3)     سياسة الترهيب ومحاولات الالتفاف:

لا تخرج أساليب تعاطي الدولة المغربية عبر تاريخها في التعاطي مع مختلف الحركات الاحتجاجية عن مقاربتين:

·     المقاربة الأولى: وهي مقاربة تنهجها كل الأنظمة الدكتاتورية وإن اختلفت شعاراتها ومسمياتها، قائمة على القمع والاعتقال وتلفيق التهم، إذ “ينشغل المستبد بإقامة العوائق الجزئية أكثر من انشغاله بحرية رعاياه” 1. لذلك بدل التفاعل مع تلك المطالب والاستجابة لها، حشدت الدولة المغربية جحافل من قوى الأمن والدرك الحربي، وأقامت مستشفى عسكريا على مداخل مدينة الحسيمة، كما لو أنها أعلنت الحرب على عدو خارجي. لم يقتصر فعلها على ذلك، بل وظفت أحزاب الأغلبية للإدلاء بتصريحات تشيطن وتخون جزء من أبناء الشعب المغربي، وهي نفس التهمة التي يواجه بها أي مستبد خصومه. قال أليكسيس دو توكفيل:  “فما أيسر على المستبد أن يغفر لرعاياه عدم حبهم له إياه، ما داموا لا يحبون بعضهم بعضا؛ فهو لا يسألهم أن يعاونوه على النهوض بأعباء الدولة (…..)، وإنه ليدمغ الدين يجمعون صفوفهم جهودهم ليتعاونوا على إسعاد البلاد، بأنهم متمردون، دعاة الاضطراب والفرقة، فنراه يحور معاني الألفاظ عن مواضعها فيمدح من لا يكترثون لأحد سوى أنفسهم فسميهم بالمواطنين الصالحين” 2، فالوطنية حسب معايير النظام المغربي هي عدم الالتفات للشأن العام، والخضوع المطلق لإرادة الحاكم. وهذا ما جسده تصريح أحزاب الأغلبية بعد اجتماعها بوزير الداخلية باتهامها للاحتجاجات بالنزعة الانفصالية وتلقي دعم من الخارج. إن اتهام الحراك بالعمالة والنزعة الانفصالية أسطوانة مشروخة، حيث أصبحت هذه التهمة ترفع في وجه كل من طالب بحقه في العيش الكريم، وتحقيق الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، وهذا ما فندته تصريحات الشباب الريفي وعبروا عنه في مسيرة الخميس 18/05/2017، رافضين تلك التهم ومطالبين بمحاكمة رئيس الحكومة الذي دعا في تصريحات سابقة مسجلة على موقع youtube إلى منح منطقة الريف حكما ذاتيا. وهي التهمة التي نفتها وسائل الإعلام الرسمية نفسها، حيث أدرجت القناة الأولى المغربية مسيرة الخميس 18/05/2017 ضمن نشرتها الإخبارية المسائية، معتبرة تلك المسيرة بأنها سلمية ومنظمة تنظيما محكما. وهذا يجعلنا نطرح عدة تساؤلات. هل حديث الإعلام الرسمي عن حراك الريف يمكن اعتباره نقطة انعطاف في التعاطي مع مطالب الحراك؟ أم أن الدولة دفعت أحزاب الأغلبية لتلك التصريحات من أجل ضرب مصداقيتها وإحراجها أمام منتخبيها وقواعدها؟ وهل يمكن اعتبار إصرار أبناء الريف على المشاركة بكثافة رغم الحصار والترهيب التي مارسته أجهزة الدولة قلب المعادلة ودفع الدولة إلى التراجع عن الخيار الأمني مرحليا؟

طالع أيضا  لجنة تقصي الحقائق حول أوضاع الحسيمة تقدم تقريرا يفضح انتهاكات الدولة في حق حراك الريف

·     المقاربة الثانية: يتميز النظام المغربي بخبرة طويلة في التعامل مع الأزمات والاحتجاجات، مما جعله أكثر ذكاءً من غيره في التعامل معها، والانحناء للعاصفة حتى تضع الرياح أوزارها، مستعملا أسلوب الترغيب بدل الترهيب من أجل احتواء تلك الاحتجاجات عن طريق سلسلة من اللقاءات والمفاوضات التي تستهدف الحد من فاعلية الحراك، وفقدانه لعناصر القوة تدريجيا، وانتهاج سياسية التسويف والتماطل، نظرا لكون جل الحركات الاحتجاجية تفقد قوتها وزخمها عندما تطول مدة الحراك. إضافة إلى زعزعة الثقة بين مكونات الحراك وقياداته، ونشر الإشاعات وتشويه الحراك عبر الصحافة المأجورة. لكن هذه المرة وقع العكس فقد أدى تماطل الدولة في تلبية مطالب الحراك إلى تمدده وانتقاله إلى مدن جديدة، مطالبة بالتوزيع العادل للثروة وتحقيق الكرامة والحرية. رافضة كل أشكال التهميش والإقصاء والفساد المستشري في كل مفاصل الدولة، ناهيك عن التراجعات التي عرفها المغرب على المستوى الحقوقي، ممثلة في التضييق على حرية الصحافة، والاعتقالات في صفوف نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وإعفاءات لموظفين في قطاعات عمومية من وظائفهم دون سند قانوني، بسبب انتماءاتهم السياسية، دون احترام للمساطر القانونية المنظمة للوظيفة العمومية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

خلاصة:

فوتت الأنظمة العربية على نفسها فرصة الإصلاح والتغيير مرات عدة، ولا تزال لم تدرك أن قضية التغيير مسألة وقت فقط، كلما تم تأجيلها ستكون التكلفة باهظة الثمن، كما قال عالم المستقبليات المهدي المنجرة رحمه الله. ويشكل الاستبداد أهم عقبة أمام التغيير والتنمية في البلدان المتخلفة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، “لأن العائق الأسوأ بالنسبة للحرية، وبالنسبة للتحديث أيضا هو الاستبداد السياسي، سواء كان من نمط إطلاقي تقليدي، أو من نمط كلياني أو من نمط سلطوي فقط” 3.  والخيار الذي أمام الشعوب، هو كسر حاجز الخوف، والمقاومة السلمية عبر الشارع لكل أشكال الهيمنة والتسلط، لأن الحقوق تنتزع ولا تعطى، والسبيل إلى النصر هو الاعتماد على النفس وتقوية حركات النضال في ربوع الوطن، وهذا ما دعا إليه تشارلز ستيوارت بارنل خلال إضراب في ايرلندا عن دفع الأجور عام 1879 وعام 1880: “لا يفيد الاعتماد على الحكومة… عليكم الاعتماد فقط على عزيمتكم… ساعدوا أنفسكم خلال وقوفكم معا… امنحوا ضعفاءكم القوة… وتوحدوا ونظموا صفوفكم… لكي تنتصروا” 4. فقوة الشارع هي القادرة على تحقيق المطالب إن استمرت وتماسكت مكوناتها وتضامنت فيما بينها.

طالع أيضا  "إضراب عام ناجح" بتماسينت والساكنة تخرج في مسيرتين احتجاجيتين

[1] جون إهزنبرغ: المجتمع المدني التاريخ النقدي للفكرة، ص 283.
[2] دو توكفيل: الديمقراطية في أمريكا، ص 476.
[3] آلان تورين: نقد الحداثة، إفريقيا الشرق، 2010. ترجمة عبد السلام الطويل، ص 328.
[4] Patrick Sarsfield O’Hegarty, A History of Irland Under the Union, 1880-1922(London : Methuen, 1952), pp. 490-491.