شرع الله الصوم في الإسلام تربية وتزكية وتطهيرا للمسلم، ليأخذ من بدنه نصيبا يبذله في سبيل الله، يدل على بذلٍ من النفس إعدادا له ليبذل نفسه كلها عندما تكتمل فيه شروط البذل كاملة، فإن الله قد اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم، هذا البذل الجزئي مقدمة للبذل الكلي للنفس. وهو مقدمة لبناء أمة قوية في دينها وفكرها واقتصادها ودعوتها، في أفق تحرير الإنسانية جمعاء من أنانيتها وجشعها وتسلطها، ومن ثم تحرير المستضعفين في الأرض من فقرهم وخوفهم وقهرهم. فالصوم محطة مهمة في مدرسة التغيير الفردي والجماعي.

وللصوم معان كثيرة تنتظم في سلك واحد يربي الناس على الجهاد ويؤدي إليه، يمكن أن نلخص بعضها فيما يسمح به فضاء هذه المقالة.

1- الصبر

قال صلى الله عليه وسلم: “سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض. والطهور نصف الإيمان والصوم نصف الصبر” 1 .

يعلم الصوم العبد المستجيب لنداء ربه الصبر في كل تجلياته الظاهرة والباطنة. فيكون صبره على الجوع والعطش سبيلا لصبره على ما هو أشق من صبر على الأذى والخصام والصبر على الملمات والبلايا، والصبر على خواطر النفس وشهواتها، والصبر على الأقدار والفرح بها، والصبر على المدافعة ومواجهة الأعداء والخطوب المتصلة بها، فيما يمكن الله به للأمة ويعيد لها قوتها وعزتها وخلافتها، أي الصبر على البناء العام والشامل الممكن للأمة لأن القرآن والسنة يدلاّنِنا قبل كل شيء على الصبر الطويل لبناء الأمة، لإعادة بنائها على المنهاج النبوي وإقامة الخلافة الموعودة” 2 .

لكن الملاحظ أن الصبر أبعد ما يكون عن بعض الناس في يوم صومهم ونهاره، فتضيق نفوسهم وتقسو، وتتنافر أرواحهم، بما يخالف الغاية من الصوم ويعارض المغزى منه، فتبرز النزاعات، ويقل التسامح والعفو، ويكثر اللجاج والنزاع، وقد تؤدي بهم بعض الأحداث إلى ما لا يرضاه الله ورسوله، وهذا واقع لا ينكره إلا غافل. فهؤلاء ليس لهم من صومهم إلا الجوع والعطش 3 ، دون تحصيل للمعاني الحقيقية للصوم.

2- التقلل

التقلل سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: “اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا” 4 والقوت ما يكفي دون زيادة.

ويقابل التقلل الترف، وهو غير القلة، إذ القلة فقدٌ يلهي عن الله. القلة فقر هو أخو الكفر. وقد تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القلة فقال: “اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلَّة والذلَّة. وأعوذ بك من أن أظلم أو أُظلم.” 5 .

لكن التقلل إمساك على زمام النفس لكيلا تجتلبها المغريات… وتضييق إرادي عليها في الكماليات لا في الضروريات، ليوفر العبد من ماله ومن نفقته، ما به يصل الرحم ويحمل الكَلَّ ويعين على نوائب الحق ويصطنع عند الله عوائدَ البِر.” 6 فهذا هو التقلل الباني المساهم في العدل والعطاء والبر والمواساة إذ هو: إيثار للمحتاج بالفضل مما عندك، فإن لم يكن لك فضل فاعمل واتعب واكسب لتعود ببرك وإيثارك على من لا قدرة له على الكسب. حبُّ المساكين كان دعوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حب لا معنى له إن كان حبا عذريّا، لا معنى له إلا بالبذل من الفضل، لا معنى له إلا بالبر والمواساة.” 7 وهو اقتصاد قوله تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً 8 . ونظام قوله تعالى: كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ 9 .

لكن ولسوء الفهم فقد حول بعض الناس صوم شهرهم الكريم إلى موائد للتباهي بالأطعمة والأشربة، والتفاخر بالمظاهر الخادعة، فيحصل لهم من الشبع وزيادة الوزن في رمضان، ما لا يحصل لهم في غيره من الشهور، فينتفي مدلول الصوم ويضيع بذلك معنى هام من معانيه، وهو التقلل في شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار.

وهذا الأصل وهو التقلل الذي يرمز إليه الصوم في معناه القريب، يرتبط بالفرد والجماعة في الأهداف البعيدة لأنه إذا كان تهذيب النفس وترويضها على الزهد في الدنيا أصلا من أصول التربية الإيمانية الإحسانية وشرطا من شروطها في خاصة الفرد المؤمن الذي نفض يده من كل شيء ليتفرغ لطلب الله في رفقة محدودة بعيدا عن المجتمع، فإن مشروطيَّتها آكدُ، وتحقيقها أبعد منالا، في حق المؤمنين العاملين جماعة، القائمين جماعة، لإحقاق الحق وإظهار دين الله. إن لم يُبطل القائمون الباطل في نفوسهم فلن يستطيعوا إبطاله في غيرهم. وإنَّ بناء النفس وتحصين النفس وتزكية النفس بإخراج حب الدنيا جملة وتفصيلا من القلب لهو البناء. وما يزكيها إلا الله، وما يُفلح في استئصال الجرثومة الذئبية إلا من ذكر الله” 10 .

