عجبت لوزير  الأوقاف الذي خانه التوفيق، ودفعه  إلى أن يجعل من دين المغاربة “تعليمات وزارية” هي أشبه بـ”المذكرات التنظيمية” منها بالتحليلات العلمية ذات المرجعية الشرعية التي تروم تحقيق “الأمن الروحي” و”الطمأنينة في أداء العبادات” وما يضج به قاموسه منذ صار وزيرا للأوقاف.

تعليمات أرادت أن تجعل من المسجد ملحقة إدارية بالوزارة، هي أشبه بـ”الطقوس الكنسية” منها ببيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.

ففي الوقت الذي  ينبغي أن يحتفى بأمثال هؤلاء ويحتفل بعقبهم، وترجى دعوتهم، يتم منع خطبائهم الأحرار المحبوبين لدى السكان المغاربة المالكيين الوسطيين، ويفتن الناس بالإنزالات الأمنية وطرد خطيبهم الذي هو منهم وهم منه، وعاشوا معه رحمة وتآلفا ومودة، وأخوة في الله.

ألم يكن الناس في تمام الانسجام مع خطيبهم في أولاد الشيخ، وفي فاس وفي …. أم هم رعية أشبه بالغنم منهم بالمومنين الذين هم أهل للتكليف والاختيار،  من أيقظ الفتنة فيهم؟

هل الأسر سليلة العلم والعلماء، ذات التاريخ الطويل في تعلم وتعليم الدين على المذهب المالكي، ولقد زرت الشيخ الصديقي وهو على فراش الموت رحمه الله تعالى، وهو قد علم القرآن للآلاف من شباب الإمام مالك رحمه الله تعالى، وأخبرني أنه آخر “سلطان الطلبة” بالمنطقة، وأخبرني أحد أبنائه أنه كان يقوم الليل بخمسة أحزاب وهو ابن التسعين. هل هذا فتان!؟

من أيقظ الفتنة؟

من أدخل الشرطة بأحذيتها إلى المسجد لتطرد المعتكفين من بيوت الله في شهر رمضان المبارك بالضرب والركل والشتم…؟ أين يوجد هذا في المذهب المالكي؟ أين يوجد في فقه أهل السنة والجماعة وعقيدتهم السمحة؟

من أيقظ الفتنة؟

من يغلق بيوت الله إثر كل صلاة الإمام مالك أم المالكية أم من!!؟؟

وفي الدرس “الجلل” الذي افتتح به سلسلة الدروس الحسنية 1438. جمع ما شذ وندر من الأفكار، وصاغها في شكل تعليمات ميزت الفقه المالكي عن غيره، وجعلها خصيصة للمغاربة عن باقي مسلمي العالم، كأنهم أقلية ذات طقوس خاصة بها.

نعم تنظيم العبادات وفق اتفاق بين العلماء والمعنيين في احترام تام للمواطنين المسلمين الأحرار البالغين المميزين أمر جيد، أما جعلهم قاصرين وأمرهم بالسكوت فليس من التنظيم الإيجابي في شيء،  وحين تضج حنجرة الخطيب باتهام الحاضرين أمامه بأنهم فتانون وتابعون للفتانين، أليس ذاك تطرفا ومغالاة، تنتهك بها حرمة بيوت الله؟

لو أن “الوزير” لا “الفقيه” حدثنا عما بذله المالكية في التلطف بالناس ودعوتهم لحسن الخلق، ونشر الحياء في الناس، وتعميم العفة بدل الإعلام المائع الذي تعصف أمواجه بالشباب الذي يتحمل هو ومن معه في الحكومة والحكم أمانة تربيته وتعليمه، آه لو كان مالك حيا لدافع عن فقهه… من أيقظ فيه فتنة الفحش والعلاقات اللاأخلاقية… هل فعل ذلك مالك أم المالكية؟؟ رحمهم الله جميعا.

لو أن الوزير “الفقيه” حدثنا عن تاريخ المالكية العظيم في نصرة المظلومين وإنصاف المستضعفين، لقلنا أو سكتنا، أما وتريد أن تجعل الدين الواسع شكليات وطقوسا فما هو بتوفيق.

لعلك لم تقرأ ولا تريد أن تقرأ أن أبا جعفر المنصور ثم الرشيد من بعده أرادا أن يختارا مذهب الإمام مالك رحمه الله وكتابه الموطأ قانوناً قضائياً للدولة العباسية،  فنهاهما مالك عن ذلك وقال: “إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فى الفروع، و تفرقوا فى البلدان” 1.

