سبق لموقع الجماعة.نت أن أجرى حوارا حيا مع الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، حول فضل العشر الأواخر والاعتكاف فيها، تعميما للفائدة نعيد نشر مقتطفات من كلامه النفيس.


  • إن فضل العشر الأواخر من رمضان تستمده من وجود ليلة القدر فيها، وليلة القدر تستمد فضلها من نزول الوحي فيها، وبما أن الوحي كلام الله عز وجل فقد تشرف به رمضان وتشرف به رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشرفت به أمته عليه الصلاة والسلام.

إذن في هذه العشر الأواخر التقت السماء بالأرض في أول يوم نزل فيه الوحي، ولا زالت تتصل كل سنة بالأرض حيث إن ملائكة السماء تتنزل في ليلة القدر وعلى رأسها سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام فتصافح المؤمنين وهذه المصافحة تجعل المؤمنين يستمدون من الملائكة نورانيتهم، يكفي شرفا لهذه الأيام وجود ليلة القدر، والقدر هو الشرف، التي هي سلام إلى مطلع الفجر، فهي جاءت بالسلام لمن خضع لأمر الله وأطاع وهي خير من ألف شهر وألف شهر بضع وثمانون سنة، عمر الإنسان، إذن فهذه العشر الأواخر لا يمكن لنا تعداد فضائلها. نسأل الله تعالى عز وجل أن يوفقنا لإحيائها والاعتكاف فيها.

 

  • هذا البرنامج خطه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلوكه وتعامله مع هذه العشر المباركة، إذ نقرأ في السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر أحيى ليله وأيقظ أهله وشد مئزره وجد واجتهد. أحيى ليله تعبير دقيق يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزرع الحياة في الليل، هناك من يميت الليل وهناك من يحيي الليل، أيقظ أهله لأن المسلم لا ينبغي أن يكون أنانيا فيحتكر الخير لنفسه إذن لابد لنا جميعا من أن نجعل أولادنا وأهالينا وأقاربنا يشاركوننا في هذه الغنيمة، شد مئزره إما كناية عن ابتعاده عن النساء طيلة العشر الأواخر أو كناية عن الحزم والجد والاجتهاد وهذا ما تفسره نص الكلمة الأخيرة جد واجتهد. إذن إذا كان قد قضى العشرين الفائتة من رمضان في ذكر وقراءة للقرآن وقيام فعليه في هذا العشر أن يضاعف جهده قدر المستطاع تسننا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لأن العبرة بالخواتيم وأفضل الأعمال خواتيمها، وليس لدي برنامج أقترحه لأن كل واحد له ظروفه الخاصة، وأفضل برنامج هو الاعتكاف طيلة هذه المدة.

 

  • آداب الاعتكاف نأخذها من مدلول الكلمة فالعكوف لغة هو اللزوم وهذا يعني أن يظل القلب عاكفا على ربه يعيش حالة تضرع ورغبة ورهبة وحياء وشوق إلى لقائه فلا يلتفت إلى ما سواه، واللسان يستغرق طيلة الاعتكاف في الذكر والقرآن والدعاء والتسبيح والتهليل… والجوارح تكون دائما على طهارة، الوجه مستقبل القبلة والركبتان منثنية ليرسم الإنسان بهيأته ما يعيشه من حالة تذلل في قلبه، ولتحقيق هذه الآداب لابد من إزالة كل المشوشات فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب خيمة داخل المسجد حتى لا يرى شيئا يشغله عن ربه.

 

  • السنة في الاعتكاف أن يكون في المسجد في رمضان وفي غير رمضان، اشترط المالكية الصيام، وأن تكون المدة يوم وليلة على الأقل، غير أن المذاهب الأخرى يجيزون الاعتكاف ولو لبضع ساعات، وبما أن المساجد عندنا مغلقة في وجوه المعتكفين فينبغي أن نحول بيوتنا إلى بيوت لله يؤمها الناس للاعتكاف والتعلم والعبادة ريثما تتحرر المساجد إن شاء الله. إذ الغاية من الاعتكاف هي أن يحصل انجماع القلب على الله ففي أي مكان ووضع وحال تحقق هذا المراد فقد تحقق الاعتكاف. وما يفعله بعض المؤمنين من الاجتماع في البيوت للرباط والاعتكاف أمر محمود مأجورون عليه إن شاء الله، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نصلي النوافل في بيوتنا وألا نجعلها مقابر، كما أوصانا صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كل مسلم جناحا في منزله مسجدا يعامل معاملة المسجد تطهيرا وتبصيرا، وقد جعل الله تعالى لنا الأرض كلها مسجدا وطهورا، المساجد التي أمرنا أن نقيم فيها شعائر ديننا هي بيوت لله فإذا تحولت إلى مراكز تابعة لوزارة الداخلية والأوقاف بحيث لا يمارس فيها إلا ما يلائم سياسة الدولة وإيديولوجيتها فقد فقدت وظيفتها وينبغي البحث عن البديل وهي دور المؤمنين بالطبع.

 

  • أفضال الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان كثيرة جدا منها: إحياء السنة وليس هناك عمل يفوق تطبيق السنة في الفضل. ومنها الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى عز وجل وتحقيق الانجماع القلبي عليه، وهذا لا يتم في غير الاعتكاف لأن الحواس الخمس تلتقط صور الكائنات وتلقي بها في القلب فتشغله عن وظيفته وهي ذكر الله. ومنها التخلص من وساوس النفس والشيطان والهوى لأن مداومة الذكر تطهر القلب من هذه الوساوس. ومنها حماية الجوارح كلها من الوقوع في الإثم طيلة مدة الاعتكاف، فاللسان لا ينطق إلا بالذكر والعين لا تنظر إلا في المصحف أو في وجوه المؤمنين، والنظر في وجوه المؤمنين عبادة، والأذن لا تسمع إلا ما يرضي الله عز وجل. ومن فوائد الاعتكاف تطهير النفس وتزكيتها والتمرن على فضائل الأعمال، فإذا خرج الإنسان من الاعتكاف وجد نفسه قد تدرب على القيام والصيام والنوافل وقراءة القرآن، ويكفي للمعتكف فخرا وشرفا أن يكون جليسا لله وملائكته.