3- الكرم

الكرم مظهر من مظاهر البذل وهو سمة تميز الصادقين من عباد الله، فقد كان إبراهيم عليه السلام أول من ضيف الأضياف وأكرمهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كريما جوادا، عن ابنِ عباسٍ قَالَ‏:‏ “كَانَ رَسولُ الله صَلى اللَّه عَلَيه وَسلم أجود الناس وَكان أجود ما يكون في رمضانَ حِين يَلقَاهُ جِبرِيلُ، وكان يلْقَاه في كل ليلَة من رمضان فيدارسه القران، فلرسول الله صلى الله عَلَيه وسلم أجود بِالْخير من الريح الْمُرسلة” 11 . ‏ وعند أحمد في زيادة “‏لا يسأل شيئا إلا أعطاه”.

والكريم هو الذي ينفق من خصاص وقلة، لا الذي ينفق من وفرة وغنى، يقول تعالى: ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة 12 . وعن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال يا أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر. شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة. وشهر يزاد فيه الرزق. ومن فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا يا رسول الله ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار حتى يدخل الجنة. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما، فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار” 13 .

4- التحصين

يحصّن الصوم المسلم ويساعده على التعفف، ويربّيه على الحياء والابتعاد عن الحرام، في بطنه وفرجه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءَة فليتزوج، فإنه أغض للبصـر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاءٌ” 14 . فهو يحصن بصره لأنه مقدمة للزنا ويحصن فرجه لأنه شر بلاء ومجلبة للوباء. والتحصين بالزواج مقرون بالقدرة على النفقة، وإلا فالصومُ حَصانة بديلة كافّة عن الهيجان الغريزي” 15 .

يحصّن فيه عينيه من أن تقع على حرام، بنظرة هي سهم مسموم من سهام إبليس 16 ، ولئن كان غض البصر مأمورا به في كل أحوال المؤمن، لقوله تعالى: قل للمومنين يغضوا من أبصارهم 17 ، فإنه في رمضان أوجب لما له من صلة بترقّي العبد في مدارج الإيمان والإحسان، ولعلها تربية تدوم لما بعد رمضان وتستمر، ويرجى نفعها لما بعده.

ويحصّن الصوم لسانَ المسلم عن الخوض في أعراض الناس، وعن شهادة الزور والجدال بغير حق، عن أبي هريرة: “من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه” 18 . وقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يَصْخَب، فإن سابَّه أحد أو قاتله أحد فَلْيَقُلْ إني صائم” 19 .

وإذ يحفظ الصوم نفس الإنسان من الوقوع في الحرام، فهو يحفظ بذلك الجماعة المسلمة من التلوث به، وما يترتب عن ذلك من ضياع الأنساب واختلاطها بفشو الزنا، ومن نزول غضب الله الذي أوعد الواقعين فيه من العقاب الشديد في الدنيا والآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتُليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المُؤْنة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زَكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَروا. ولم يَنْقُضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم” 20 .

وخلاصة القول إن مكانة العبد ترتفع بالصوم، وتسمو نفسه عند ربه لما يستحضره من معان جليلة تجعله يقبل على الله بجوارحه وبواطنه، فيتطلع أن يكون صومه مقبولا، وقدره عند الله مرفوعا، ومن الفائزين الفرحين بالعتق من النار. ولئن اختلفت مراتب الصائمين، فصوم العامة غير صوم الخاصة، وصوم الخاصة غير صوم أهل الزلفى، فإن المؤمن يسعى إلى أن يكون بصومه المتجرد لله تعالى خاصة في شهر رمضان من المقربين، وبذلك يكون للصوم زيادة على أثره التربوي فضل في رفع الروحانية وتصفيتها، فهو إمساك الجسم والنفس عن مبتغاهما. وتزكية نية القربة إلى الله، فتكتسب الروحانية شفافية. إن هذه النفوس أقرب ما تكون للالتئام والتحاب والتعاون إن تهذبت من كدورات الشهوات، وسمت عن الماديات” 21 .


[1] رواه الإمام أحمد والبيهقي وصححه السيوطي.\
[2] ياسين عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص: 614.\
[3] حديث “رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش.” الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني.\
[4] أخرجه الشيخان عن أبي هريرة.\
[5] رواه أبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة بإسناد حسن.\
[6] ياسين عبد السلام، الإحسان ج1، ص: 482- 483.\
[7] الإحسان ج1، ص: 483.\
[8] سورة الإسراء: 29.\
[9] سورة الأعراف، الآية: 29.\
[10] الإحسان ج1، ص: 435.\
[11] رواه البخاري في صحيحه.\
[12] سورة الحشر: 9.\
[13] أخرجه ابن خزيمة في صحيحه واللفظ له والأصبهاني في الترغيب.\
[14] رواه الشيخـان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا.\
[15] ياسين عبد السلام، العدل، ص: 299.\
[16] عن عبد الله بن مسعود، قَال: قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إِيمانا يجد حلاوته في قَلبِه”.\
[17] سورة المومنون: 30.\
[18] رواه البخاري وأصحاب السنن.\
[19] حديث متفق عليه.\
[20] رواه الحاكم بسند صحيح وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما.\
[21] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 303.\