نشرت الجريدة الإلكترونية هسبرس، أمس الخميس 15 يونيو 2017، حوارا مرئيا مع الأستاذ فتح الله أرسلان نائب الأمين العام والناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، تطرق لمجموعة من القضايا تمحورت أساسا حول حراك الريف؛ بدءا بمدى حضور الجماعة فيه، وغيابها عن الصف الأمامي، والمشاركة الكثيفة في المسيرة الوطنية، والتنسيق مع باقي الهيئات، ومرورا برؤية الجماعة لمستقبل هذا الحراك، وما يمكن أن ينتج عنه من اختراق خارجي.. وقضايا أخرى ندعوكم للتعرف عليها من خلال نص الحوار كاملا.

لماذا تأخر موقف الجماعة من حراك الحسيمة؟ هل لأنكم كنتم تخشون تهمة الركوب على هذا الحدث أو اختراقه كما حدث مع احتجاجات الأطباء السنة الماضية والأساتذة المتدربين واحتجاجات طنجة على أمانديس؟ أم هناك أسباب أخرى لهذا التأخر؟

بسم الله الرحمان الرحيم، شكرا أولا على الاستضافة.
أريد أولا الوقوف عند مسألة التأخر، موقفنا لم يتأخر، فمنذ الوهلة الأولى كنا حاضرين في الريف كما نكون حاضرين في كل مناطق المغرب، لسبب بسيط وهو أن أعضاء جماعة العدل والإحسان هم أعضاء في المجتمع؛ يعيشون ما يعيشه المجتمع ويألمون ويتألمون مما يتألم منه، فهم محتاجون كما يحتاج إخواننا هناك في الريف وأخواتنا لمستشفى وجامعة.. فإذن حضورهم كان موجودا، وبالتالي فالجماعة كانت حاضرة منذ بداية هذا الحراك. وأنا أعتقد أن الذي سيعبر عن ذلك ويقوله هم الذين كانوا يقودون هذا الحراك، وهم أعضاء الشعب المغربي الموجودون هناك في الريف، فهم يعرفون إخواننا ويعرفون أخواتنا وهم من يمكن أن يشهد إن كنا غائبين أو حاضرين.
أنا لا أعتقد أننا كنا غائبين؛ إن على المستوى الميداني أو على مستوى إصدار البيانات وكل ما يتطلبه الموقف هناك.
صحيح أننا لا نريد أن نتزعم ولا نريد أن نهيمن كما يقولون ولكننا جزء من الشعب، ويسرنا نحن أن يأخذ الشعب المبادرة، لأن هذا الأمر لا يتعلق بالعدل والإحسان وحدها، هذه مسألة مجتمعية؛ الحقوق مجتمعية، الظلم يمس الجميع، المطالب تمس الجميع، فلمَ تظهر وكأن المسألة صراع بين الدولة وبين العدل والإحسان، هذا غير صحيح كما كان يحاول أن يصور البعض في حركة 20 فبراير وغيرها، ونفس الأمر حاولوا أن يصوروه مع الأطباء ومع أمانديس.. في حين أنه صراع شعبي؛ هناك حقوق مهضومة، هناك مطالب مشروعة.. لذلك فنحن حاضرون هناك منذ البداية.
الآن ما حدث هو أنه بعد هذه المدة الطويلة من المطالبات وبعد أن كان الناس ينتظرون أن يستجاب لمطالبهم وأن يتدارك الموقف، انتقلت الدولة إلى أسلوب آخر لمقاربة هذا الحراك، الشيء الذي استفز كل مناطق المغرب فهب الجميع ليقول أن الشعب كله مع هذه المطالب، لأنها مطالب مشروعة وكل الناس يعانون ما يعانيه إخواننا وأخواتنا في الريف. وبما أننا نحن كذلك جزء من هذا الشعب، وإذا كنا نمثل قاعدة شعبية واسعة فلابد أن يظهر ذلك على مستوى هذه المسيرة.

أفهم من كلامك أستاذ فتح الله أن الجماعة حاضرة في الحراك.

نعم حاضرة منذ اليوم الأول.

علمتنا هذه الحركات الاحتجاجية أن العدل والإحسان في علاقتها مع الدولة، سواء من خلال الحركة الطلابية أو من خلال احتجاجات أخرى، تقدم دائما.. إما بعض السجناء أو مثل ما حدث مع كمال عماري في 20 فبراير والملف لا يزال مفتوحا إلى اليوم، ولكن إلى حد الآن الاعتقالات والمداهمات في الحسيمة بلغت ما يزيد عن 140 فردا ولكن لا أحد من العدل والإحسان موجود.

