مقدمة

ها نحن نستقبل شهر رمضان، شهرا ليس كباقي الشهور، شهر النور والبركات، شهر الرحمة والإحسان، شهرا أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. شهر اختصه الله تبارك وتعالى بنزول الذكر الحكيم والقرآن العظيم في ليلة عظيمة ألا وهي ليلة القدر التي يعادل العمل الصالح فيها ألف شهر. قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر 1 .

شهر القرآن

لقد ربط الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بين صوم رمضان والقرآن الكريم فقال سبحانه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ 2 . وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ك“ان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة”.

قال الإمام ابن رجب في لطائف المعارف: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له… وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان). وفي حديث فاطمة رضي الله عنها “عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضه في عام وفاته مرتين” 3 .

وكان للسلف رحمهم الله اهتمام خاص بالقرآن في هذا الشهر الكريم، فكانوا يخصصون جزءاً كبيراً من أوقاتهم لقراءته، وربما تركوا مدارسة العلم من أجل أن يتفرغوا له، فكان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعضهم يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، وكانوا يقرأون القرآن في الصلاة وفي غيرها، فكان للإمام الشافعي في رمضان ستون ختمة يقرأها في غير الصلاة، وكان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان يترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويُقْبِل على قراءة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

كل هذا الجهد والاجتهاد من أجل تلاوة القرآن، تعطير ليالي شهر القرآن بآيات القرآن، والتقرب من الله بكلامه سبحانه وتعالى، فاللهم عظم رغبتنا في القرآن الكريم واجعلنا ممن يقرأونه آناء الليل وأطراف النهار.

هجر القرآن

كثير من الناس هجر القرآن وبعد عنه، فجف نبع الخير الذي كان يرتوي منه قلبه، وترك نفسه لماديات الحياة، يتقلب بين براثنها القاتلة، فتلقي به يوما على جنب وآخر على وجهه، يكاد لا يفيق من غيبوبته التي يتناقص معها عمره كل يوم وكل ساعة.

كثير من الناس اكتفى بسماع بعض آياته أثناء سفره وأثناء بداية يومه، والبعض اكتفى بسماع آياته أثناء مروره بالطريق أو وجوده في موقف عابر! آخرون صاروا لا يستمعون إليه إلا في الجنائز والمآتم وساعات المصاب! حتى عندما يعودون إلى بيوتهم لا يكلفون أنفسهم عناء نفض التراب الذي تراكم على المصاحف الكريمة المرصوصة على الرفوف!

قال سبحانه: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا 4 ، وقال سبحانه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ 5 .

فيا حسرة من هجره وأعرض عنه! يقول الإمام المرشد عبد السلام ياسين في كتاب تنوير المؤمنات: جدب أنى له أن يصبح القرآن ربيع قلبه وانطفاء ما له من نور إن وضع المصحف على الرف).

مصالحة مع القرآن

إننا في حاجة ماسة إلى المصالحة مع كتاب الله سبحانه، نستغفر الله سبحانه فيها عن تقصيرنا تجاه القرآن العظيم، ونندم ونتوب من هجره، ونؤوب ونعود إليه، نقرأه فلا نفتر عنه، ونتدبره فلا نغفل عن معانيه، ونطبقه فلا ننكص عن تطبيق أمره ونهيه، نعود إلى نوره العميم، ونحيى بمنهاجه القويم. ولكي نتصالح مع كلام ربنا الكريم لا بد من:

– الإكثار من التلاوة وتكرار الختمات، بحيث نتمكن من ختم القرآن مرات عديدة ننال خيراتها وننعم ببركاتها، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ 6 .

أخرج الترمذي عن نصر بن علي وقال: حديث غريب، “أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل: “أي العمل أحب إلى الله؟ قال: “الحال المرتحل”، قيل: وما الحال المرتحل؟ قال: “الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل””.

– التأمل والتدبر من خلال ختمة طويلة المدى نأخذ منها في اليوم صفحة أو نحوها مع مراجعة تفسيرها وتأمل معانيها، والتبصر في دلالاتها واستخراج أوامرها ونواهيها ثم العزم على تطبيق ذلك ومحاسبة النفس عليه، ولا مانع أن تطول مدة هذه الختمة إلى سنة أو نحوها. قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ 7 .

– الحفظ والمراجعة، فلنجعل لأنفسنا مقدارا يوميا من الحفظ ومثله من المراجعة، وإن كنا قد حفظنا ونسينا فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ واسترجاع ما ذهب.

روى الإمام أحمد والترمذي والدارمي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب” 8 .

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في المنهاج النبوي ص 158: ويعقد (أي: المؤمن) مع الله تعالى عَقدا أن يحفظ القرآن كله قبل موته، ويستعين على ذلك، ويبذل كل الجهد. فإنه إن مات دون غايته وقد بذل الجهد، يبعثه الله إن شاء الله على نيته يوم يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق، يوم التغابن والحسرة إذ يقرأ المجاهدون فيرقون أمام أعين من فاتهم الحفظ).

ولنعلم أن لهذه المصالحة واجبات وحقوقا منها:

1- الإخلاص لله تعالى عند تلاوته، فلا نقرأه رِياءً ولا سُمعةً ولا عُجْبا.

2- الوفاء والإحسان، ومن الإحسان لهذا الصاحب أن لا ننساه ولا نهجره.

قال صلى الله عليه وسلم: “فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ أَحَدِكُمْ مِنْ الإِبِلِ مِنْ عُقلِهَا” 9 .

3- التأدب بآداب تلاوة القرآن: من طهارة واستقبال القبلة وستر العورة والسواك وطهارة المكان والاستعاذة والتدبر والخشوع، وغيرها من الآداب الجمة كرفعه عن كل مهان وغيره مما يليق بقدسية كتاب الله عز وجل.

4- العمل بما فيه، والوقوف على حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، جعلنا الله من القائمين على حدوده قبل حروفه.

5- أن نحسن تلاوته وتجويده.

وختاما فلنرِ اللهَ من أنفسنا في هذا الشهر المبارك صحبة لكتابه، تلاوةً وتدبُّرًا وعملًا وهدايةً، يقول عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ 10 .

فاللهم اجعلنا من السابقين بالخيرات، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، واجعله ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء همومنا، وذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا، واجعله حجة لنا لا علينا.


[1] القدر: 3.\
[2] البقرة: 184.\
[3] رواه البخاري ومسلم.\
[4] الفرقان: 30.\
[5] الأعراف: 169.\
[6] فاطر: 29.\
[7] سورة ص: 29.\
[8] رواه الترمذي.\
[9] رواه البخاري.\
[10] فاطر: 32.\