سبق لموقع الجماعة أن أجرى حوارا مع الأستاذ بن سالم باهشام، رئيس جمعية الهداية القرآنية لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده وتدريس العلوم الشرعية، حول أهمية حفظ القرآن واستثمار فترة الصيف في ذلك. نعيد نشره:

 

ما تعليقك على العنوان الذي اخترناه لهذا الحوار والذي هو “فصل الصيف وحفظ القرآن الكريم”؟

أشكر المشرفين على هذا الموقع، والذين لا يألون جهدا لتنوير عقول وقلوب المغاربة والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إذ لا يضنون على أحد بما وهبهم الله من نعمة (الصحبة والجماعة)، بل لا يسعهم إلا أن يجهروا بكل ما عاشوه ويعيشونه من فيوضات ربانية، لأن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يحب لأخيه ما أحبه لنفسه، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (من الخير)” 1. وما اختيار هذا الموضوع إلا نوع من أنواع هذا الخير الذي يدلّون الناس عليه،إذ أن جماعة العدل والإحسان تعقد في كل صيف رباطات “عشرية” و”عشرينية” و”أربعينية” تخصص لحفظ كتاب الله تعالى، يصومون فيها النهار ويقومون الليل مع المحافظة على يوم المؤمن وليلته قصد انجماع كل فرد على الله تعالى.

والكثير من الناس انطلاقا من ثقافة بيئتهم يعتقدون أن في العنوان تناقضا بين الشطر الأول منه والشطر الثاني، إذ أن فصل الصيف هو فصل الراحة والترويح عن النفس والاستجمام والمرح، والقرآن الكريم تلاوة وحفظا وتفسيرا بنية التطبيق جد، فكيف يلتقي الجد والمرح؟!

بل منهم من يقول: إن برمجة الصيف لحفظ القرآن الكريم تزمت ومخالفة لروح الإسلام السمحة التي تدعو إلى الترويح، بدليل الحديث النبوي الذي رواه مسلم في صحيحه وغيره، والذي يخاطب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حنظلة الأسيدي رضي الله عنه: “والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة” ثلاث مرات.

وحتى نضع الأمور في مواضيعها فإن الإسلام الذي هو دين الفطرة أجاز الترويح والفرح، ولكن بعد العبادة، لهذا جعل العيدين الأضحى والفطر بعد عبادتي الصيام والحج.

ولا بأس أن يروح المؤمن عن نفسه بين الحين والآخر بما أباحه الله تعالى له من أنواع اللهو كمعاشرة الأزواج وملاعبة الأولاد وممارسة الرياضات المباحة، والخروج في نزهات خلوية يستمتع فيها المرء بجمال ما خلقه الله من الأنهار والأشجار ونحوها وغير ذلك مما لم يأت دليل على تحريمه.

والعطلة عند المؤمنين والمؤمنات فرصة ثمينة تتيح لهم ما لم يستطيعوا فعله وقت العمل أو الدراسة، لهذا تجدهم يضعوا برامج محكمة لاستثمار هذا الوقت الثمين الذي يدخل في عمر الإنسان وسيسأل عنه يوم القيامة، فيخصصون فترة للمرح وأخرى لحفظ القرآن وثالثة لصلة الرحم ورابعة للصيام وخامسة للالتزام بيوم المؤمن وليلته، وبهذا يجعل المؤمن ليله ونهاره، وجده وهزله، وحياته كلها لله تعالى، مصداقا لقوله سبحانه في محكم كتابه: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، وبهذا التصور المتكامل يزول التناقض الذي يظهر لبعض الأفراد بين الصيف وحفظ القرآن الكريم.

 

يقال في الحكم: (من عرف ما قصد هان عليه ما وجد)، لهذا نريد أن نعرف أجر حفظ القرآن الكريم، لتهون كل العقبات التي قد يجدها الفرد أثناء الحفظ، ويستمر حتى يحقق الهدف إن شاء الله تعالى.

إن من حفظ القرآن وعمل بما فيه، أثابه الله على ذلك ثوابا عظيما، وأكرمه إكراما بالغا في الدنيا والآخرة، ولا يمكننا أن نحيط بكل ما أعده الله لحافظ القرآن، ويكفي أن نذكر ما يلي:

1. حفظ القرآن سنة متبعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حفظ القرآن الكريم، بل وكان يراجعه جبريل عليه السلام في كل سنة.