هذا شيء طبيعي يرجع كما قلت لأننا لا نتصدر هذا الحراك ولسنا نحن من يوجد في الواجهة، والدولة تحاول أن تجمع الوجوه التي تظهر في الواجهة. لكن هل نحن لم نأخذ نصيبنا من قمع الدولة؟ لا، أخذنا نصيبنا وبطرق غير مباشرة؛ فترسيب مجموعة من الأساتذة والإعفاءات من الإدارات.. كلها إنذارات غير مباشرة للجماعة لكي تحجم ولكي لا تنخرط في مثل هذه الاحتجاجات. لكن غياب هذا التعامل المباشر يسرنا، لكي لا تكون هناك ذريعة لوجود صراع ثنائي بين الدولة وبين فصيل من الفصائل الموجودة في الساحة، بمعنى أن ما وقع يؤكد بالفعل بأن هذه انتفاضات شعبية ومطالب شعبية حقيقية انخرط فيها الجميع.

هناك من يذهب إلى أن غياب الإسلاميين بشكل عام والعدل والإحسان على وجه خاص في الحسيمة، بالرغم من أن الأمين العام الأستاذ محمد عبادي هو من الحسيمة، يرجع إلى تمثيلية الإسلاميين القليلة في الحسيمة، وبالتالي فهم لم يظهروا هناك، على خلاف طنجة فإن العدل والإحسان لها قوة هناك، كما في آسفي أو في بعض المدن الأخرى، إذا فهناك من يذهب إلى أن تمثيلية العدل والإحسان هي قليلة جدا في الحسيمة لذلك لم يظهروا كمتزعمين.

للناس أن يقولون ما يريدون، وهذا الادعاء يتطلب إحصاء ويتطلب معطيات علمية كي يتم إثباته أو نفيه، نحن نقول بأننا موجودون بالقدر الذي نعتبره يمثل جماعة العدل والإحسان هناك، هذا ما يقع ونحن نتعامل بكل عفوية مع هذه الحركات الاجتماعية بصفة عامة، كما قلت، من منطلق أننا أولا جزء من هذا الشعب الذي يتحرك، فالجماعة لا يمكنها أن تحجم أيا ما كان عددها. أما تفسيرات الناس، إذا تتبعت ما كان يروج قبل هذه المسيرة من أن العدل والإحسان انتهت ولم يعد لها وجود، وأنها تراجعت.. الآن نسمع سمفونية أخرى هو أن هناك إنزال.. الناس أحرار أن يعبروا كما يشاؤون.

على ذكر المسيرة لاحظ المتتبعون والمواكبون أن مسيرة الأحد كانت كبيرة جدا، ولكن كان هناك هيمنة لجماعة العدل والإحسان بنسبة 80 إلى 90%، والتي قامت بإنزال من جميع المدن المغربية، هل كان هناك تنسيق بين أطياف المجتمع المدني والسياسي أم نزلتم بشكل عادي؟

أولا كانت هناك دعوة للمشاركة في هذه المسيرة من مجموعة من الهيئات السياسية والحقوقية والمدنية، ونحن انخرطنا مع هؤلاء كلهم، وأعلنا أننا سندعم هذه المسيرة وسنشارك فيها منذ اليوم الأول.
لست أدري كيف يجب أن نتعامل، فلو أن حجم المسيرة كان ضعيفا وحاولت الجماعة أن تحجم ولا تشارك بالحجم المعقول لقيل أن هذا يعكس تراجع الجماعة، إذن فهي نفس الأسطوانات التي نسمع دائما. نحن نشارك بالحجم الذي يناسب جماعتنا، ونعتقد أن قضايا اجتماعية مثل هذه القضية، التي تمس كل المغاربة، يتم التجاوب معها بصفة تلقائية من طرف الناس. ما يجب أن يطرح هو أن هذا العدد الهائل للمشاركين في التظاهرة يدل على أن السكين قد وصل العظم، وأن شريحة واسعة من عامة الشعب كلها مسّتها هذه المعاناة، وهذا الظلم وهذه المقاربة غير المعقولة التي استعملتها الدولة مع حراك الريف؛ اعتقالات، واختطافات، ومحاكمات وغيرها.. الشعب غير راض عنها، فإذن الدولة يجب أن تسمع لنبض الشعب وتعترف بأن الشعب لا يوافقها على هاته الخيارات والقناعات والمبررات التي تطرحها.

