في الصحيحين “من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه”. وفيهما أيضاً “من حديث أبي هريرة أيضاً رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه”.

وللنسائي في رواية: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر”. وقد سبق في قيام ليلة القدر مثل ذلك من رواية عبادة بن الصامت.

والتكفير بصيامه قد ورد مشروطاً بالتحفظ مما ينبغي أن يتحفظ منه. ففي المسند وصحيح ابن حبان “عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان فعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ منه كفر ذلك ما قبله”. والجمهور على أن ذلك إنما يكفر الصغائر. ويدل عليه ما خرجه مسلم “من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر”. وفي تأويله قولان: أحدهما: أن تكفير هذه الأعمال مشروط باجتناب الكبائر فمن لم يجتنب الكبائر لم تكفر له الأعمال كبيرة ولا صغيرة. والثاني: أن المراد أن هذه الفرائض تكفر الصغائر خاصة بكل حال، وسواء اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب. وأنها لا تكفر الكبائر بحال. وقد قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر: إنه يرجى به مغفرة الذنوب كبائرها وصغائرها. وقال غيره مثل ذلك في الصوم أيضاً. والجمهور على: أن الكبائر لا بد لها من توبة نصوح. وهذه المسائل قد ذكرناها مستوفاة في مواضع أخر. فدل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على: أن هذه الأسباب الثلاثة كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب وهي: صيام رمضان، وقيامه، وقيام ليلة القدر.

فقيام ليلة القدر بمجرده يكفر الذنوب لمن وقعت له كما في حديث عبادة بن الصامت وقد سبق ذكره، وسواء كانت أول العشر أو أوسطه أو آخره وسواء شعر بها أو لم يشعر، ولا يتأخر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشهر، وأما صيام رمضان وقيامه فيتوقف التكفير بهما على تمام الشهر، فإذا تم الشهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه فيترتب له على ذلك مغفرة ما تقد من ذنبه بتمام السببين وهما صيامه وقيامه. وقد يقال: إنه يغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلة من رمضان بقيام رمضان، قبل تمام نهارها وتتأخر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصوم فيغفر لهم بالصوم في ليلة الفطر. ويدل على ذلك ما خرجه الإمام أحمد “من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يعطها أمة غيرهم، خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي أن يكفوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة فيه، فقيل له: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله”.

وقد روي: أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفوراً لهم وإن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز، وفيه أحاديث ضعيفة وقال الزهري “إذا كان يوم الفطر خرج الناس إلى الجبار اطلع عليهم قال: عبادي لي صمتم ولي قمتم ارجعوا مغفوراً لكم”. قال مورق العجلي لبعض إخوانه في المصلى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمهاتهم. وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: “من أتى عليه رمضان فصام نهاره، وصلى ورداً من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة وبكر إلى الجمعة فقد صام الشهر، واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب”. قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة، فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم، فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه. كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما المرفوع: “إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس يقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عز وجل لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا أن توفيه أجره فيقول: إني أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، انصرفوا مغفوراً لكم”. خرجه سلمة بن شبيب في كتاب فضائل رمضان وغيره، وفي إسناده مقال. وقد روي من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً بعضه، وقد روي معناه مرفوعاً من وجوه أخر فيها ضعف: من وفى ما عليه من العمل كاملاً وفى له الأجر كاملاً، ومن سلم ما عليه وفراً، تسلم ماله نقداً لا مؤخراً.

ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ** ولا أسلمهـــا إلا يداً بيــد

فإن وفيتم بما قلتم وفيت أنـا ** وإن أبيتم يكون الرهن تحت يدي

ومن نقص من العمل الذي عليه نقص من الأجر بحسب نقصه، فلا يلم إلا نفسه، قال سلمان: الصلاة مكيال فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين، فالصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفف فيها فويل للمطففين، أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته ويطفف في مكيال صيامه وصلاته إلا بعد المدين. في الحديث: “أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته”. إذا كان الويل لمن طفف مكيال الدنيا، فكيف حال من طفف مكيال الدين: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون.

غداً توفى النفوس ما كسبت ** ويحصد الزارعون ما زرعوا

إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم ** وإن أساؤوا فبئس ما صنعــوا

كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين: يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة. روي عن علي رضي الله عنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: إنما يتقبل الله من المتقين. وعن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها لأن الله يقول: إنما يتقبل الله من المتقين. قال ابن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل. وقال عطاء السلمي: الحذر الاتقاء على العمل أن لا يكون لله. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا. قال بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم. خرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته: أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوماً وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم. كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور فيقول: صدقتم ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملاً فلا أدري أيقبله مني أم لا؟ رأى وهب بن الورد قوماً يضحكون في يوم عيد فقال: إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين. وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين. وعن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.

