يعتبر التعليم مؤشرا على التقدم في الدول التي تسعى إلى تنمية ذاتها وترنو إلى نجاح يطال مختلف قطاعاتها ومؤسساتها، وهذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان، لكن، في بلادنا تنعكس المفاهيم وتغيب هذه المؤشرات، لأن التعليم يتعرض لحملات متتالية من الإهانات، تنتقص من قيمته، وتهوي به إلى درك الانحطاط، في وقت يعز فيه، ويقدر حق قدره في بلدان فقيرة وغنية، استوعبت أهميته، وعلمت فضائله، فأعطته الأولوية، وأنزلته خير منزلة بين باقي المجالات.

دولة تحارب بالتعليم وتضطهد رسله

الأستاذ المرسب محمد قنجاع في مشهد مؤلم بعد تعنيفه من قبل قوات  الأمن

لا نحتاج أن نذكر بالنهضة اليابانية، والقومة الاقتصادية الألمانية، والهبة اللافتة التركية، بفضل العناية الكبيرة بالتعليم، الذي أقام لها هذه القائمة، وأنجب لها الكوادر والعلماء، وأنتج لها البحوث العلمية، وصارت قوية بعد ضعف، عزيزة غير ذليلة بين الأمم.

إن المذلة التي نعيشها اليوم، هي نتاج سياسة مقصودة تستهدف قيم المغاربة ومستقبلهم، سياسة دولة تحتكر خيرات البلاد وتبث الشرور بين العباد، نكشف مستورها تقارير محلية ودولية، تفضح النوايا السيئة للقائمين على شؤون البلاد، وواقعا تعليميا بئيسا، يئس منه الصغير قبل الكبير، وصار مصدرا للقفشات بدل أن يكون مصدرا للاعتزاز والمفخرة.

كان تعاطي الدولة مع قضية الأساتذة المتدربين المرسبين الذين مارسوا مختلف أنواع النضال لنيل حقهم المشروع في التوظيف الذي التزمت بتنفيذه الدولة بعد إقدامها على ترسيبهم تعسفيا وبشكل غير مفهوم،  كان إعلانا عن كفر الدولة بالتعليم، بعدما نقضت العهد، وتفننت في إذلال واضطهاد من كادوا أن يكونوا رسلا.

في زيارة قام بها موقع الجماعة لمعتصم الأساتذة، وقفنا عند كوادر علمية شبه محطمة، شباب اكتست محياه كل معاني الغبن والأسى من دولة أهانت كرامتهم، وأذلت ما أعزه الله فيهم، وهو رسالة العلم، ووظيفة تعليم أبناء الأمة.

لكن وبالرغم من خيانة الدولة للعهد الذي وقعته معهم في 21 أبريل، وإمعانها في تجاهل مطلبهم، واستمرارها في التفاعل السلبي مع حقهم عبر تعنيفهم جسديا ومعنويا، لم ينل ذلك من عزائمهم في التشبث بحقهم المشروع، والنضال من أجله حتى نيله.

المعركة مستمرة

في هذه الزيارة التقينا مجموعة من الأساتذة المرسبين واستقينا أرائهم حول الوضع وأفاقه، يقول عبد الغني خالدي أستاذ متدرب مرسب في تصريح لموقع الجماعة.نت “ما نؤكد عليه هو أننا ما زلنا مستمرين في معركتنا، وما زلنا صامدين.. لن نتنازل عن حقوقنا وسنستمر في النضال والصمود إلى تحقيق المطالب”.

ودعا خالدي في تصريحه مختلف الأساتذة إلى “مزيد من الصمود لأننا أصحاب حق مشروع، مطالبنا عادلة ومشروعة، وبالتالي سنستمر في النضال حتى تحقيقها، وقوتنا في صمودنا وطول نفسنا، ونعد أن تكون برامج نضالية تصعيدية في المستقبل القريب”.

فيما وقف الأستاذ المتدرب المرسب عبد الرزاق بومهدي عند نفسية الأساتذة المرسبين المحطمة، ذلك أنه “بعد كفاءتهم التي شهد بها المفتشون والأساتذة والمباراة والامتحان الكتابي الذي أجروه ثم يجدون أنفسهم مرسبين…“، ولفت بومهدي إلى أن الأساتذة “يعيشون وضعية مالية صعبة ومشاكل عائلية جمة، ذلك أن منهم من له أولاد في سن المراهقة يحتاجون إلى الرعاية ويأتي هنا للمعتصم”.