قصدي من السؤال هو هل كان هناك تنسيق بين الهيئات أم أن الخروج كان عفويا؟

أنا قلت أن هذه هيئات نادت ..

إذن نسقتم بعد الدعوة، بمعنى كان هناك تشكيل للجنة رفع الشعارات واللافتات؟

نعم كانت حاضرة، ليس بنفس الحجم الذي كان في المسيرات الأخرى ولكن كان حاضرا بحد أدنى.

بالنسبة للتعبئة داخل الجماعة هل اقتصرتم على بعض المدن القريبة من الرباط أم كانت التعبئة قطرية؟

المناطق القريبة كانت فيها تعبئة ولكن المناطق البعيدة كان فيها بعض المرونة، لأن الانتقال مكلف وإمكانيات الناس محدودة، ولكن مع ذلك فوجئنا بالاستجابة الواسعة، الناس في مثل هذه المناسبات يريدون أن يضحوا كي يعبروا عن…

جاء الناس من الرشيدية من بركان..

نعم، كانت هناك تمثيلية من كل المناطق.

أطرح سؤالا هنا حول مستقبل هذا الحراك، هل اكتفيتم بهذه المسيرة أم هناك تنسيق مع هذه الهيئات التي ذكرت أستاذ فتح الله من أجل التفكير في تطوير هذا الاحتجاج، ما دام أن الاعتقالات لا تزال في منطقة الريف ولا تزال هناك مداهمات ولا تزال الدولة لم تستجب لمطالب الناس، إلى إجراءات أخرى؟

الأمر غير موكول فقط للعدل والإحسان، الجماعة جزء من الناس، نحن مع المجتمع في خياراته، سنكون بجانبه ومعه وسنكون أول المضحين معه لأن هذا من مبادئنا.
ما هي الخطوات التالية وما الذي سيقع؟ أعتقد أن الحراك لن يتوقف الآن طالما أنه لم تتحقق أي استجابة لهذه المطالب المطروحة والمشروعة، بعد هذه المسيرة أعتقد أن الكرة الآن في يد المسؤولين، ماذا سيختارون؟ هل الاستمرار في نفس المنطق والعقلية وصم الآذان ومحاولة الالتفاف على كل هذه المطالب كأن شيئا لم يقع، وانتهت المسيرة وانتهى الأمر؟ أظن أن الرهان على عامل الزمن جُرب، فالحراك يصل شهره الثامن، راهنت الدولة خلاله على عامل الزمن لإضعافه لكن هذا لم يحدث بل العكس هو الذي وقع، بقعة الزيت ازدادت امتدادا. ولو كانت المطالب التي يرفعها الناس في الريف وفي غير الريف كمالية زائدة كان ممكنا أن يتعب الناس، لكن مطالب الحراك حيوية بالنسبة للناس، عدم الشغل، عدم وجود مستشفى للتداوي، غياب جامعات للتعليم العالي، الأمور الأساسية التي تحقق للمرء إنسانيته غير موجودة، فأين يذهب إذن؟ وإلى متى سيصبر؟ الدولة لم تعط البدائل، إذن فمراهنتها على عامل الزمن أو عامل المحاكمات غير مجدية، بعد كل هذا سيبقى الشعب مفتقرا لكل هذه الخدمات الضرورية: العمل والتطبيب والتمدرس.. أموره الأساسية باعتباره إنسانا، تحقيق الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية غير موجود. هذا ما يصرخ الناس لأجله في الريف وفي غيره.
فإذن إما أن تؤخذ هذه الاحتجاجات بعين الاعتبار وتكون هناك خطوات حقيقية وجريئة أو تبقى العقلية المخزنية قائمة؛ لا يجب أن ينهزم أو أن يتراجع… هذه عقلية أكل عليها الزمان. انهزم وتراجع فعلا إن بقي يخضع لنفس المنطق.
الذي في صالح الدولة والشعب والمجتمع هو أن تنفس الأوضاع، الآن الكل يعيش على أعصابه لماذا؟ لأن الدولة تمسك الموارد. المطلوب أن يأخذ عقلاء البلد الأمر بهذه الروح، كفى من الفساد والاستبداد والريع.
لو رأى الناس أن البلد فقيرة ولا مقومات لها كان بإمكانهم أن يتحملوا ويصبروا، ولكنهم يرون الأموال الطائلة تبذر جزافا رأي العين؛ مهرجانات تصرف عليها الملايير، يرون الريع أمامهم، ولا يمكن أن يتحركوا، إذا لم يقف هذا النزيف فإن المشكل سيتفاقم.
الإنسان الذي يخرج في الاحتجاجات لم يخرج من فراغ، هذا الذي تريد أن تخيفه، لا يمتلك ما يخاف عليه، ما تريد تحذيره منه هو يعيشه أصلا، وتقول له أنك ستدفع البلد للبلاء، الذين يدفعون البلد لهذه الأمور هم من لا يستجيبون لمطالب الشعب، ماذا يريد هؤلاء الناس؟ يعيشون في أقصى ما يمكن أن يتصور في مستويات العيش الموجودة في العالم والناس لا يجدون الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، فإذن إذا لم تعالج هذه المشاكل فلا أظن أن الاحتجاج سيتراجع.