2. ميزان التفاضل والخيرية بين الناس يكون بالقرآن تعلما وتعليما، فعن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” 2.

3. حافظ القرآن يستحق التوقير والتكريم، وإكرام حامل القرآن من إجلال الله تعالى، عن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط” 3، والمعنى: (إن من إجلال الله) أي تبجيله وتعظيمه، (غير الغالي فيه) الغلو التشديد ومجاوزة الحد، (والجافي عنه) أي وغير المتباعد عنه المعرض عن تلاوته وإحكام قراءته ومعرفة معانيه والعمل بما فيه.

4. حفظ القرآن رفعة في الدنيا قبل الآخرة، قال عمر رضي الله عنه: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين” 4، (يرفع بهذا الكتاب): أي بقراءته والعمل به، (ويضع به) أي بالإعراض عنه وترك العمل بمقتضاه.

5. من حفظ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه.

6. حفظة القرآن هم أهل الله وخاصته، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ” 5.

7. حافظ القرآن أحق الناس بإمامة الصلاة التي هي عمود الدين كما في الحديث: “يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله”.

8. الغبطة الحقيقية تكون في حفظ القرآن، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار” 6. والحسد المذكور في الحديث هو الغبطة.

9. حفظ القرآن وتعلمه خير من الدنيا وما فيها، فعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصُّفة فقال: “أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان والعقيق فيأخذ ناقتين كوماوين زهراوين بغير إثم بالله ولا قطع رحم، قالوا: كلنا يا رسول الله، قال: فلأن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خيرا له من ناقتين، وإن ثلاث فثلاث مثل أعدادهن من الإبل”.

10. حفظ القرآن سبب لحياة القلب ونور العقل، فعن قتادة قال: “أعمروا به قلوبكم، وأعمروا به بيوتكم”، وعن كعب رضي الله عنه قال: “عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمن عهدا”، وقال في التوراة: “يا محمد إني منزل عليك توراة حديثة تفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا”.

11. حافظ القرآن أكثر الناس تلاوة، وأكثرهم جمعا لأجر التلاوة، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: (الم) حرف ولكن: ألف حرف ولام حرف، وميم حرف” 7.

12. نزول الملائكة والسكينة والرحمة على أهل القرآن، فعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده 8، (يتلون كتاب الله ويتدارسونه) أي يتعاهدونه خوف النسيان.

13. حافظ القرآن يسهل عليه أن يقوم الليل به، فيشفع فيه القرآن يوم القيامة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان” 9.

14. وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، قال طلحة بن مصرف: سألت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية؟ قال: (أوصى بكتاب الله) (صحيح البخاري)، قال الحافظ: قوله: (كيف كتب على الناس الوصية) أو كيف (أمروا بالوصية) أي كيف يؤمر المسلمون بشيء ولا يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.

15. يقدم صاحب القرآن عند الدفن، فعن جابر رضي الله عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: “أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد” 10.

16. دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لتالي القرآن بالرحمة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبراً ليلاً. فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة وقال: “رحمك الله إن كنت لأواهاً تلاء للقرآن” 11 وكبر عليه أربعاً.

17. حفظ القرآن ينجي صاحبه من النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق” 12.

18. يأتي القرآن يوم القيامة شفيعا لأهله وحفاظه، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه” 13.

19. صاحب القرآن يرتقي في درجات الجنة بقدر ما معه من الآيات، يرفعه القرآن في الجنة درجات كما في الحديث: “عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقال لصاحب القران اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها”” 14 . أي أحفظهم، فالتفاضل في درجات الجنة إنما هو على حسب الحفظ في الدنيا، وليس على حسب قراءته يومئذ واستكثاره منها كما توهم بعضهم، ففيه فضيلة ظاهرة لحافظ القرآن، لكن بشرط أن يكون حفظه لوجه الله تبارك وتعالى.

