ها قد أظلنا شهر مبارك عظيم، شهر الفيوضات والنفحات والتجليات، وكأني به سيدنا يوسف عليه السلام وقد أحاط به إخوته الشهور الأحد عشر، بجماله وطهره وملائكيته التي شهدت بها نسوة المدينة وتمنت الأمة أن تكون السنة كلها رمضان. لكن تلك الشهور الأخر تآمرت عليه وتربصت، بظلم الناس أنفسهم فيهن، فأجمعت أمرها على أن تلقي يوسفنا في غيابات جب الغفلة وظلمات النفس والهوى والشيطان، وهو ببراءته وسماحته يناديها أن لا تتريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”.

يكرمنا المولى عز وجل بأن ندخل غمار هذه المدرسة اليوسفية لنتعلم الصبر والتقى، الصبر على الطاعات والقربات، والصبر عن الشهوات وعلى الجوع والعطش وعن فتن محيطة كقطع الليل المظلم تلقي بسهامها علينا عودا عودا، فتدمى منا القلوب. وإعلام العهر قد أجلب علينا بخيله ورجله وتهيأ وتزين أن هلموا وهيت لكم.

فلنكن يوسفيين ولنقل معاذ الله إنه ربي الكريم أحسن مثواي أن بلغني شهر الصيام، فحاشا أن أقابل إحسانه كفرانا، وعطاءه نكرانا، ولنقل: رب السجن أحب إلينا مما يدعوننا إليه، فيا رب إلا تصرف عنا كيد الخائنين نصبو إليهم فنكون من الجاهلين.

فلندخل سجن يوسف ونحن قريرو العين بعاقبة الحسنى بشرت بها تلك الرؤيا بسجود إخوته له، ولندخل معنا السجن فتيين، أولهما القرآن وثانيهما القيام، ولنتبتل بهما في محراب التضرع والخشوع. ولنجعل أيام صومنا أياما عجافا تأكل تلك السمان، سمنت بطول تهافتنا على الشهوات والملذات وبطول إعراض عن رب ودود رحيم، يدعونا من قريب: إنني أنا المجيب. فبعد طول صيام وذكر وتبتل وسؤال، يأتي الجواب “ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان”.

إذن فليدع داع وليسأل الرب المجيب أن تذبل في قلبه تلك السنبلات اليابسات وتزهر مكانهن تلك السنبلات الخضر، فيصبح القرآن العظيم ربيع الصدر، وشفاء الهم والغم، فتتحول محنة السجن إلى منحة، وذلكم الهم والغم انفساحا في الصدر وانشراحا، فينطلق لسان الافتقار بالطلب معترفا بالتقصير والنكوص والارتكاس، شاكيا إلى رب كريم أن قد مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة، بضاعة كاسدة من ذكر الغافلين وتلاوة المضيعين وصيام الجائعين وقيام الكسالى المتثاقلين. فيا رب أوف لنا الكيل وتصدق علينا، إنما الصدقات للفقراء.

أفبعد هذا الفضل والعطاء تأتي أمارتي بالسوء فتسول لي أمرا، أن بع شهرك، بع يوسفك بثمن بخس دراهم معدودة من الزلات والغفلات والمسلسلات وتضييع للأوقات وكن فيه من الزاهدين؟ هل أبرئها وهي التي طالما أوردتني المهالك ولا ترضى مني إلا السفاسف والمساوئ؟ أم أقول لها الآن حصحص الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، أخ كريم وابن أخ كريم جاء ليطهرنا، فمرحبا به من مطهر؟

فاللهم تداركنا بكريم عفوك وجميل إحسانك ووفقنا في شهرك العظيم إلى الغنيمة من جزيل نفحاتك والسلامة من جميع مخالفاتك، فإنك نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة لنا إلا بك، والحمد لله رب العالمين.