الدولة المغربية على لسان الحكومة تعترف بهذه المطالب، وتقول بأنها مطالب مشروعة، اجتماعية اقتصادية ثقافية مشروعة، ولكن الخوف من دعوات الانفصال، هناك دعوات من الخارج تنادي بانفصال الريف عن المغرب، هذا هو تخوف الدولة حاليا.

هذه دعوات آحاد أفراد، وهي ليست آنية، وهي مطروحة في عدد المناطق سواء الريف أو الجنوب، ولكن أعتقد أنها قليلة وضعيفة جدا، ثم هذه جاءت عرضا، الناس احتجت لأجل مطالب اجتماعية، ركوب بعض الجهات على الحراك جاء عرضا ولا يجب أن يغطي على المشكل الأساس. نحل المشكل الأساس فتزول هذه العوارض.
أعتقد أن دعوات الانفصال هاته ينفخ فيها وتهول، الناس تطلب أمورا عادية وطبيعية تطلبها كل المناطق فلتتم الاستجابة. وتهريب النقاش من المشكل الأساس الذي يعيشه الناس كي يصبح من قبيل هذه الأمور: انفصال، رفع علم غير رسمي، فلان قال كذا.. هذا تهريب للمشكل.
هناك حقائق تعترف بها الدولة نفسها، فإذن عليها أن تخبرنا بما ستنهجه من سياسات، لا تعطي وعودا فالناس أعيتها الوعود التي يسمعونها منذ سنوات وفي كل مناطق المغرب. الآن وقت الأجرأة على الأرض. الناس ترى أن الذين يأتون لمعالجة المشاكل هم أنفسهم متورطون في الريع.. فالدولة ترسل للمفاوضات من  يمتلك الناس أصلا موقفا منه. أعتقد بأنه يلزم مراجعة هذا الأمر.

مقالات كثيرة تكلمت طوال هذا الحراك في الحسيمة على ضعف الوساطة؛ الأحزاب السياسية والنقابات، وظهر خلال المسيرة الأخيرة غياب الكوادر الوطنية من الأحزاب المعروفة، أنتم في جماعة العدل والإحسان إذا ما طلب منكم أن تتوسطوا في الحوار، هل أنتم مستعدون أن تفعلوا؟

أظن أن الترويج لمسألة الوساطة وغيرها هو تهريب للمشكل، هناك قضايا واضحة تتحمل فيها الدولة المسؤولية يجب أن تنجزها.
لماذا هذه الوساطة؟ والتوسط لأجل ماذا؟
اعط للناس إشارات؛ أطلقوا سراح المعتقلين، حققوا أشياء عملية على الأرض، وسيقف كل هذا من تلقاء نفسه، لن يبقى هناك مبرر لخروج الناس.
أما تهريب المشكل؛ البحث في الوساطة ومن يمتلك المصداقية لها وهل يقبل به الناس أم لا.. هو دخول في فدلكة تطيل عمر المشكل.
المطالب واضحة فيجب على الدولة أن تباشر عملها وتعطي الناس إشارات إيجابية (إطلاق سراح المعتقلين ووقف الاعتقالات والمحاكمات) وينتهي المشكل بشكل طبيعي.
ليس هناك تصلب يتطلب دخول وساطات على الخط، إن كان هناك تصلب فهو من طرف الدولة، وعليها أن تتحمل مسؤوليتها وتفعل ما هو مطلوب منها، والذي من المفروض أن تقوم به بديهة وليس تحت طلب المواطنين، هذا واجبها فلتقم به ويحل المشكل.

