يبدو أن الدولة المخزنية بدأت تفقد صوابها أمام المد الاحتجاجي المتصاعد يوما بعد يوم، مطالبا بشكل سلمي بحقوقه المشروعة وذات الأولوية والمتمثلة في العيش بحرية وكرامة مع توفر العدالة الاجتماعية، وأن يستشعر إنسانيته في يومياته أينما حل وارتحل في هذه البلاد الكريمة.

فمن خلال الخطة القمعية التي تنهجها الدولة لمواجهة حراك الريف والاحتجاجات المتضامنة معه والرافعة للمطالب نفسها، يتبين أنها تعود لنهج سنوات الرصاص، عبر إخراس الأصوات المحتجة قسرا، وترهيب المتظاهرين والداعمين لهم بمختلف الوسائل، من خلال الاعتقالات (الاختطافات) التي تستهدف شباب الريف ومختلف نشطائه الذين يحركون عجلة الاحتجاجات، عبر الصدح بالصوت أو نقل الحدث (إعلاميا) بالصورة والصوت.  

زمن الرعب الذي قالت الدولة تمويها أنها تصالحت معه وأنصفت ضحاياه لنسج غطاء حقوقي على مقاسها، ينكشف اليوم، بعد لغة التنكيل التي تواجه بها احتجاجات سلمية ومطالب شرعية، وصور ضحايا العنف المنشورة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وأرقام المختطفين/المعتقلين المتزايدة للمحتجين تؤكد لغة سنوات الرصاص ذاتها، والتدخل الهمجي في حق المحتجين أمس الخميس بالحسيمة وطنجة، ومدن أخرى من قبل، يظهر بالملموس فقدان الدولة لصوابها في مواجهتها للمظاهرات.

بالأمس كان المغربي، الذي يعبر عن رأيه المخالف لسياسة الدولة أو يطالب بحقه، إنسان مارق في عين الدولة، معارض  يهدد استقرارها، فيكون مصيره غياهب السجون، لا يعرف له مكان ولا يحدد له زمان، فيجعله المخزن عبرة لكل من تسول له كرامته نهج طريقه.

إن المخزن وإن كان يمارس كل أوراقه لكتم صوت الاحتجاجات، عبر العياشة والبلطجية والاعلام التضليلي ولغة التهديد والترهيب والعنف وغيرها من الخطط، فإنه لا يعي بأن ذلك لا يزيد الاحتجاجات إلا توهجا وصمودا خاصة كونها سلمية ومشروعة، وبأن خطة الأمس لا تنفع اليوم، حتى وإن بذل مجهودا في التخطيط لنسف هذا الحراك وغيره، فلن يوقفه غير خطة الاستماع لمطالبه والاستجابة لها..