجب أن يشكل هاجسا يسكن الطالب بحيث لا يتورع يسأل نفسه في كل حين: ما الذي أفكر في فعله الآن؟ ما الذي أفعله الآن؟ ما الذي أجنيه من هذا الذي أفعله؟ هذه المحاسبة الراشدة للنفس تجنبها الوقوع في الكثير من الآثام والذنوب والمزالق والمخاطر، وتجعلها في حالة تيقظ دائم بحيث ينتقل المرء من عمل إلى عمل آخر بشكل منتظم وبديع ومتوازن، فمن نشاط يثمر فائدة عقلية، إلى نشاط يثمر فاكهة نفسية، إلى آخر يثمر فاكهة جسدية، مع تجديد النية في كل وقت وأوان بأن الهدف الأسمى، بل غاية الغايات هي نيل رضى الله عز وجل بحيث لا يكون المرء إلا حيث أمر أن يكون، ولا يمارس إلى ما يرضي الله عز وجل، وبالجملة ينبغي أن يسعى لبلوغ درجة الإحسان ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهذا ما عبر عنه الشيخ الشاذلي بقوله: أوصاني حبيبي فقال: لا تنتقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب الله، ولا تجلس إلا حيث تأمن من معصية الله، ولا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله، ولا تصطف لنفسك إلا من تزداد به يقينا).

 

)


[1] (اللسان): مادة “غبن”.\
[2] (جدد حياتك) محمد الغزالي / دار القلم: دمشق / ط: 11 / 1418 ه – 1998 م / ص: 63.\
[3] رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح واللفظ له.\
[4] (نهج البلاغة) الإمام علي / منشورات الأعلمي للمطبوعات / بيروت لبنان / 4/156.\
[5] (المحاضرات في الأدب واللغة) اليوسي / تحقيق وشرح: محمد حجي وأحمد الشرقاوي إقبال / دار الغرب الإسلامي / 1402 ه _ 1982 م / ص: 2/438.\
[6] (ربيع الأبرار ونصوص الأخبار) الزمخشري، تحقيق: عبد الأمير مهنا، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ط 1: 1412 ه / 1992 م، 5/112.\
[7] (المصدر نفسه) 5/113.\