قصدي من الوساطة هو إن طلبت منكم الدولة الوساطة فهل أنتم مستعدون لها؟

أنا أعتقد أنه مستبعد أن تطلب الدولة منا الوساطة، ولكل حدث حديث.

هذا يعني أنه ليس بينكم وبين الدولة حوار مباشر؟

لا.

أبدا؟

الحوار مع الدولة مقطوع منذ سنوات عديدة، الحوار الموجود هو ما ترون من مزيد من المضايقات والإعفاءات وتشديد الخناق على أعضاء الجماعة، هذا هو أسلوب الحوار الذي تنتهجه الدولة معنا لحد الآن.

الكثير من الناس يعرفون العدل والإحسان كجماعة محظورة أو معارضة ولكن ما هو موقف الجماعة السياسي من النظام أو من الدولة أو من الحكومة أو سمه ما شئت؟

مواقفنا نعلن عنها ولا نخفيها، نعلن عنها كتابة وقولا، نقول أن النظام في المغرب قائم على الاستبداد ونطالب بالديمقراطية والحرية والحقوق، افسح المجال للناس كي يتكلموا، وزّع الأرزاق بالتساوي على الناس.. هذا ما نطلب. نطلب أن تقترن المسؤولية بالمحاسبة، نطلب فصل السلط، نطلب الحقوق والكرامة للناس.. هذا ما تطلبه العدل والإحسان ويُطلب في العالم أجمع.
عندنا مرجعية إسلامية نعتز بها ويعرفنا الشعب كله، ولا يتحفظ أصحاب المرجعيات الأخرى، اليسارية والليبرالية وغيرها من إظهار مرجعياتهم.
مرجعيتنا إسلامية نعم ولكننا مدنيون ونعيش في دولة، وعندما نتكلم على دستور فنحن نريد دستورا غير ممنوح، تضعه هيئة منتخبة، لأن الشعب يجب أن يكون مصدر الدستور لا أن يملى عليه، لأن الذي يملي الدستور يعطي الصلاحيات لنفسه كيفما أراد.. أظن أن هذه أمور يطلبها الجميع ولا يختلف فيها اثنان، ولكل الحق في أن يختلف مع هذا أو مع الآخر شريطة أن لا يكون هناك عنف أو إكراه أو استبداد أو ظلم، ونحن نعيش في وطن واحد.

بمعنى أن موقفكم موقف سياسي صرف؟

موقفنا سياسي، اجتماعي، ثقافي..

بمعنى ليس لديكم موقف شرعي؟

الموقف الشرعي يتماشى مع الموقف السياسي، الشرع يقول بأنه لا يجب أن يكون هناك استبداد أو فساد أو ظلم أو سرقة أموال أو مجموعة من الأمور. وهذه الأمور التي يطلبها الشرع يطلبها العالم، ولا تتعارض مع الإسلام..

بشكل واضح، موقفكم من إمارة المؤمنين؟

هذا موقف فقهي وليس سياسيا، نحن الآن نتكلم في السياسة، أما الموقف من الأمير والشروط التي يجب أن تتوفر فيه فهو موقف يناقش في إطاره الفقهي، حتى قولهم الآن أمير المؤمنين فهم يوسعون مفهوم المؤمنين ليشمل المسلمين واليهود وو.. هذا موقف فقهي.

غير معنية به جماعة العدل والإحسان؟

طبعا معنية به كجزء من الشعب ويجب أن يطرح على الكل.

نترك الإطار الفقهي ونعود إلى الإطار السياسي، المسائل التي ذكرت أستاذ فتح الله يقول بها مجموعة من الأحزاب السياسية بما فيها الممثلة في البرلمان، لماذا جماعة العدل والإحسان لا يكون لديها ذراع سياسي يتكلم عن مطالبها السياسية؟

الذراع السياسي موجود ولكن الاعتراف به تمنعه الدولة، تتكلم وكأننا في السويد ونحن من يأبى، نحن سلكنا جميع السبل، نحن الآن حتى جمعياتنا ممنوعة، وليس فقط جمعياتنا أي جمعية تأسست وكان ضمنها فرد من الجماعة يشترط خروجه وإلا لا يعطاها الترخيص، جرائدنا ممنوعة..
الدولة تتكلم بمغالطات خطيرة، وكأن العدل والإحسان هي المتعنتة، الحزب ليس عطاء من الدولة، الحزب حق يجب أن نأخذه، ولكن في المغرب هل كل من يريد تأسيس حزب تسمح له الدولة؟ هل كل من استكمل أموره القانونية يسمح له بتكوين حزب؟ يسمح فقط لمن يقبل بخطوط حمراء وبأسس اللعبة.. إلا الاستثناء والاستثناء لا يقاس عليه.