20. حافظ القرآن رفيع المنزلة عالي المكانة، فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران” 15. و(السفرة) هنا هم الملائكة الذين ينقلون من اللوح المحفوظ.

21. صاحب القرآن يلبّس حلة الكرامة وتاج الكرامة، فعن أبى هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حلّه، فيلبس تاج الكرامة. ثم يقول: يا رب زده فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيقال: اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة” 16.

 

في فصل الصيف تتسع الفسحة الزمنية المتاحة للتلميذ والطالب والموظف… كيف يمكن للمؤمن استثمار هذه الفسحة لحفظ أجزاء من القرآن الكريم، والفوز بهذا الفضل العظيم؟

لابد للمرء أن يعرف قيمة الوقت في حياته، وبعدها تأتي الترتيبات الأخرى، والإنسان العاقل يعرف أن رأسماله في هذه الحياة هي وقته، وأن أنفاسه في هذه الدنيا معدودة، فهو يحاول استثمارها فيما ينفعه في الدنيا والآخرة. وما لا تفعله وأنت فارغ (أي من المشاغل) لن تستطيع أن تفعله حين تنشغل. والوقت الذي يمر لا يمكن أن يعود.

الإنسان العاقل يعرف أنه مسئول عن هذا الوقت فهو يستغله فيما ينفع ولا يضيعه سدى فيوظفه في التعلم أو في مساعدة الآخرين أو في المحافظة على صحته. فالله أعطاك قوة ووقتا فأحسن الاستفادة منهما. تخيل كم من الساعات متاحة لك في فترة الصيف؟ وكم من الأشياء المفيدة التي يمكن أن تعملها؟. لهذا لابد من التوازن بين الأدوار المختلفة، وإعداد جدول الأعمال الأسبوعي بشكل متوازن ويحقق الأهداف البعيدة المدى. هذا الأسلوب يتميز بالآتي:

أولا: أن تحدد مهمتك في الحياة أو ما تريد تحقيقه على المدى البعيد. فأنت تريد أن تكون شخصا صالحا فهذا هو الهدف الأسمى. بناء على ذلك فإنك عندما تضع أولويات الأعمال ترجع دائما إلى هذه المهمة أو الهدف (أو الأهداف) الرئيسية لك في الحياة. فهي بمثابة الاستراتيجية للشركات. هذا يساعدك على التركيز على ما ينفعك ومعرفة ما هو مهم لك مما هو غير مهم لك، فعليك ألا تنساق وراء كل اقتراح وكل فكرة، ولكن تنساق وراء ما يخدم أهدافك البعيدة المدى، ومن ِحكم الصلاة التمرن على حسن إدارة الوقت من خلال المحافظة على الصلوات الخمس في وقتها، لهذا لا يكفي الشخص معرفة الثواب الذي أُعدّ لحافظ القرآن إن لم يحسن تدبير الوقت الذي هو رأس المال، فإدارة الوقت هي مهارة يحتاجها كل الناس. وقد يتساءل الفرد، ما معنى إدارة الوقت؟

ـ إدارة الوقت تعني أن تستطيع تحديد أولويات الأعمال وجدولتها وتنفيذها. والناس في هذا أصناف:

* البعض قد يتصرف بشكل عفوي فهو ينظم وقته كرد فعل لما يطلبه الآخرون.

* هناك من يضع جدولا زمنيا لنفسه، ولكنه لا يستطيع تحديد الأولويات.

* هناك من يضع جداول زمنية ولا يستطيع تنفيذها.

ـ إدارة الوقت تعني اختيار المهام التي ستقوم بها طبقا لأولويات صحيحة، وأن تعد جدولا زمنيا قابلا للتنفيذ، وأن تقوم بتنفيذ ذلك الجدول الزمني.

ـ إدارة الوقت تعني الاستفادة القصوى من الوقت، وهذا لا يعني أن تقتل نفسك في العمل، فهذا ليس أسلوبا صحيحا لإدارة الوقت.

من الطرق المميزة لتمييز الأولويات أن ننظر إلى الأمور من زاويتين هما: العجلة والأهمية، أي عجلة الأمر وأهميته، فالمهام التي نريد القيام بها قد تكون مهمة أو غير مهمة، وقد تكون عاجلة أو غير عاجلة. وبناء على ذلك لا بد من تقليل الأعمال غير المهمة وتعلم كيف تواجه اقتراح الأصدقاء بالقيام بأشياء تافهة بأسلوب لبق.