لعلك غضبان وقلبي غافـــل ** سلام على الدارين إن كنت راضيا

روي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه. وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول منا فنهنيه ومن هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول هنيئاً لك، أيها المردود جبر الله مصيبتك.

ليت شعري من فيه يقبل منا ** فيهنـــا يا خيبة المردود

من تولى عنه بغير قبــول ** أرغم الله أنفه بخزي شديـد

ماذا فات من فاته خير رمضان وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان، كم بين من حظه فيه القبول والغفران، ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران، رب قائم حظه من قيامه السهر وصائم حظه من صيامه الجوع والعطش.

ما أصنع هكذا جرى المقدور ** الجبر لغيري وأنا المكسور

أسيـر ذنـب مقيد مهجـور ** هل يمكن أن يغير المقدور

غيره:

سار القوم والشفـــاء يقعدني ** حازوا القرب والجفا يبعدني

حسبي حسبي إلى متى تطردني ** أعداي داني وكلهم يقصـدني

غيره:

أسباب هواك أوهنت أسبــابي ** من بعد جفاك فالضنى أولى بي

ضاقت حيلي وأنت تدري ما بي ** فارحم فالعبد واقف بالبـــاب

شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران فمن أسباب المغفرة فيه صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر فيه كما سبق. ومنها: تفطير الصوام والتخفيف عن المملوك وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع. ومنها: الذكر. وفي حديث مرفوع: “ذاكر الله في رمضان مغفور له”.

ومنها: الاستغفار، والاستغفار طلب المغفرة ودعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع في فضل شهر رمضان ويغفر فيه إلا لمن أبى. قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله. ومنها: استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا، وقد تقدم ذكره. فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان، كان الذي تفوته المغفرة فيه محروماً غاية الحرمان. وفي صحيح ابن حبان “عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: آمين آمين آمين، قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين؟ فقال: إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين. ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين. ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين، فقلت آمين”. وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان أيضاً من وجه آخر “عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: رغم أنفه”، وحسنه الترمذي وقال سعيد عن قتادة: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه. وفي حديث آخر: إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر، من يقبل من رد في ليلة القدر، متى يصلح من لا يصلح في رمضان، حتى يصلح من كان به فيه من داء. الجهالة والغفلة مرضان، كل مالا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع ثم يوقد في النار، من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسارة.

ترحل شهر الصبر والهفاه وانصرما ** واختص بالفوز في الجنات من خدما

وأصبح الغافل المسكين منكســراً ** مثـلي فيا ويحه يا عظم ما حرمــا

من فاته الزرع في وقت البدار فمـا ** تراه يحصد إلا الـــهم والندمــا

“شهر رمضان شهر أوله رحمه، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار”. روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمان الفارسي خرجه ابن خزيمة في صحيحه، وروي عنه أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه خرجه ابن أبي الدنيا وغيره والشهر كله شهر رحمة ومغفرة وعتق، ولهذا في الحديث الصحيح: “إنه تفتح فيه أبواب الرحمة” وفي الترمذي وغيره: “إن لله عتقاء من النار وذلك كل ليلة”، ولكن الأغلب على أوله الرحمة وهي للمحسنين المتقين قال الله تعالى: إن رحمة الله قريب من المحسنين، وقال الله تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون فيفاض على المتقين في أول الشهر خلع الرحمة والرضوان، ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان، وأما أوسط الشهر فالأغلب عليه المغفرة فيغفر فيه للصائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصغائر فلا يمنعهم من المغفرة كما قال الله تعالى: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأما آخر الشهر فيعتق من النار من أوبقته الأوزار واستوجب النار بالذنوب الكبار. وفي “حديث ابن عباس المرفوع: لله في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره”. وخرجه سلمة بن شبيب وغيره. وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيداً لجميع الأمة لأنه تعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار، كما أن يوم النحر هو العيد الكبر لأن قبله يوم عرفة وهو اليوم الذي لا يرى في يوم من الدنيا أكثر عتقاً من النار منه، فمن أعتق من النار في اليومين فله يوم عيد ومن فاته العتق في اليومين فله يوم وعيد.

ليس عيد المحب قصد المصلى ** وانتظار الأمير والسلطان

إنما العيد أن تكون لــدى الله ** كريماً مقرباً في أمــان

ورؤي بعض العارفين ليلة عيد في فلاة يبكي على نفسه وينشد.

