هو الإمام العلامة، شيخ المفسرين، أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، أحد أعلام مفسري الغرب الإسلامي، عاصر زمن المرابطين وجاهد معهم دفاعًا عن العدوة الأندلسية، من رجالات غرناطة وعلمائها، ذاع صيته وبرز نجمه خلال القرن السادس الهجري بتفسيره الفريد الوحيد، الذي كرس فيه كل فكره وجهده، فكان حقًا منارًا وشاهدًا على إمامته في شتى العلوم، بدءا بالقراءات واللغة والأصلين (أصول الفقه والاعتقاد) والفقه والحديث، فما زاد عليه من مصنفات سوى فهرسة مُعرِّفة لشيوخه، ورسائل وأشعارا محدودة لاستنهاض همم الملوك من أجل رفع لواء الجهاد حيث كان رحمه الله من الأدباء والشعراء المجيدين.

وتفسيره الفريد “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز”، الذي يعد بمزلة موسوعة  تفسيرية شاملة لكل من تقدمه تحقيقًا وبيانًا، وجيزٌ في لفظه دون إخلال، منزهٌ عن سائر الشوائب المكدرة لمجموعة من التفاسير التي سبقته، محررٌ على أظهر بيان، فلا يترك استنباطا يُحتاج إليه إلا وهو واردٌ بين أسطره، مما جعله عالة على من جاء بعده من أمثال القرطبي وأبي حيان وابن الفرس وغيرهم من الأجلاء رحم الله الجميع.

كان مولده رحمه الله سنة ثمانين وأربع مائة، فاعتنى به والده، ولحق به الكبار من أمثال الْفَقِيه الإِمَام أَبي عبد الله الْمَازرِيّ والحافظ أبي علي الغساني والقاضي أبي علي الصدفي، فطلب العلم وهو مراهق، حتى صار إماما في الفقه، وفي التفسير، وفي العربية، فكان  ذكيا فطنا مدركا، من أوعية العلم، ذا ضبط وتقييد وتجويد وذهن سيال، ولو لم يكن له إلا التفسير لكفى. فولي قضاء المرية لِلْمُلَثَّمِينَ (المرابطين) فِي آخِرِ دَوْلَتِهِمْ وَكَانَ فِي شَبِيبَتِهِ قَدْ نَالَتْهُ مِنْهُمْ إِهَانَةٌ لِإِفْرَاطِ حِدَّتَهِ ومنافسته الحكام، وتوفي بحصن لورقة، في الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة إحدى وأربعين وخمس مائة.

رحم الله ابن عطية لما جمع بين العلم والجهاد ونصح الولاة في عصره.