عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود”. أخرجه ابن حبان وغيره، وقال الألباني رحمهم الله جميعا في السلسة الصحيحة: هذا إسناد صحيح.

وجاء في “صحيح الترغيب والترهيب” عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل، ثم قيل: لا بأس، فانصرف الناس وأبو هريرة واقف، فمر به إنسان، فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “موقف ساعة في سبيل الله، خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود”.

الإسلام دين علم و تربية وأخلاق وعمل وقدوة ومواقف خيرة إيجابية، وليس دين تضخم علوم ومعارف دون أخلاق ومواقف! وليس دين تبرير ظلم وعدوان وتبرير تسلط حاكم مستبد أو ظالم جائر. ويشاء العزيز الحكيم أن يفضح المنافقين والمفسدين المتدثرين زورا بعلم العلماء وبفقه الفقهاء وبتربية المربين وبأخلاق الدعاة المخلصين. يفضحهم ولو بعد حين. يلعبون أمام باب الله تعالى كما يلعبون أمام أبواب بني آدم الغافلين وينسون أن الله يسمع السر وأخفى وهو على كل شيء قدير، وأنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بإذنه وأنه بكل شيء محيط، سبحانه وتعالى، نعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الحور بعد الكون (من دعائه صلى الله عليه وسلم؛ معناه نقض العهد مع الله بعد تثبيته وبعد الكينونة مع أمة المومنين).

موقف ساعة في سبيل الله يقر حقا وينهى عن ظلم ومنكر ويردع مستبدا ومفسدا أو يقيم شعيرة من شعائر التربية والدعوة تبني نفوسا زكية منورة على يقين في الله وعلى توكل عليه سبحانه. كل ذالك جعله الله تعالى في الأجر خيرا من طول لزوم فردي للعبادة من صلاة وذكر ولو كان ذالك عند الحجر الأسود وفي ليلة القدر. والخيرية هنا لا تعني الاستغناء عن عبادة التبتل والانقطاع إلى الله عز وجل بكل أنواع التبتل من صلاة ليل وقراءة للقرآن وصيام، كلا. بل هذا الحديث وغيره من أصول الدين كلها تقر الأمرين معا (الموقف والتبتل) وتفضل الموقف لأنه عربون ودليل عملي وواقعي على تنزيل روح الدين في واقع الحياة والناس وعلى انحيازه الدائم إلى الحق والعدل والحرية والكرامة البشرية؛ قال تعالى: ولقد كرمنا بني آدم).

وملاحظة أخرى أسية وأساسية مفادها أن أي موقف من المواقف الخالدة لن تأتي في أغلب الأحيان وفي ميزان الدين إلا من قلب خاشع لله خائف منه مخلص له زاهد فيما عند الناس وموقن في أمر الله. ومنطلق كل ذلك ومربطه ومبتدأه وخبره ومرجعه دوام التبتل إلى الله تبارك وتعالى كما كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالأمران متلازمان متكاملان وإلا فإن قوما قاموا عشرات من ليالي القدر وعند الحجر الأسود وعندما احتاج منهم الحق موقفا سقطوا على أم رؤوسهم وطفقوا يبررون الظلم ويفترون على الله الكذب وهم يعلمون. فويل لهم مما نطقت به ألسنتهم وويل لهم مما يكسبون. ولو تدثروا بالصمت لكان خيرا لهم! اللهم اقبض إليك أهل القرآن تائبين منيبين إليك.

قول كلمة حق عند سلطة جائرة موقف. والرباط في التخوم مقاومة للمحتل موقف – نصر الله فلسطين وأهل فلسطين ورحم الله أعلام جهاد المحتل – والرباط والاعتكاف في المسجد إحياء للسنة وحفظا للمسجد من تربصات المعتدين موقف – نصر الله المرابطات والمرابطين في المسجد الأقصى المبارك وعجل بتحريره وكامل أرض فلسطين – وفتح بيت وإيواء دعوة حق ناصحة وشفيقة رحيمة بالأمة في زمن البخل والجبن موقف وأي موقف. والخروج السلمي في الوقفات والمسيرات والاعتصامات ضد الظلم ومطالبة بالحقوق المشروعة موقف. وتحمل مسؤوليات التربية والدعوة والإسهام فيها في زمن التربص بالدعوة وأهلها موقف. ونشر الصورة والكلمة المكتوبة والمسموعة والمرئية الإعلامية منها والأدبية والفنية، والدراسية البحثية الناصرة للحق والمقارعة للباطل وبلا هوادة… موقف. ونصرة الحق بالمال موقف. والحض على طعام المسكين والسعي على اليتيم والأرملة والمعدوم ونصرة المستضعفين موقف. والتواصل من أجل تعبئة الأمة وأحرار العالم ضد كل ظلم وضد كل ظالم ونصرة لكل مستضعف ولكل محاصر – فك الله الحصار عن غزة وعن كل الأمة – موقف.

نسأل الله تعالى أن يستعملنا فيما يحبه ويرضاه، ونسأل الله الهدى والسداد والثبات وحسن الخاتمة.

والحمد لله رب العالمين.