يعيش المغاربة في الآونة الأخيرة على إيقاع ساخن جراء الاحتجاجات التي تعرفها عدة مدن وأرياف ينتمون إلى حيثيات اجتماعية مختلفة، رافضين سياسات التهميش والتفقير التي تنهجها الدولة في حقهم، ومطالبين إياها باحترام الحقوق والحريات الأساسية والعيش الكريم وضمان الكرامة الإنسانية التي ينشدها كل إنسان حر.

هكذا خرج أهل الريف قاطبة في حراك شعبي سلمي دام إلى حد الآن أكثر من سبعة أشهر، مطالبين بتنمية اقتصادية واجتماعية للمنطقة وبفك عزلة التهميش والتمييز عنها ورفع حالة التطويق الأمني والعسكرة التي خنقت جل مدن وقرى الريف.

لكن، للأسف، لم تعتمد الدولة مقاربة الإنجاز والاستجابة للمطالب الاجتماعية، حتى يتم تجاوز الوضع المتوتر؛ بل اختارت، كعادتها، المقاربة الأمنية لعلاج تلك الأزمات التي تعيشها المنطقة لأجيال عديدة منذ عهد الراحل الحسن الثاني إلى غاية الآن.

إن مرد الاحتقان الاجتماعي والسياسي والأمني الذي تعيشه المنطقة وباقي ربوع الوطن تتحمل فيه الدولة المسؤولة الكاملة، نتيجة نهجها للسياسة القمعية في التعاطي مع حراك شعبي سلمي وحضاري مؤطر بمطالب اقتصادية واجتماعية وحقوقية عادلة ومشروعة.

كما عمدت إلى شيطنته وتخوين نشطائه، موظفة في ذلك المساجد والأحزاب الموالية وعلماء البلاط و”العياشة” والمنابر الإعلامية الرسمية والجمعيات التي تقتات من هبات الدولة، خاتمة المشهد إلى حد الآن باعتقال العشرات منهم ومتابعتهم بجنح وجنايات خطيرة بغية كبح الحراك ونزع فتيله في أفق إقباره.

يا سادة، إن الوضع في المغرب أصبح لا يحتمل، فأينما ولّيت وجهك تجد غلاء للأسعار وتمييعا للمشهد السياسي، وخنقا للحريات واعتقالات بالجملة وقمعا للاحتجاجات السلمية وترسيبا للأساتذة الأكفاء، وتشميعا للبيوت مع طرد أصحابها منها، وإعفاء خيرة الأطر من مهام ومسؤوليات بالوظيفة العمومية بدون موجب حق ولا قانون، خارقين بذلك العهود والمواثيق الدولية وروح الدستور والقوانين المنظمة للوظيفة العمومية.

طالع أيضا  ساكنة تاهلة بإقليم تازة تخوض احتجاجات ضد التهميش.. السلطات تتحرش والمسؤولون لا يبالون

هذا الواقع الكئيب، الذي لا يرتفع، أكدته جل التقارير الحقوقية الوطنية والدولية؛ نذكر منها تقرير الخارجية الأمريكية لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 4 مارس 2017 الذي أشار إلى وجود تضييق على الحريات المدنية، واستخدام قوات الأمن للقوة بشكل مبالغ فيه، وبطء محاكمات المتورطين في قضايا فساد، واستمرار التضييق على الجمعيات وعدم استقلال القضاء وخرق حرية التعبير والصحافة.

ولعل أبرز تجل لهذا الوضع الحقوقي والأمني والقضائي والسياسي المتردي هو إفلات العديد من المسؤولين من العقاب والمساءلة في ملفات شهداء الحراك المغربي، على طول الست سنوات الأخيرة، بحيث إن كل ملفاتهم حفظت إلى حين العثور على الفاعل أو أغلقت بشكل نهائي؛ وهو ما يكرس مسألة الإفلات من العقاب ويصعب من نجاح تجربة العدالة الانتقالية.

يا عقلاء، سارعوا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؛ فالوضع أصبح مثل صندوق كبريت بين كفي عفريت قد يشتعل لا قدر الله في أي لحظة، وحينها يصعب التحكم في نيرانه، فيأتي على الأخضر واليابس، نسأل الله تعالى اللطف والسلامة لوطننا الحبيب.