وأضاف المتحدث في تصريحه لموقع الجماعة.نت “رغم صعوبة هذه الأوضاع فليس لهؤلاء الأساتذة المرسبين إلا طريق واحد وهو النضال من أجل حقوقنا وكرامتنا، والمحافظة على الأمل في نيلها، رغم الإحباط بسبب سياسة الآذان الصماء التي يتعامل بها المسؤولون مع احتجاجاتنا التي نعتبرها احتجاجات من أجل قضية مشروعة “.

ثم ختم قائلا “ما يميز معتصمنا هو أننا نعيش جميعا نفس الهم ونتقاسم نفس المشاكل ويحس بعضنا بمعاناة البعض، ونسطر برامجنا النضالية مجتمعين، ونتواصل مع السياسيين والحقوقيين حتى لا تقبر قضيتنا التي لا يمكن أن تربح إلا بالنضال، في انتظار أن تفتح الحكومة الجديدة التي نحملها هي الأخرى المسؤولية باب الحوار في هذا الملف العالق الذي ليس في صالح أحد أن يظل بدون حل”.

“سنحقق مطالبنا، ونعود إلى أقسامنا”

انتقلنا إلى الأستاذة المرسبة حفيظة كرم وجه نسائي من الوجوه المناضلة بصيغة المؤنث في صفوف الأساتذة، نساء أبنّ عن صمود قوي وعزيمة صلبة رغم ما يحملنه مسؤوليات أسرية، تاركات أزواجهن وأبناءهن، في سبيل قضيتهن.

في تصريحها لموقع الجماعة.نت لفتت كرم في البداية إلى الكيفية التي يتم بها اتخاذ القرارات في هذه المعركة: “نحن لا نتخذ أي خطوة إلا بعد نقاش مستفيض، بحيث ندرس ما لنا وما علينا، ماذا ستحقق هذه الخطوة؟ ما هي الآليات التي يجب أن نتخذها لكي تنجح هذه الخطوة النضالية؟ بل أبسط المسائل التي قد تبدو للعامة بسيطة جدا إلا أنها تأخذ منا نقاشا ووقتا، نتشاور مع بعضنا، نعد العدة كي تنجح جميع خطواتنا. كي تكون بالفعل صورة الأستاذ المتدرب صورة لامعة، تعطي للتعليم تلك النظرة الأصلية، فإن أردت أن تخوض معركة نضالية يجب أن تدرس جميع الخطوات بحيثياتها وتفاصيلها، نجتمع جميعا في المقر لدراستها من حيث الزمن والمكان واللوجستيك والشعارات والإعلام.. وغيرها حتى نصل بمعركتنا للريادة”.

وتابعت حفيظة متحدثة عن معنويات الأساتذة قائلة “رغم كل الإكراهات التي شابت معركتا ورغم الوقت الذي استنزف منا الجهد والمال والوقت والنفسية إلا أننا نلاحظ أن هذا لا يزيدنا إلا تشبثا بمعركتنا وبمبادئنا، نحن مستمرون وعلى العهد باقون”، مستطردة: “نفسية الأساتذة والأستاذات تزيدنا إيمانا بقضيتنا وبعدالتها، وما النصر إلا صبر ساعة، حتى وإن تكالبت علينا القوى، حتى وإن اتخذت الدولة آذانا صماء تجاه قضيتنا، فنحن سنظل متشبثين بحقنا شخصيا، كتُلَّة من الأستاذات -نحن- تركنا خلفنا آباءنا وأمهاتنا، تركنا أزواجنا وأبناءنا، لا لشيء إلا لإيماننا بعدالة قضيتنا”.

وختمت الأستاذة المرسبة بلغة قوية وهمة عالية، ويقين في النصر “سنستمر، سنسجل للتاريخ أننا وإن كنا إناثا فنحن رجال، أسود في المعركة وفي الساحة وفي الميدان. سنحقق مطالبنا، ونعود إلى أقسامنا. سندرس أبناء الطبقة الكادحة؛ الطبقة الشعبية، كما اتخذنا شعارا من البداية « المدرسة العمومية»”، مردفة “لدينا إيمان واع بأن المدرسة العمومية والتعليم هو الذي سيصنع حضارة الأمة جمعاء، حضارة أمتنا تنطلق من التعليم، ونحن رجال سنعيد للتعليم رايته، سنعيد للأمة عزتها، حتى وإن بقي فينا عرق واحد ينبض فلن نضيع الحق أبدا ما دمنا على قيد الحياة”.

 من يثق في بلاد تنقض العهد وتحتقر العلم

بعد هذه الورطة التي وقعت فيها الدولة المغربية، بحساباتها الضيقة، وسياستها الاستبدادية، وتضييقها على الرأي المخالف، وترهيبها الصوت المعارض، من يثق فيها؟ ومن يثق في شعارات التنمية ومشاريعها التي تخفي غابة من الفساد.