دعا رئيس الحكومة إلى حوار اجتماعي قطاعي من خلال المنشور 2017/02 بتاريخ 05 يونيو 2017. المنشور يتحدث عن “تحسين ظروف عيش الشغيلة وتقوية حمايتها الاجتماعية”، ثم “إرساء حوار منتظم كآلية لمعالجة القضايا الاجتماعية”، ثم ضمان “استقرار الأوضاع الاجتماعية وتحقيق السلم الاجتماعي وتحسين المناخ الاقتصادي”.

ضمن ثنايا هذا المنشور نقرأ أهدافا ترغب الحكومة في الوصول إليها، ونقرأ بأن السلم الاجتماعي والاستقرار والاستثناء المغربي والمناخ الاقتصادي في خطر جراء تدني ظروف عيش الشغيلة وغياب أية حماية اجتماعية لها.

كما أن المنشور يقر بعدم وجود حوار منتظم كآلية لمعالجة القضايا الاجتماعية، ويعطي وصفا للوضع الذي ترغب الدولة أن تتداركه (لا أقول الحكومة، بل أقول “الدولة”، لأن الكل يعرف من يحكم البلاد).

الدعوة إلى هذا الحوار القطاعي تأتي في سياق زمني يعرف احتقانا اجتماعيا نبه كثيرون إلى خطورته متمثلا في احتجاجات كثيرة داعمة لاحتجاجات منطقة الريف ومطالبة بمطالب اجتماعية مماثلة.

أثناء المرحلة السابقة، مرحلة حكومتي ما بعد دستور 2011 ، قوبلت كل الاحتجاجات بالقوة وتكسير الجماجم والعظام، وجمد الحوار الاجتماعي، وقمع كل من سولت نفسه أن يتقدم بمطالب، وتم التصويت على عدة قوانين وقرارات بكل الأشكال التي قد لا تخطر على بال من التصويت ليلا وبأقل عدد ممكن من البرلمانيين والمستشارين، تمرير قوانين في اللجن البرلمانية، تصويت في إخراج مسرحي رديء (نموذج التصويت على قانون التقاعد) بدون مراعاة الهيئات السياسية أو النقابية الموجودة في الأغلبية أو في المعارضة، بل أصبحت كل الهيئات تتقرب إلى المتحكمين في “الدولة” حتى أصبحنا نسمع على موائد النقاش من قبيل صيغ “نحن أيضا معارضة صاحب الجلالة”.

من الأكيد أن القرارات التي اتخذت وتم تمريرها كان لها الأثر الكبير على الاحتقان الآني نورد بعض منها: – قرار إلغاء صندوق المقاصة ودعم المواد الأساسية، خصوصا البترول تحت ذريعة تحرير ثمنه، (مع الأسف فرغم انخفاض ثمن البترول وبلوغه قيمة 30 دولارا للبرميل بقي المواطن يؤدي ثمن البنزين بسعر شبه ثابت في حدود حوالي 10 دراهم للتر وهو ما يقابل القيمة التي ارتفع بها ثمن البترول إلى قيمته القصوى).

– قرار فرض الإصلاح المقاصي لصندوق التقاعد على فئة الموظفين، رغم أنهم غير مسؤولين عما آل إليه وضع الصندوق، بل أكدت لجنة التقصي البرلمانية في تقريرها (13مارس 2017) عدم صحة المبررات التي قدمت لتمرير هذا القرار. ورغم أنه أثبت وجود فساد في تدبير أموال الصندوق – كان مفروضا أن يقف الكل عند هذا الفساد وإرجاع الأمور إلى مسارها الطبيعي – إلا أنه لم يتابع أي مسؤول على الفساد (وكما هو معتاد في المغرب)، بل يتم الإصرار والإمعان في أن يؤدي الشعب الثمن، في حين بقي البرلمانيون والوزراء على غير ما هو معمول به في سائر دول العالم يتمتعون بتقاعد جد مرتفع لمجرد أنهم تمتعوا بالصفة لفترة زمنية مهما كانت وبدون أن يكونوا ملزمين أن يصلوا سن التقاعد. وللتوضيح نورد مثال وزيرة اشتغلت مع الحكومة 13 شهرا مع راتب تقاعدي بقيمة 3600 دولار مدى حياتها بمجرد مغادرة منصبها في الحكومة، في حين أن الرئيس الأمريكي أوباما وبعد 8 سنوات من العمل في هذا المنصب سيستفيد من راتب تقاعد بقيمة 2400 دولار خلال مدة 3 سنوات فقط.

