الأمر العظيم

هو كل حدث مادي أو معنوي يوقع أثرا طيبا نافعا في أحوال الناس ويثمر عملا صالحا مستمرا في سلوكهم، أو قل: هو ذلك الحدث الكبير الذي يجُب ما قبله ويؤسس لما بعده، تخلية وتحلية يعم خيرها الفرد والجماعة والمجتمع والأمة جمعاء، في الحاضر المعاش والمستقبل المرتقب.

الشهر العظيم

هو ذلك الشهر الذي يفضل باقي الشهور بزمانه وأعماله وجزائه، وهو شهر رمضان الفضيل الذي خصه الله تعالى بعظيم العطايا وعظيم المنن تكريما منه سبحانه لأعظم رسول وأعظم أمة.

أخرج ابن خزيمة في صحيحه أن ابن مسعود الغفاري رضي الله عنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم -وأهلّ رمضان- فقال: لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان”.

وقد طرح الحبيب المصطفى هذا السؤال على أصحابه تعظيما لهذا الشهر الكريم فقال -فيما أخرجه ابن خزيمة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله وحيٌ نزل؟ قال: لا. قال: عدو حضر؟ قال: لا. قال: فماذا؟ قال: إن الله يغفر في أول ليلة من شهر رمضان لكل أهل هذه القبلة، وأشار بيده إليها”.

ففي رمضان تشرع أبواب القبول لطلاَّبِ الاستقامة المستغيثين بالله تعالى. أيام الغنيمة وليالي السباق واللحاق والاشتياق والانعتاق.

اللهم أنهض هممنا إليك لطلب ما عندك، وحقق رجاءنا بقربك، ولا تجعلنا من المحرومين آمين.

فما هو الأمر العظيم الذي وفره الله تعالى في هذا الشهر العظيم؟

من الأمور العظيمة في رمضان نذكر نوعان، نوع يتكرر كل عام ونوع يأتي في ظروف خاصة:

الذي يتكرر كل سنة ويتعرض له كل فرد

مثل:

– مغفرة الذنوب والرحمة العامة والعتق من النار: قال صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 1 وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار 2 وفي الحديث أيضا: “من أدرك رمضان ولم يغفر له أبعده الله”.

– الجود والكرم والقول الحسن: قال ابن عباس رضي الله عنه: “كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان… فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة” 3، وعنه صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: “الصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم” 4.

– الاجتهاد في العبادة والمضاعفة في الأجر: “فقد ثبت في الصحيح عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره”.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: “يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيمن سواه” 5 .

– تصفيد مردة الجن: في الحديث الصحيح: “إذا كان أول ليلة من رمضان، أو قال إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدت الشياطين مردة الجن”. وفي رواية: “وتُصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصوا فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره”.

– فتح أبواب السماء وغلق أبواب النار: في الحديث الصحيح: “وينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”، و“فتحت أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى تكون آخر ليلة من شهر رمضان”.

– ليلة القدر: قال الله جل وعلا: “وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تتنزل الملائكة والروح فيها من كل أمر” وفي الحديث: “وفيه (أي في رمضان) ليلة القدر خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم”. قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 6.

– الاعتكاف: وهو لزوم بيت الله للعبادة، قال جل وعلا: وأنتم عاكفون في المساجد، وعن عائشة قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده” 7. وهذه السنة النبوية ممنوعة اليوم في المغرب سواء في المساجد أو في البيوت! نسأل الله الفرج القريب.

طالع أيضا  المرأة بين الأعمال المنزلية والطاعات الرمضانية.. مع الأستاذة حبيبة حمداوي

الذي يأتي متنوعا ومتقطعا في شكل إنجازات كبرى يعم وقوعها الجميع

فمثل:

– غزوة بدر الكبرى: في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية من الهجرة، التي كانت ميدانا لصراع الحق والباطل، الإيمان والكفر، من حيث كان يظن المشركون الظالمون أنهم قادرون على إزالة الإسلام واستئصال جماعة المسلمين الأولى، مغترين بسلطتهم وعتادهم وجبروتهم، مستغلين تفاوت ميزان القوة بينهم وبين المسلمين المستضعفين، لكن الحدث كان مفاجئا وكبيرا وله ما بعده، نصر وفتح مبين، فقبل الغزوة نزل قوله تعالى: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح… وإن الله مع المؤمنين.