بحرمة غربتي كم ذا الصدود ** ألا تعطف على ألا تجــود

سرور العيد قد عم النواحـي ** وحزني في ازدياد لا يبيــد

فإن اقترفت خلال ســـوء ** فعذري في الهوى أن لا أعود

لما كانت المغفرة والعتق كل منهما مرتباً على صيام رمضان وقيامه أمر الله سبحانه وتعالى عند إكمال العدة بتكبيره وشكره فقال: “ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون”، فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام وإعانتهم عليه ومغفرته لهم وعتقهم من النار أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته. وقد فسر ابن مسعود رضي الله عنه تقواه حق تقاته بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فيا أرباب الذنوب العظيمة الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة فما منها عوض ولا لها قيمة، فمن يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة. يا من أعتقه مولاه من النار إياك أن تعود بعد أن صرت حراً إلى رق الأوزار، أيبعدك مولاك من النار وتتقرب منها، وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها.

وإن امرءاً ينجو من النار بعدما ** تزود من أعمالها لسعيـــد

إن كانت الرحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظالم لنفسه غير محجوب عنها.

غيره:

إن كان عفوك لا يرجوه ذو خطأ ** فمن يجود على العاصين بالكرم

غيره:

إن كان لا يرجوك إلا محســن ** فمن الذي يرجو ويدعو المذنب

لم لا يرجى العفو من ربنا وكيف لا يطمع في حلمه. وفي الصحيح: أنه بعبده أرحم من أمه: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا.

فيا أيها العاصي وكلنا ذلك لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك، فأحسن الظن بمولاك وتب إليه فإنه لا يهلك على الله هالك.

إذا أوجعتك الذنوب فداوهــا ** برفع يد بالليل والليل مظـلم

ولا تقنطن من رحمة الله إنما ** قنوطك منها من ذنوبك أعظم

فرحمته للمحسنين كرامــة ** ورحمته للمذنبين تكــــرم

ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النار، وهي متيسرة في هذا الشهر، وكان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار. وفي حديث سلمان الفارسي المرفوع الذي في صحيح ابن خزيمة: “من فطر صائماً كان عتقاً له من النار، ومن خفف فيه عن مملوكه كان له عتقاً من النار”.

وفيه أيضاً: “فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين: ترضون بها ربكم، وخصلتين: لا غناء لكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: شهادة أن لا إله إلا الله والاستغفار، وأما اللتان لا غناء لكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتستعيذون به من النار”، فهذه الخصال الأربعة المذكورة في الحديث كل منها سبب العتق والمغفرة: فأما كلمة التوحيد: فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محواً ولا تبقي ذنباً ولا يسبقها عمل، وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار، ومن أتى بها أربع مرار حين يصبح وحين يمسي أعتقه الله من النار، ومن قالها مخلصاً من قلبه حرمه الله على النار، وأما كلمة الاستغفار: فمن أعظم أسباب المغفرة، فإن الاستغفار دعاء بالمغفرة ودعاء الصائم مستجاب في حال صيامه وعند فطره. وقد سبق حديث أبي هريرة المرفوع: “يغفر فيه ـ يعني شهر رمضان ـ إلا لمن أبى، قالوا: يا أبا هريرة ومن أبى؟ قال: من أبى أن يستغفر الله عز وجل”. قال الحسن: أكثروا من الاستغفار فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة. وقال لقمان لابنه: يا بني عود لسانك الاستغفار فإن لله ساعات لا يرد فيهن سائلاً وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك. وفي بعض الآثار: أن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار. والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فيختم به الصلاة والحج وقيام الليل، ويختم به المجالس فإن كانت ذكراً كان كالطابع عليها، وإن كانت لغواً كان كفارة لها، فكذلك ينبغي أن تختم صيام رمضان بالاستغفار. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر، فإن الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث. ولهذا قال بعض العلماء المتقدمين: إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة. وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه قولوا كما قال أبوكم آدم: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وقولوا كما قال نوح عليه السلام: وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، وقولوا كما قال موسى عليه السلام: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وقولوا كما قال ذو النون عليه السلام: سبحانك إني كنت من الظالمين. ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل. وعن ابن المنكدر معنى ذلك: الصيام جنة من النار ما لم يخرقها، والكلام السيئ يخرق هذه الجنة، والاستغفار يرقع ما تخرق منها. فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعمل صالح له شافع. كم نخرق صيامنا بسهام الكلام ثم نرقعه وقد اتسع الخرق على الراقع، كم نرفو خروقه بمخيط الحسنات ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع. كان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه. إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم، ارحموا من حسناته كلها سيئات وطاعاته كلها غفلات.