– فرض قرار الاقتطاع من أجر المضربين عن العمل، والتحامل على حقهم في الإضراب (في غياب قانون للإضراب). – فرض قرار فصل التكوين عن التوظيف، ولو أن فوج 2015-2017 للأساتذة المتدربين من خلال نضالهم الذي دام حوالي السنة (وخارج أي إطار نقابي) فرضوا في محضر 13 أبريل و21 أبريل 2016 مع ممثل الدولة (والي الرباط الذي أصبح وزيرا للداخلية، وعاقب مناضلي الفوج بالترسيب) بحضور المركزيات النقابية على أن يتم إعادة مرسوم فصل التكوين عن التوظيف إلى طاولة الحوار الاجتماعي.

– فرض قرار العمل في قطاع الوظيفة العمومية بالتعاقد بدل التوظيف، – فرض قرار التوظيف بدون تكوين عمليا.

– فرض قرار تمديد العمل بعد بلوغ سن التقاعد…

خلال هذه المرحلة تم اتخاذ كل هذه القرارات وغيرها في غياب شبه تام لأي حوار اجتماعي، بل كانت كل القرارات تتخذ بدون أية استشارة للنقابات أو بتواطؤ من بعضها، أو الهيئات السياسية الوصية عليها التي كانت تعمل على إرضاء “الدولة”، وأصبحت هذه الهيئات بدون أية مصداقية أمام الشغيلة لدرجة أن النقابات ابتكرت شكلا جديدا للاحتجاج، هو مقاطعة تظاهرات فاتح ماي عيد الشغل، ولسان حالها يقول ليس لنا مناضلون ليسيروا في مسيرات فاتح ماي ويعبروا عن مطالبهم وعلى قوة تمسكهم بحقهم. لقد أصبح العمل النقابي أضعف ما يكون في تاريخه.

عرف الحوار الاجتماعي المركزي مع حكومتي بنكيران انغلاقا لم يشهد له مثيل سابقا. واتخذت قرارات أضرت بالملفات الاجتماعية ضررا كبيرا، قرارات استهدفت الفئات الهشة اجتماعيا والطبقة الوسطى في قدرتها الشرائية.

لقد “تغولت” الدولة بعد إقرار دستور 2011 وأمعنت في الإهانة والتحقير والاستهتار والاستخفاف بكل القوانين والعهود والأخلاق والمؤسسات التشريعية والهيئات السياسية والنقابية والمجتمع المدني وكل أفراد الشعب (نذكر على سبيل تنشيط الذاكرة فقط بعض الأمثلة منها: نقض مرسوم 21 يوليوز 2011 لتوظيف حاملي الشهادات العليا، نقض محضر الأساتذة المتدربين، العفو عن مغتصب الأطفال، والكل يتذكر حكرة مي فتيحة التي جعلتها تحرق نفسها…).

بين ظلال مخلفات المرحلة السابقة وتراكم المعطيات التي أنتجت هذا الاحتقان الاجتماعي الذي فجر سلسلة الاحتجاجات بالبلد، وضعت الحكومة الحالية (التي ولدت من صلب الإمعان في الإهانة والتحقير) دعوة إلى الحوار القطاعي لتهيئ أجواء الحوار المركزي.