لو تتبعنا الأوصاف التي نعت بها مخالفيه من العلماء المالكية ومن غيرهم  لوجدنا غيره منطبقة عليهم. فهل من الإنصاف أن تجعل من الجزئيات الفقهية كليات من خالفها يوصم بالتعنت والتكفير والإرهاب، ومن تبنى رأيا مخالفا لرأيك ممهد للتطرف والغلو؟؟

وفي هذا الصدد تحليله الجديد عن الخلافة الراشدة حين قال: “أما شعار الخلافة الراشدة ففهمهم له باطل لأنهم قرنوه بمثالية متطرفة قد تصل إلى حد العصمة استنادا إلى آيات وأحاديث تقابلها أخرى تنظر إلى الحكم بغاية الواقعية، أما الحديث الذي يستشهدون به فلا يراه عدد من أهل العلم صحيحا، ويرى العلماء أنه حتى من لا يقول بالعنف من أصحاب هذا الشعار، فإن تحريضهم على عدم اتخاذ النضال المشروع المنظم وسيلة للإصلاح، يجعلهم من الممهدين لفكر التطرف والإرهاب”.

وهذه فقرة فقيرة عن العلم والوسطية والاتزان… وعن التوفيق.

“أما شعار الخلافة الراشدة ففهمهم له باطل لأنهم قرنوه بمثالية متطرفة قد تصل إلى حد العصمة استنادا إلى آيات وأحاديث تقابلها أخرى تنظر إلى الحكم بغاية الواقعية”.

الخلافة سيدي ليست شعارا، إنما هي تجربة وعمل رجال مبشرين بالجنة، نحن مأمورون باتباع سنتهم “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين…”.

وما الرشد؟

الرشد تحقيق العدل والكرامة والحرية لكل أبناء الوطن وعدم الاستفراد بالخيرات دونهم، ألم تر إلى عمر بن الخطاب أمير المومنين كيف كانت خلافته، راشدة أم هي “المثالية المتطرفة”؟ ألم تكن الخلافة الراشدة في المدينة المنورة، وعمل أهل المدينة من أعظم أصول المذهب المالكي.

بالله عليك، أي تزوير هذا الذي تريد وأي فتنة هذه تسعى لإيقاظها؟

أما الحديث الذي يستشهدون به فلا يراه عدد من أهل العلم صحيحا:

ما الحديث؟ سمه لنا نعرفه. رحم الله المحدثين الراسخين لم يتركوا لأشباه العلماء أن يتطاولوا على الصنعة، وبحث بسيط في هذا العصر يمحص الحديث.

وإذا لم ير بعض العلماء حديثا صحيحا هل يصير العمل به والاستمساك به كبيرة من الكبائر، أو جناية من الجنايات، أو خروج عن المذهب، ألم يتمسك مالك رحمه الله تعالى بكون طلاق المكره لا يجوز، حتى لا يقول في الدين ما ليس منه، أو يشهد زورا،  هل كان مالك بإعلانه ذلك في الملإ  متطرفا موقظا للفتنة، حاشاه من عالم أن يكون كذلك، إمام دار الهجرة، دار الخلافة الراشدة المثال غير المعصوم.

ويرى العلماء أنه حتى من لا يقول بالعنف من أصحاب هذا الشعار، فإن تحريضهم على عدم اتخاذ النضال المشروع المنظم وسيلة للإصلاح. يجعلهم من الممهدين لفكر التطرف والإرهاب.
ويرى العلماء؛ من هم؟

هذه أخرى! ما النضال؟ وما مشروعيته؟  وما معنى كونه منظما؟ عبارات عارية عن كل توفيق، ليس كل من خالفك في الرأي والاختيار الفقهي والتقدير في الموازنات ممهد للتطرف.

النضال المشروع هو الذي يضمن للناس حرية التفكير وحرية التعبير، وإن اختلف معك ومع الحاكم ورأى غير ما ترى، النضال المنظم هو الذي لا يعنف على أحد في خطبة جمعة، ولا مجلس علم ولا اختيار فقه.

النضال المشروع ووسيلة الإصلاح هو الإنصات إلى نبض الشباب المسلم المتعطش لدينه التائب إلى ربه، الذي  يريد أن يرى الجدوى من الشعارات المعلنة في التعليم والتشغيل والصحة والحرية والكرامة و….

أما القضايا الفقهية التي أثارها الوزير فهي أعجب من العجاب، وأبعد عن التوفيق، ودونك عبارات الدكتور الجباري فقد بين بعدها عن التوفيق.

اعلم رحمك الله أن في الأمة علماء يحقون الحق، وإن كثيرا من الأخيار في هذه الأمة من العلماء والباحثين والشيوخ والأئمة ليعلمون الحق ولن يكتموه . وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

ليس التوفيق في التلفيق، إنما التوفيق في التحقيق والتدقيق.

والله ولي كل توفيق.    


[1] المدخل الفقهى للأستاذ الزرقاء 1\89.