هذه مقولة خلدونية رصينة، قوية، صارخة، وصادقة، عنون بها ابن خلدون فقرة من فقرات كتابه/المعلمة (المقدمة)، ولعل قوتها نابعة من كونها تقترب في عمقها الدلالي والتداولي من تلك القوانين الكونية الواردة في القرآن الكريم، والتي يتأكد من خلالها أنه خطاب موجه لكل الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم وثقافاتهم ودياناتهم، وأن سنن الله سارية في الكون بكل عدل ومساواة لا تحابي فلانا، ولا تجامل علانا، ومن ثمة فقد تضمن قوانين كونية تؤطر حياة الإنسان باعتباره عبدا مكلفا ومسؤولا، وفاعلا ومنفعلا. ومن أمثلة هذه القوانين الكونية: قوله تعالى في سورة “العلق”/3: اقرأ وربك الأكرم، وفي/6: كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى، وفي سورة “الرعد”/11: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وفي سورة “الإسراء”/16: وإذا أردنا أن هلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا

هكذا تضعنا مقولة ابن خلدون أمام طرفين متلازمين تلازم السبب والنتيجة: “الظلم” و”خراب العمران”. إن العلاقة بينهما علاقة سببية منطقية تلازمية مفادها أن الظلم هو سبب خراب العمران، وبعبارة أخرى إن خراب العمران يعزى بالضرورة إلى الظلم؛ يقول: “اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم.”(1) ، وخلاصة ما ذهب إليه ابن خلدون أن الناس متى أيقنوا بأن الظلَمَةَ سيستولون على ثمار أتعابهم، وسيحرمونهم عرق جبينهم فإنهم سيكفون عن العمل، وسينفرون من الكد والتعب، وسيخلدون إلى الراحة والتواكل، وهذا سيؤدي حتما إلى توقف الحركة وإلى خراب العمران، والعمران في اصطلاح الحكماء هو الْمَدَنيةُ التي تعد شرطا ضروريا لكل اجتماع بشري، انطلاقا من قولهم المأثور: “الإنسان مدني بطبعه”، أما الخراب فيدل على “ضد العمران، والجمع أخربة، وفي الدعاء: اللهم مخرب الدنيا ومعمر الآخرة أي خلقتها للخراب. وفي الحديث: “من اقتراب الساعة إخراب العامر وعمارة الخراب”. والتخريب: الهدم، والمراد ما يخربه الملوك من العمران، وتعمره من الخراب شَهْوَةً لا إصلاَحًا، ويدخل فيه ما يعمله المترفون من تخريب المساكن العامرة لغير ضرورة وإنشاء عمارتها.”(2)

الظلم “عند أهل اللغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه.”(3)، إنه نقيض العدل، وهو “لفظ يقتضي معنى المساواة، ويُستعمل باعتبار المضايفة، والعَدْلُ والعِدلُ يتقاربان، لكن العَدْلُ يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، وعلى ذلك قوله: أو عدل ذلك صياما [المائدة /95]، والعِدْلُ والعَدِيلُ فيما يدرك بالحاسة، كالموزونات والمعدودات والمكيلات…”(4)، الأكيد أن العلاقة بينهما هي علاقة تلازم ضدي إن صح التعبير، ومعنى ذلك أن وجود أحدهما يستلزم غياب الآخر بالضرورة، وقد ورد العدل في القرآن بأقوى صيغة للتكليف والإلزام في قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان [النحل/90]، وورد كذلك مقصدا أسمى لبعثة الأنبياء والرسل في قوله سبحانه: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط[الحديد/24]، فاكتسب بذلك معنى أعم وأشمل حتى عده ابن عاشور “الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات.”(5)، والعدل أساس الملك كما جاء على لسان الموبذان (صاحب الدين عند الفرس) في القصة التي أوردها ابن خلدون، يقول: “أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة، والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل. والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الرب، وجعل له قيما…”(6) ، وهو المعنى الذي عبر عنه الشيخ ابن القيم الجوزية رحمه الله في الفتاوى 28/63، قائلا: “فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ.” وَلِهَذَا يُرْوَى: اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً.”، وجاء في رسالة “براءة اليوسي”: “وقد اتفقت حكماء العرب والعجم على أن الجور لا يثبت معه الملك ولا يستقيم، وأن العدل يستقيم معه الملك ولو مع الكفر، وقد عاش الملوك من الكفرة المئين من السنين في الملك المنتظم، والكلمة المسموعة، والراحة من كل منغص، لما كانوا يتحفظون عليه من العدل في الرعية استصلاحا لدنياهم…”(7) إنها سنن الله الثابتة الراسخة التي لا تحابي أحدا، وهي تأكيد لمقولة ابن خلدون التي تنص على أن الظلم يؤدي حتما إلى خراب العمران، وقد عمد رحمة الله عليه، إلى تعداد صور ومشاهد الظلم قائلا: “ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك (…) فجباة الأموال بغير حقها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وغصاب الأملاك على العموم ظلمة، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مَادتُهَا لا ذهابهِ الآمالَ من أهلهِ.”(8)     

 

 

 

(1) عبد الرحمن ابن خلدون: (المقدمة)، تحقيق: درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، الطبعة الثانية، 1416،1996، ص:262.
(2) ابن منظور، (لسان العرب)، دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة: 1414ه-1994م، مادة (خرب).
(3) الراغب الأصفهاني، (مفردات ألفاظ القرآن)، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم – دمشق، الطبعة الخامسة، 1433-2011، ص:537.
(4) الراغب الأصفهاني، (مفردات ألفاظ القرآن)، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم – دمشق، الطبعة الخامسة، 1433-2011، ص:551.
(5) ابن عاشور الطاهر، (تفسير التحرير والتنوير)، تونس، دار سحنون، دون تاريخ، 5/94.
(6) عبد الرحمن ابن خلدون: (المقدمة)، تحقيق: درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، الطبعة الثانية، 1416،1996، ص:262.
(7) الحسن اليوسي، (رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي)، جمع وتحقيق ودراسة: فاطمة خليل القبلي، دار الثقافة، البيضاء، الطبعة الأولى،1401-1981، ج1، ص: 241.
(8) عبد الرحمن ابن خلدون: (المقدمة)، تحقيق: درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، الطبعة الثانية، 1416،1996، ص:263.