دعوة لم تأت في سياقها الطبيعي، وهي محاولة استباقية لنزع فتيل الاحتقان، إن لم نقل هي محاولة استدراكية لتدارك ما يمكن تداركه بعد ارتفاع وتيرة الاحتجاج.

يمكن الجزم بعدم وجود شروط طبيعية لعقد جلسات الحوار الاجتماعي، فبعد أن انكشف الوجه الحقيقي “للدولة” أمام الجميع وأمعنت في إهانة واحتقار كل العمليات الانتخابية بما فيها المؤسستان التشريعيتان، والهيئات السياسية والنقابية – قمة الجرأة والاستخفاف والإهانة بلغت درجة تدخل القوى الأمنية إلى داخل مقر حزب من أجل إيقاف كلمة أمينه العام خلال اجتماع داخلي لمؤسسة تابعة لهياكل الحزب.

لقد أصبحت كل مؤسسات المجتمع بدون مصداقية وبدون قيمة أمام الشعب، لهذا نجد الاحتجاجات تتوجه الآن مباشرة إلى الملك قمة “الدولة” وتطالبه بالتدخل (بحكم الترويج الدعائي الشعبوي الذي يروج أن الملك يريد أن يعمل وأنه غير مسؤول عن الوضع إلا أن محيطه هو من لا يبلغه ما يقع).

لكن أصحاب هذا الطرح ربما لا يدركون أنهم يجعلون الملك هو المسؤول الأول عما وصل له الوضع، بعد أن ينكشف للشعب عدم استجابته أو عدم قدرته للاستجابة لهذه المطالب الاجتماعية.

في ظل انهيار مصداقية المؤسسات التمثيلية للمجتمع، وفقدان الثقة في كل مكونات “الدولة” يمكن الجزم بعدم وجود جدوى للحوار الاجتماعي بحكم أن الحكومة الداعية إلى الحوار ليست لها قوة الكينونة، على الأقل لم تكن نتاج احترام قواعد المنهجية الديمقراطية وهي لا تمثل الإرادة الشعبية (الفئة التي اعتقدت في مصداقية صناديق الاقتراع)، وبحكم أن الهيئات النقابية التي توجد في وضع الضعف الكبير، لم تعد لها مصداقية أمام الشغيلة، لأنها كانت جزءا ممن ساهم في ضياع حقوقها ومصالحها.

كما أن الثقة المفقودة في “الدولة” بناء على عدم التزامها سابقا بكل الصيغ التي حاولت الفئات المحاورة اللجوء إليها لضمان تنفيذ بنود ما تم التوصل إليه بعد الحوار من إصدار مراسيم، محاضر تضمنها المركزيات النقابية (محضر الأساتذة المتدربين)، محاضر الحوارات السابقة…

وأيضا لأن الوعي الشعبي أصبح خطابه الاحتجاجي يتوجه مباشرة إلى قمة “الدولة” الملك الذي يأمل أن ينال حقه منه. إلخ…

من الأكيد أن النقابات ليس أمامها خيار إلا الاستجابة، على أمل أن تسترجع جزءا من المصداقية بجلوسها إلى مائدة الحوار، حيث يمكن أن تجد حلا لبعض الملفات الفردية أو الصغيرة. في حين أن الملفات الكبيرة التي اتخذت فيها قرارات في المرحلة السابقة، لا يمكن أن ترد إلى مائدة الحوار من مثل التوظيف بالعقود (رغم أن هناك محضرا وقعت عليه الدولة بحضور المركزيات على أن يتم إعادة إدراجه في الحوار الاجتماعي) لأنه أصبح واقعا معمولا به، ملف التقاعد…

كما يمكن أن تُوَظفَ هذه الهيئات في محاولة لتهدئة الخواطر، وإطفاء فتيل الاحتجاجات الذي ينتشر، إن كان “للدولة” سيناريو رمي بعض الفتات لتهدئة العاصفة، كما وقع مع اتفاق 26 أبريل 2011 حيث حصل الموظفون على 600 درهم.