استغل الوقت لتحقيق أهداف بعيدة وحاول أن تتعلم دينك وتحفظ كتاب الله أو تقرأ كتبا جديدة أو تتحدث مع الزملاء في مواضيع مفيدة أو تمارس الرياضة. هذا الوقت الذي تعتبره فترة راحة هو وقت ثمين لم يتوفر لك فيما قبل، (فاغتنم فراغك قبل شغلك) كما جاء في الحديث، ولابد أن تتضافر جهود الأسرة في هذا الشأن حتى يتم التعاون، ويسهل التطبيق.

 

حتى لو علمنا الأجر وتوفر الوقت فإننا في حاجة ماسة للإرادة الجادة، فكيف تتولد هذه الإرادة وتنبعث الهمة في القلب؟

صحيح أن الكثير من المواقف التي كُتب لها الفشل بسبب افتقارها إلى أهم مكونات النجاح ألا وهي العزيمة والإرادة. إذ من العزيمة والإرادة تتولّد مكونات أخرى وهي الصبر والثبات والاستمرارية.

الجميع يريد أن ينجح في أعماله ويحقق أهدافه، ولكن القلة هم الذين يُكتب لهم النجاح بعد توفيق الله عز وجّل، وهم أصحاب العزيمة والإرادة.

جميعنا نملك قدرات ذاتية، ولكن هذه القدرات خاملة. كثيرة هي المواقف التي نشاهدها في الحياة اليومية تحتاج إلى عزيمة وإرادة حتى تنجح ولكنها سرعان ما تنتهي (للأسف) بالفشل.

وأول ما تنبعث به هذه الهمة في القلب، وتتولد هذه الإرادة الجادة، التوجه إلى الله بالدعاء الخالص بالأسحار وقت نزول ربنا -كما يليق بجلاله- إلى السماء الدنيا فيقول كل ليلية حتى مطلع الفجر: “هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، أنا الملك، أنا الملك، أنا الملك” فهو الموفق لكل خير.

الأمر الثاني: الشيخ المعلم المربي، فقد نهى السلف الصالح عن أخذ القرآن من المصحفي (أي الذي يكتفي بحفظه من القرآن دون حاجة لشيخ)، وكان الإمام الشافعي رحمه يستعيذ بالله من هذه الحالة لخطورتها على الفرد والمجتمع فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من تشيخ الصحيفة).

الأمر الثالث: لابد من السعي لإيجاد الأجواء القرآنية التي تنهض حال الفرد للحفظ والمداومة عليه.

الأمر الرابع: ما دام المرء على دين خليله فليختر من تلك المجموعة التي تحفظ القرآن أخا يذكره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر، ويتعاونان على تفقد أحوالهما.

الأمر الخامس: السعي في تلك المدارس القرآنية المتنقلة زمانا ومكانا عبر الأجيال على إيجاد جو التنافس عن طريق المسابقات، والاحتفال والفرح بمن حفظ من القرآن أجزاء أو كله، وتقديم جوائز وشواهد تحفيزية.

الأمر السادس: تكريم شيوخ القرآن فهم أهل الله وخاصته، وإرجاع الاعتبار لهم، فما أكرمهم إلا كريم، وما أهانهم إلا لئيم، وهم المحفز الرئيسي لهذه العملية.

 

هل من برنامج عملي للحفظ يمكن الالتزام به خاصة في هذه الفترة من السنة؟

البرامج الفردية لا تؤتي أكلها، ولا يستمر أصحابها غالبا حتى يحققوا الهدف، لهذا لابد من وضع برنامج متنوع بين الحفظ والمراجعة والاستظهار والترويح، وأن يعيّن مشرف على تنفيذ هذا البرنامج، بالإضافة إلى المتابعة، والمحاسبة مع تحديد وقت أقصى لتحقيق الأهداف المسطرة.