مؤمنون صادقون بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجردهم وإقبالهم على الله تعالى بعزيمة ماضية تصاحبهم ملائكة من السماء بقيادة أمين الوحي سيدنا جبريل عليه السلام تقاتل معهم، والشيطان اللعين يظهر للمشركين في صورة سراقة بن مالك يحرضهم على الحرب.

النتيجة: جند الله الغالبون ينتصرون على الملأ المستكبر من قريش، الذين أجمعوا أمرهم على تجفيف الأرض من المؤمنين والمؤمنات. لكن الأمر كان غير ما ينتظره أحد من الطرفين، إنه أمر الله الذي أنزله وينزله على عباده الصادقين كلما توفرت فيهم الشروط، و التي منها:

شروط تربوية إيمانية: النية الصالحة (وجه الله) والعقيدة الصحيحة (إلا الله) واليقين الجازم (وعد الله: إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) 8.

شروط مادية وتنظيمية: إعداد القوة وإتقان الأسباب لترجمة الوعود إلى إنجازات ميدانية، بعقلية اقتحامية جهادية وبتنظيم متراص متماسك. قال المقداد رضي الله عنه: (والله لا نقول لك كما قال قوم أصحاب موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)، وقال سعد بن معاذ: (والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك).

فيأتي الجزاء من جنس العمل، جاء الأمر العظيم: النصر والتمكين، والفتح المبين. فانتشرت الدعوة وتأسست الدولة، وانهزمت الأحزاب واندحرت جموع المشركين والمنافقين الذين يظنون بالله الظنون.

طالع أيضا  ثلاث وقفات استعدادا لشهر رمضان المطهر

– فتح مكة المشرفة: في السابع عشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، بعدما رأى الصحابة رؤيا في السنة الخامسة من الهجرة تبشرهم بدخول مكة آمنين مطمئنين محلقين رؤوسهم، قال ابن القيم رحمه الله: (هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، … وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، ضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجا..) 9، وهو اليوم الذي أذل الله فيه قريشا وأعلى كلمة الحق في الآفاق وانتشرت رسالة الإسلام في كل الربوع، بعدما كانت تحت وصاية قريش تؤلب عليها الأحزاب وتفرض حولها القيود وتنشر عنها الأباطيل.

– نزول القرآن الكريم: في العشر الأواخر من رمضان، جاء النبأ العظيم، بخبر الآخرة والمعاد، بتوحيد الله تعالى والتوبة إليه، عبر اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي. إنا أنزلناه في ليلة القدرشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، حبل الله المتين ونوره المبين.

وهذه الأمور الكبرى هي نماذج وأمثلة وليست وحدها لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، لأن عطاء الله ومدده ونصره لا ينفد ولا يحجر.

وبتضافر الأمرين العظيمين معا (ما من الناس إلى الله، وما من الله إلى الناس) تحيى الأمة ويتجدد دينها ويتقوى كيانها وتنتشر رسالتها وتستمر حضارتها. وبتعطيل الأمر الأول تبقى الأمة عرجاء تتكلف وتتكفف، يُكورها الليل والنهار بلا انتصار ولا استقرار، ولا استبشار ولا انتشار، أما بانعدامهما فلا حديث إلا عن أمة عمياء في فتنة سوداء.

نسأل الله الحفظ من شر البلاء وسوء القضاء.

لهذا إذا أردنا لأمتنا الظهور والتمكين فلنلزم الأمر الأول يأتينا الأمر الثاني.

طالع أيضا  فرحة الصائم عند لقاء ربه

نلزم الإفتقار بلا انتظار يأتينا الإنتصار بلا إصرار.

نقف بباب الله يأتينا فضل الله. نتحاب في الله يأتينا حب الله، ونتعاون على الله يأتينا عون الله.

ننصر الله في ذواتنا ينصرنا الله في واقعنا: إن تنصروا الله ينصركم.

ونقيم دولة الإسلام في قلوبنا تقم على أرضنا. أمران عظيمان: توبة إلى الله ونصر من الله.

ولا إله إلا الله محمد رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الله.


[1] رواه البخاري ومسلم.
[2] أخرجه ابن خزيمة في صحيحه.
[3] رواه البخاري.
[4] رواه البخاري.
[5] رواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي وابن حبان.
[6] رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[7] رواه البخاري ومسلم.
[8] البداية ج3 ص262.
[9] زاد المعاد ج2، ص: 160.