نعود لموضوع نقاشنا؛ الحراك. بعد مرور حوالي 6 سنوات على ما يسمى بالربيع العربي ونسخته المغربية 20 فبراير كانت هناك إصلاحات، هل ترى بأن هذه الاحتجاجات الحالية استمرار للاحتجاجات التي بدأت منذ 2011؟ أم كانت هناك إجراءات إصلاحية للنظام السياسي والدولة المغربية ولكن وفق سنن التاريخ المطالب دائما مستجدة وأن هذا الحراك يطالب بمطالب أخرى لم تكن مسطرة منذ 6 سنوات؟

قبل ست سنوات، وعندما أعلنت الدولة على مجموعة من الإجراءات، قلنا ساعتها أن ما وقع هو التواء على المطالب وأنه لا نيات حقيقية في التغيير من خلال ما ظهر لنا من الطريقة التي صيغ بها الدستور.. وقتها ظهر جليا أن ليس هناك جدية في التعاطي مع الأمر وقلناه حينئذ، ولكن وجهت لنا اتهامات بأننا عدميون ولا نرى الإيجابيات، وتكلم الناس عن دستور متقدم جدا على المستوى العالمي. ومن يعود لمكتوباتنا وتصريحاتنا يتأكد له هذا.
وقاطعنا الاستفتاء على الدستور لأنه ظهر لنا أن ليس هذا ما سيحل المشاكل الحقيقية التي يعيشها المغرب ولكن سيؤجل الأزمة إلى زمن معين، الآن يظهر صدق ما قلناه في وقته، بانت عورات الدستور الكثيرة، ظهر أن السلط بقيت كلها مجموعة في يد واحدة، بمعنى أن الأسباب التي تغير لأجلها الدستور لم تتغير، وظهر بالفعل أن الدولة فوق القانون، وأن التعليمات هي التي تتحكم فيما يحدث، والدليل ما وقع في البلوكاج الحكومي وغيره.. إذن فالمسألة لا تتعلق بالدستور أو القانون، إنما تتعلق بمنطق معين وعقلية معينة سائدة ولا تزال.
من بعد حراك 20 فبراير حاولت الدولة فعل شيء، ولكن كان المقصود التغطية، ودهنت جرحا تجب معالجته وهو جرح الفساد والاستبداد، إذن فالمرهم كان مسكنا لزمن ريثما تسترجع الدولة قوتها، وبالفعل عدنا بعدها لسنوات الرصاص، وعدنا للاختطافات والتعليمات والهيمنة.
وكنا نقول ولا نزال بأن ما حدث في 20 فبراير كان موجة من الموجات مما يحدث في العالم أجمع، تأتي موجه تتبعها موجات أخرى، ولكن الناس لم يكونوا يروا النار الموجودة تحت الرماد، كانوا يتصورون أن المسألة انتهت، في حين ظهر أن ما نقول ليس مزايدات ولكنها وقائع وحقائق ظهرت معطياتها.
الدولة الآن مدعوة لإيجاد حلول جذرية لمشاكل هذا الشعب، نحن في القرن 21 لننظر أمامنا، لينظروا إلى مصالحهم الحقيقية، التي تمكن لهم الاستمرار والقوة، البلد يتوفر على خيرات وكفاءات، لديه كل ما يحتاجه.
الكل مقموع إلا من قبل أن يُشترى أو أن يمشي في نفس الطريق، لا يمكن الاستمرار هكذا خصوصا مع هذا الجيل الجديد، هذا الجيل لا يملك ما يخاف عليه، لم يهيأ له لا تعليم ولا تطبيب ولا عمل ويرى نفسه أين يعيش، لا يملك ما يخاف عليه، لا يمكن أن تسكته بالضرب والسجن، أقصى ما يمكن أن تهدده به هو الموت وهو يقدم على حرق نفسه بنفسه، يغامر بنفسه في البحر وما لديه كي ينجح إلا نسبة 1 % ومع ذلك يفعل، فهل هذا يمكن أن تهدده بالحبس أو الضرب أو غيره، الإنسان عندما تحاصره من جميع الجهات يهجم عليك، اترك له متنفسا يتحرك فيه.
مع الأسف، أظن أن هذه من أبجديات الأمور الواضحة، نحن الآن أمام هذا الموقف؛ إما أن نجد حلولا في مستوى ما وقع وما يعانيه الناس، الذي تكلم والذي يتكلم والذي سيتكلم، معالجة جذرية وحقيقية تنفس الوضع، أو يستمر الأمر على ما هو عليه وتأتي حلول ترقيعية ليست في مستوى ما يقع وتهدأ الأمور ثم ننتظر انفجارا آخر، ولا ندري حينها حجمه ولا من يقوم به.. نسأل الله تعالى أن يحفظنا ويحفظ بلادنا ويحفظ هذه الأمة مما يكيد الخصوم الحقيقيون لهذا الشعب.