 

هل لكم أن تخبرونا عن تجاربكم في مدارس الحفظ، وكيف تستثمرون الأوقات لهذا العمل الجليل؟

لا يفوتني أن أذكّر بما لا يخفى على المغاربة أن المخزن لم يكتف بالتهميش المقصود الذي تعرفه المدارس العتيقة، بل غاضته تلك المدارس التي أسسها أبناء الوطن تحت غطاء قانوني جمعوي، فأصدروا قانونا لهذه المدارس أدخلوا فيها المواد التي تدرس في المدارس العصرية لتتم محاربة القرآن بطريقة غير مباشرة، وأغلقوا أكثر من مائة وعشرين مدرسة بتبريرات واهية، أما جماعة العدل والإحسان فكما قال الحبيب المرشد عبد السلام ياسين -رحمه الله- لسنا كتلك الأسطوانات المحفورة، بل نحن في تطور وتجديد مستمر ولا يتوقف مقابل تخطيطات أعداء القرآن في إطار سنة التدافع، وبحكم المهمة التي كلفت بها في وسط الجماعة المباركة والمتعلقة بالقرآن، فإن هناك مدارس عديدة متنقلة عبر الأجيال في كل بلد، ينخرط فيها الأفراد على اختلاف شرائحهم، وقد آتت أكلها وحفظ فيها الكثير من الأفراد القرآن كله رغم أشغالهم الوظيفية، ورغم دراستهم، بل حتى ربات البيوت شملهن هذا الخير. كل هذا استجابة للنداء الذي رفعه الحبيب المرشد -رحمه الله- حول حفظ القرآن الكريم.

ولقد حضرت الكثير من حفلات التخرج، والمهرجانات، والمسابقات، في مناطق من ربوع المغرب الحبيب، وأنه لا إمامة لهذه الأمة إلا بالقرآن تلاوة وحفظا وتفسيرا وعملا ودعوة وتحاكما واعتزازا.

أما الجمعية التي أترأسها والتي يدخل ضمن برامجها حفظ القرآن الكريم، فقد خرجت ما يقارب المائة حافظ، أغلبهم حامل لشهادة الإجازة في تخصصات متنوعة، وفي شأن البراعم كنا نعد مخيمات للأطفال في فصل الصيف، يحجون إليها من كل حدب وصوب لحفظ كتاب الله والتمتع بجمال الطبيعة، وتعلم الآداب الإسلامية، والأخلاق الحميدة، والرياضة والمعلوميات، حتى إنهم لا يفترقون مع المؤطرين إلا بالبكاء رغبة في البقاء والمزيد، وقد دامت هذه المخيمات ما يزيد على ثلاث سنوات رغم التضييق المخزني، إلا أن الخير لم يبق منحصرا في رقعة ضيقة بل توسع والحمد لله إذ نقلت التجربة إلى أماكن متعددة ليصبح المشروع محليا في كل بلد على اختلاف التجارب عددا وتأطيرا.

أما همم الأفراد في الحفظ فتختلف من فرد لآخر، وعلى سبيل المثال لا الحصر من المؤمنين من حفظ القرآن كله في مدة شهرين وعشرين يوما، ومنهم من حفظه في مدة ستة أشهر، ومما لا يستهان به من الأطباء والمهندسين ممن حفظوا القرآن كله، والمنافسة لا زالت قائمة والعدد والحمد لله في ارتفاع، نسأل الله العلي الأعلى الوهاب أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء همنا وأحزاننا، وأن يعلمنا منه ما جهلنا، ويذكرنا منه ما نُسّينا آمين.


[1] سلسلة الأحاديث الصحيحة.
[2] صحيح البخاري.
[3] حديث حسن، صحيح الجامع 2199.
[4] صحيح مسلم.
[5] صحيح الجامع 2165.
[6] البخاري ومسلم.
[7] صحيح الجامع 6469.
[8] صحيح مسلم.
[9] رواه أحمد والطبراني والحاكم، وورد في صحيح الجامع برقم (3882).
[10] صحيح البخاري.
[11] قال الترمذي: حديث حسن.
[12] رواه أحمد.
[13] صحيح مسلم.
[14] رواه الترمذي (2914) وأبو داود (1464). (صحيح الجامع 8122).
[15] البخاري ومسلم.
[16] حديث حسن، صحيح الجامع 8030.