من كتاب المدهش لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله:

يا من شاب وما تاب! أموقن أنت أم مرتاب؟ من آمن بالسؤال أعد الجواب.

فخذ للسير أُهْبَته وبادر *** وجَوِّد جمع رحلك للذهاب

فقد جد الرحيل وأنت ممن *** يسير على مقدمة الركاب

أما أنذرك بياض الشَّمَط 1؟ أما يبكيك قبح ما منك فرط؟ إلى متى تجري في الهوى على نمط؟ إلى متى تضيع وقتا مثله يلتقط؟ لقد أحاط بك المنون وها أنت في الوسط، واستل التلف سيفه عليك سريعا واخترط. يا من يهفو وينسى والملك قد ضبط! يا منفقا نعم المولى على العصيان هذا الشطط! امح باعترافك قبح اقترافك وقد انكشط 2، وقم في الدجى والليل قد سجى فرب عفو هبط، قد نصحتك بما أسمعتك وقد أوقعتك على النقط.

يا مغمورا بالنعم معدوم الشكر! كلما لطفنا بك قابلتنا بالمخالفة، إنه لا عجب من ترك الشكر إنفاق النعم في مخالفة المنعم. هذا عود العنب يكون يابسا طول السنة، فإذا جاء الربيع دب فيه الماء فاخضر وخرج الحِصْرِمُ 3، فإذا اعتصر الناس منه ما يحتاجون إليه طول السنة قُلِبَ في ليلة خلاًّ، فبانقلابه يوجب للعقل الدهش من صنع صانعه وقدرة خالقه، فينبغي أن يفرغ العقل للتفكر فيأخذ الجاهل العنب فيجعله خمرا، فيغطي به العقل الذي ينبغي أن يحسر عن رأسه قناع الغفلة ومن يضلل اللهُ فما له من هادٍ (سورة الرعد، 33).

ويحك! قد أطعمتك إياه حصرما وعنبا وزبيبا وخلا، فدع الخامس لي فقد سمعت في كلامي: فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ (سورة الأنفال، 41). أيها الضال في بادية الهوى، احذر من بئر بَوَارٍ 4، وليس في كل وقت تتفق سيارة. ليل الصبا مرخى السدفة، وبخار الأماني يعقد دواخن الكسل، فانهض عن حِفْش 5 الكسل، واستنطق ألسن الحكم من موضوعات المصنوعات يُمْلِ عليك كل ما في دستوره.

يا مقتولا ما له طالب ثأر يريد الموت، مُطْلق الأعِنَّة في طلبك وما يخفيك! حصن ثَوْبِ حياتك منسوج من طاقات أنفاسك، والأنفاس تَسْلُبُ ذراتِ ذاتِك، وحركات الزمان قوية في النسج الضعيف، فيا سرعة التمزيق!

آن الرحيل وما في مزادتك قطرة ماء، ولا في مِزْوَدِ عملك قبضةُ زاد، وقد أحلت ناقتك على ما تلقى من العشب والجدْب عام في العام.

ويحك! عش ولا تغتر! يا رابطا مُنَاهُ بخيط الأمل، إنه ضيف القتل، صياد التَّلَف قد بث الصقور، وأرسل العقبان، ونصب الأشراك، وقطع الجواد، فكيف السلامة؟ تهيَّأْ لصَرْعَة الموت، وأشدّ منها فلت القلب. فليت شعري إلى ماذا يؤول الأمر؟

فوالله ما أدري أيغلبني الهوى *** إذا جد جد البين أم أنا غـالبه؟

فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى *** فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه

آه من تأوه حينئذ لا ينفع! ومن عيون صارت كالعيون مما تدمع!

ولما خلا التوديع مما حذرته *** ولم يبق إلا نظـــرة تُغْنَم

بكيت على الوادي فحُرمتُ ماءَه *** وكيف يحل الماء أكثره دم؟

نُقْلة إلى غير مَسْكن، وسفر من غير تزود، وقدوم إلى بلد ربح بلا بضاعة.

ولما تيقنا النوى لم يدع لنـا *** مسيل غروب الدمع جفنا ولا خدا

فلا صفوة إلا وقد بدلت قذى *** ولا راحــة إلا وقد قلبت كـدّا

6 يا لساعة الموت ما أشدها تتمنى أن لو لم تكن عندها! وأعظم المحن ما يكون بعدها.

ولم أنس موقفنا للوداع *** وقد حان ممن أحبّ الرحيل

ولم يبق لي دمعة في الشؤون *** إلا غدت فوق خدي تسيل

فقال نصيح من القوم لي *** وقد كاد يأتي علي الغليل

تأنَّ بدمعك لا تُفْنِه *** فبين يديك بكاءٌ طويل

تقسم الصالحون عند الموت؛ فمنهم من صابر هجير الخوف حتى قضى نحبه كسيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول عند الرحيل: (الويل لعمر إن لم يغفر له!) ومنهم من أقلقه عطش الحذر فيبرده بماء الرجاء كسيدنا بلال رضي الله عنه كانت زوجته تقول: واحرباه! وهو يصيح: (واطرباه! غدا نلقى الأحبة، محمدا وحزبه). علم بلال رضي الله عنه أن الإمامَ لا ينسى المؤذن، فمزج كرب الموت براحة الرجاء في اللقاء.

بَشَّرَها دليلُها وقال *** غدا تَرَيْنَ الطّلحَ والجبالا

قال سليمان التيمي رحمه الله لابنه عند الموت: (اقرأ علي أحاديث الرخص لألقى الله وأنا حَسَنُ الظنّ به). إلى متى تتعب الرواحل؟ لابد من مَنَاخ.

كان أبو عبيدة الحواص رحمه الله يستغيث في الأسواق وينادي: (واشوقاه إلى من يراني ولا أراه!).

 


[1] الشمط: شَمِط شَمَطا: خالط بياضَ شعره سوادٌ.
[2] انكشط: مطاوع كشط: الشيء: رفع عنه شيئا غشّاه. ونقول انكشط الروعُ: ذهب.
[3] الحصرم: أول العنب ما دام أخضر حامضا أو التمر عموما قبل أن ينضج.
[4] بوار: البئر التي ليس فيها ماء.
[5] حفش: البيت الصغير.
[6] – النوى: الفراق.
– قذى: ما يقع في العين أو الشراب من تبنة أو نحوها.