أستغفر الله من صيامي ** طول زماني ومن صلاتي

يـوم يرى كله خـروق ** وصلاته أيما صــلاة

مستيقظ في الدجى ولكن ** أحسن من يقظتي سنأتي

وقريب من هذا أمر النبي عليه السلام لعائشة رضي الله عنها في ليلة القدر بسؤال العفو. فإن المؤمن يجتهد في شهر رمضان في صيامه وقيامه فإذا قرب فراغه وصادف ليلة القدر لم يسأل الله تعالى إلا العفو كالمسيء المقصر. كان صلة بن أشيم يحي الليل ثم يقول في دعائه عند السحر: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يجترىء أن يسألك الجنة.

كان مطرف يقول: اللهم ارض عنا فأن لم ترض عنا فاعف عنا. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.

إن كنت لا أصلح للقرب ** فشأنكم عفو عن الذنب

أنفع الاستغفار ما قارنته التوبة وهي حل عقدة الإصرار، فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود فصومه عليه مردود وباب القبول عنه مسدود. قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر بعد رمضان أنه لا يعصي الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان عصى ربه فصيامه عليه مردود. وخرجه مسلمة بن شبيب.

ولولا النهى ثم التقى خشية الردى ** لعاصيت في حب الصبا كل زاجر

صبا ما صبا فيما مضى ثم لا ترى ** له صبوة أخرى الليالي الغوابر

وفي سنن أبي داود وغيره “عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقولن أحدكم: صمت رمضان كله، ولا قمت رمضان كله”، قال أبو بكرة: فلا أدري أكره التزكية أم لا بد من غفلة. أين من كان إذا صام صان الصيام، وإذا قام استقام في القيام. أحسنوا الإسلام ثم ارحلوا بسلام ما بقي إلا من إذا صام افتخر بصيامه وصال، وإذا قام عجب بقيامه وقال: كم بين خلى وشجى وواجد وفاقد وكاتم ومبدي. وأما سؤال الجنة والاستعاذة من النار فمن أهم الدعاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “حولها ندندن”. فالصائم يرجى استجابة دعائه فينبغي أن لا يدعو إلا بأهم الأمور قال أبو مسلم: ما عرضت لي دعوة إلا صرفتها إلى الاستعاذة من النار وقال: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون. في الحديث: “تعرضوا لنفحات رحمة بكم فإن لله نفحات من رحمته”: يصيب به من يشاء من عباده، فمن أصابته سعد سعادة لا يشقى بعدها بداً، فإن أعظم نفحاته مصادفة دعوة الإجابة يسأل العبد فيها الجنة والنجاة من النار فيجاب سؤاله فيفوز بسعادة الأبد، قال الله تعالى: فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وقال: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق إلى قوله: وأما الذين سعدوا ففي الجنة.

ليس السعيد الذي دنياه تسعده ** إن السعيد الذي ينجى من النار

عباد الله إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومن فرط فليختمه بالحسنى والعمل بالختام فاستغنموا منه ما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملاً صالحاً يشهد لكم به عند الملك العلام، وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام.

سلام من الرحمن كل أوان ** على خير شهر قد مضى وزمان

سلام على الصيام فإنـــه ** أمان من الرحمن كل أمــان

لئن فنيت أيامك الغر بغتـة ** فما الحزن من قلبي عليك بفان

لقد ذهبت أيامه وما أطعتم، وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم، وكأنكم بالمشمرين فيه وقد وصلوا وانقطعتم، أترى ما هذا التوبيخ لكم أو ما سمعتم.

ما ضاع من أيامنا هل يعزم ** هيهات والأزمان كيف تقوم

يوم بأرواح تباع وتشتـرى ** وأخوه ليس يسام فيه درهـم

قلوب المتقنين إلى هذا الشهر تحن ومن ألم فراقه تئن.

دهاك الفراق فما تصنـع ** أتصبر للبين أم تجزع

إذا كنت تبكي وهم جيرة ** فكيف تكون إذا ودعوا

أين حرق المجتهدين في نهاره، أين قلق المجتهدين في أسحاره، فكيف حال من خسر في أيامه ولياليه ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه، وقد عظمت فيه مصيبته وجل عزاؤه كم نصح المسكين فما قبل النصح، كم دعي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح، كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد، كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم، وطلب الإستدراك في وقت العدم.

أتترك من تحب وأنت جـار ** وتطلبهم وقد بعد المـــزار

وتبكي بعد نأيهم اشتياقــاً ** وتسأل في المنازل أين ساروا

تركت سؤالهم وهم حضور ** وترجو أن تخبرك الديــار

فنفسك لم ولا تلم المطايـا ** ومت كمداً فليس لك اعتـذار

يا شهر رمضان ترفق دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كلما تخرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق.

عسى وعسى من قبل وقت التفرق ** إلى كل ما ترجو من الخير تلتقى

فيجبر مكسور ويقبل تــــائب ** ويعتق خطاء ويسعد من شــقى