من هم الخصوم الحقيقيون؟

هم هؤلاء الذين يمسكون زمام الأمور ولا يريدون أن يشركوا الناس، يبددون رزق الشعب، الشعب يرى مؤسسات اقتصادية تدر أموالا خيالية ولا يظهر عائد ذلك على الوطن، يهرب ويذهب.. هؤلاء عن وعي أو عن غير وعي فإنهم يؤججون هذه الانتفاضة.
نفّسوا على الناس، اعطوهم بعض الراحة، بعض الأمل، هل نحن في زمن لا يزال الناس لا يقدرون فيه على التطبيب والتعليم.. عار.

هذه الهبات التي تتكلمون عنها أستاذ فتح الله هي غالبا تكون عفوية، وعندما تكون كذلك وتكبر يسهل اختراقها، والاختراق يمكن أن يكون من أعداء خارج الوطن، الجماعة في أدبياتها تتكلم بكثرة عن تهممها باستقرار البلد، وتتكلم على اللاءات الثلاث؛ لا للعنف لا للتعامل مع الخارج لا للسرية، ما هو دور الجماعة في مراحل هذه الموجات في الحفاظ على الاستقرار، والحؤول دون اختراقات أجنبية لهذه الهبات، لكي تبقى ذات بعد وطني؟

أظن أننا يجب أن نتوجه للمشكل الأساس، نضع حلولا للمشكل قبل أن تقع هذه الانتفاضات أصلا، وقبل أن يفتح الباب للاختراق. لماذا نعطي الفرصة للاختراق أو الركوب على المطالب. عندنا مشاكل نحلها ولن يحتج أحد ولن يجد الفرصة للاختراق أحد. لماذا نبقي الحال على ما هو عليه حتى تقع الانتفاضات ثم نرى من سيخترق؟
أظن أن الأمر مقلوب، حُلوا مشاكل الناس ولن يخترقنا أحد ولن يحسدنا أحد، يتكلمون عن الحسد وكأننا نملك وسط هذا الكوكب شيئا خارقا، نحن مثل باقي الشعوب، عندنا خيراتنا وكفاءاتنا ورجالنا ونساؤنا وعلماؤنا ومفكرونا فمن الممكن أن نعيش دون الوصول إلى هذه الحالة من الاحتجاجات.
نحن في الجماعة أعلنا لاءاتنا الثلاث منذ البدء لإحساسنا بهذا الأمر وهذا ظهر أكله، فالحمد لله لما نرى هذه المسيرات السلمية وهذا المستوى الراقي للشعب في تظاهره نحمد الله، ليس منة، على مساهمتنا الكبيرة في هذا الأمر.

ستبدأ إن شاء الله العشر الأواخر من رمضان وستدخلون في اعتكافات، فهل ننتظر حرب الكر والفر للدولة مع الجماعة، أم أنكم ستكتفون بالاعتكاف في البيوت؟

جميل أن تطرح هذا السؤال على الدولة إن رأيت ناسها.
هل هذا الاعتكاف حق للمواطنين باعتبارهم مسلمين؟
هل التدين في هذا البلد حق من الحقوق المنصوص عليها أم أن الدين أخذ مقاسا كما أراده المسؤولون؟
هذا الأمر يرفضه الناس ويمجونه، وما وقع في الحسيمة في المسجد برهان على أن الناس ترفض تحنيط الدين بهذه الطريقة، يجب على المسؤولين تحمل مسؤوليتهم.