بسم الله الرحمان الرحيم.
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا 1.

أما بعد فقد ظلم القوم ولم يقسموا بالسوية، ولم يعدلوا في القضية، وداسوا على الكرامة والحرية، واستأثروا بالإمارة والتجارة فتنازعنا فرددنا الأمر إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم..

قلنا إنه عهد من حديد.. وقالوا إنه عهد جديد فرددنا الأمر إلى الله فوجدناه جل وعلا يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى  طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ.

فاكتشفنا أن الأمر اليوم كالأمس.. بل ازداد سوءا.. فلا حق لليتيم والأرملة، ولا حض على طعام المساكين والفقراء والمستضعفين في بلادنا سواء كانوا في الجبال أو الهضاب أو السهول أو القرى أو المدن.. حتى في الدار البيضاء والرباط حيث تجاور عشرات الكهوف والأكواخ وعلب الضحى عشرات القصور.. فارتفع اللبس..

وتنازعنا فقلنا إن الموازين مرفوعة من بلادنا.. فأين ميزان العدل؟ وأين ميزان القيم والأخلاق؟ وأين ميزان الكرامة؟ فقالوا بل موازين منصوبة في كل ركن من أركان العاصمة تبث البهجة ويشع منها كل فن وطني وعالمي! فقلنا إن الصدقة في المقربين أولى فكيف تبذر الملايير والتخلف ضارب أطنابه مع المعاناة في كل ركن من أركان الوطن..! وقلنا إن الفن جزء من حضارة الأمة يعبر عن نبضها ويلطف  أذواقها.. لكن لا للفن المخذر كما.. لا للرياضة المخذرة.. كما لا للدين المخذر..!! فرددنا الأمر لله فوجدنا قوله في القرآن الكريم فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ 2، وقوله تبارك وتعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ 3.

فوجدنا أن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرما، وتوعد الظالمين بالموازين القسط يوم القيامة، وأمر بالعدل المطلق بين الناس، عكس الجور الفظيع في بلادنا حيث لا حق لملايين المغاربة المحرومين من خيرات بلادهم، وأن هذه الخيرات بين منهوب ومهرب ومبذر ومكدس في البنوك الأجنبية..!

وسألنا أين الثروة!؟ فصاحوا  أيضا أين الثروة؟ فتنازعنا.. فرددنا الأمر هذه المرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدناه يقول، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قام فينا النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فذكَرَ الغُلول (السرقة من المال العام ..)، فعظَّمه وعظَّمَ أمرَه، قال: ((لا ألفِيَنَّ أحدَكم يومَ القيامة على رَقبته شاة لها ثُغاء (صوت الشاة)، على رَقبته فرس له حَمْحَمة (صوت الفرس)، يقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملِك لك شيئًا؛ قد أبْلَغْتُك، وعلى رَقَبته بعيرٌ له رُغاء، يقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملِك لك شيئًا؛ قد أبلغتُك، وعلى رَقَبته صامت (الصامت الذهب والفضة والدولار والدرهم..!!!)، فيقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملِك لك شيئًا؛ قد أبلغتُك، أو على رَقَبته رِقَاعٌ تَخْفِق (الثوب والقماش..)، فيقول: يا رسول الله، أغِثْني، فأقول: لا أملِك لك شيئًا؛ قد أبلغتُك” 4.

فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبرأ ممن يغصب ثروات الأمة، ضيعات بأنعامها ومعادن بذهبها وفضتها وعملتها الصعبة، وثيابا وسندسا واستبرقا وحريرا، وغالبية من الأمة عارية بدون تعليم وتطبيب وغذاء وشغل ولباس أو فراش تأوي إليه صيفا وشتاء.. فأين تذهبون..!؟

تنازعنا فقلنا اتركوا الخطباء في المساجد يؤدون رسالتهم أحرارا في غير تحيز سياسي للسلطة أو لغيرها، معبرين عن وحدة الأمة وعن نبضها الروحي الحي… فقالوا لابد من تحنيط الخطب وتعليبها وترويض الخطباء حتى يقنعوا “العامة” بالنعم المخزنية.. فتنازعنا.. ورددنا الأمر لله ورسوله إذ قال الله تعالى: وأن المساجد لله فلا  تدعوا مع الله أحدا.. فتقرر ما كان مقررا أن سعي المخزن تجاه المساجد  في تباب.. وتأكد هذا التباب عندما انبعث أشقاها فألف خطبة فتنة أججت حراك الريف ونقلته لكل ربوع الوطن..!

تنازعنا.. فقلنا الحكم حرية اختيار وديمقراطية وشورى ومؤسسات… وليس تسلط فرد أو حفنة مترفين..!! فسبقونا هذه المرة وقالوا نرد الأمر لله ورسوله، قالوا نقرأ في كتاب ربنا  لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد.. قلنا ويحكم هذا الله تعالى يحكي عن فرعون الذي انتهى به هذا القول إلى أن أغرق نفسه وآل فرعون وهامان وزمرة شيعتهم ومترفيهم في اليم إلى غير رجعة! فاكتشفنا أن القوم سكارى وما هم بسكارى ولكن الموازين مقلوبة في القلوب والعقول والوجدان من عهد رسالة الإسلام والطوفان!! فهل يا ترى يستيقظ يوما  الوسنان ويستدرك الأمر قبل فوات الأوان..!؟


[1] (59) سورة النساء.
[2] (85)  الأعراف.
[3] (47) الأنبياء.
[4] رواه الشيخان.