أنت مني دقائق وسويعات وأيام، هي من عمري لي معها في الدنيا لقاء، وفي الآخرة موعد وبقاء، فيا رب العزة اجعل عمري سبب العزة لا طريق الشقاء.

وأنا منك عُبَيد بعمل قليل، وزاد ضئيل، يخرج مني فقيرا لإخلاص عميق، وراجيا رحمة من الرؤوف الرفيق.

أنت مني تطلع علي شموس إشراقك، وتطويني ليالي أُنسك واشتياقك. الإشراق يبغيني مسَبِّحا ذاكرا، والليل يريدني ساجدا قائما. فيا رب رحمتك نرجو، وعذابك نخشى.

وأنا منك بنفس كسولة عن الاجتهاد، وإرادة كليلة عن حسن الاستعداد، طوتها السنون طي السجل للكتاب، وأورثت فيها العادة الجارفة التثاقل إلى الأرض، والنكوص عن أداء النفل والفرض.

أنت مني ولي، زيَّنتك يد الرحمن في أول ليلة، فصُفَّد كبار جند الشيطان، وفتحت كل أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، ظلُّك الكريم قد أطلَّ، وفضلك العميم قد أهلَّ.

وأنا منك بفطرة إيمان لوثَّتها الدنيا، وعكَّرت صفوها الهموم. باغيا للخير لكني مقصر، مريدا للإحسان لكن ضعيف، تهفو نفسي لأكون من الصالحين لكن أين هم؟ أين أجدهم؟ أرجو أن أكون مع المحبوبين فمن يدلني عليهم؟ اللهم صحبة في الله ومعية مع أولياء الله.

أنت مني ولي، فيك التوبة والغفران، فيك الرحمة والرحموت، فيك الجائزة العظمى، والكرامة الجليلة، فيك سجل العتقاء من النيران. اللهم أجرنا.

وأنا منك أشكو وأستجير… أستجير من قلب لا يخشع، وأشكو من عين لا تدمع، أستجير من أذن لا تسمع، وأشكو لسانا لا يذكر. بك اللهم أستجير فأجرني، وإليك أشكو ضعفي فقوني.

يا رمضان أنا منك وأنت مني، خذ بيدي، هذه السنة ليست كسابقاتها، صمتُ وما تغيرت، تلوْت الكتاب فما ارعويت، دخلت المسجد خلالك وبعدك نكصت، حسن خلقي شهرَك وبعد لسوء طبعي رجعت.

فيا رمضان أنت ضيف الله عندي، وأنا ضيف الله فيك، خذني معك، احضنني في صدر أيامك ولياليك، وعانقني بحرارة صفائك وطهرك. أدخلني دارك وعلمني ما أودع الله فيك من الأسرار والحكم، وجميل الخلُق، وكريم الشِّيَم.

قال الشهر الكريم: مرحبا بك أيها الإنسان المكرم الكريم، أنت حامل الأمانة العظمى المبتلى بها وأنا منها، جعلني الله عليك سهلا لينا إن أطعت وأنبت.

مرحبا بك أيها الإنسان، أنا فرصتك هذا العام، لئن أكرمت ضيافتي، لأُسجِّلنك في ضمن الكرماء، ولأُعلنَنَّك يوم القيامة مع العتقاء، ولأشهدن لك يوم البقاء. لي معك ثلاثون ثم أمضي، عشر رحمة، وعشر مغفرة، وعشر عتق من النار، فأحسن وفادتي، وأكرم زيارتي، تنل رضاي وشهادتي .

مرحبا بك أيها الإنسان، أنا الشهر العظيم، فيَّ نزل القرآن الكريم، فيَّ ليلة خير من ألف شهر، سلام هي حتى مطلع الفجر. بركات هي من رب العزة لك، لك أيها الإنسان.

أنا سر بينك وبين الله الكريم، خَلوف فمك عنده سبحانه أطيب عند الله من ريح المسك، أداؤك الفريضة فيَّ كسبعين في غيري، والنفل فيَّ كالفريضة في غيري، إذا فطرت صائما كان لك مثل أجره.

أنا لك مدرسة ترويض وتدريب، ومؤسسة تربية وتطبيب، لئن دخلتني بصدق وتصديق، تخرجت مني بفوز وتوفيق. أسلمني نفسك بهمة عالية، أبثُّ فيها الأخلاق السامية، الصبر الرفيق، والسمات العالية، والعلم الدقيق.

أولا أنا ضيف الله عندك، وأنت ضيف الله فيَّ، فبحق ضيافة الله في قلبك، لا تتركني أمرّ من غير أن تغنم.

إذا كان أول يوم مني فجدد العزم، يجدد الله إيمانك، وانوِ صيام المخلصين، يثبت الله في القلب يقينك.

إذا كان أول يوم اجمع الأسرة السعيدة بسعة الإسلام، الزوجة الحبيبة الودود، والأولاد فلذات الأكباد، والوالدين ذوي شيبة الوقار، ومن استطعت من أهل الجوار، ثم ادع الله أن يجعل هلالي عليك باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، وافتتح كلام رب الأرباب، بفاتحة الكتاب تكن لكل واحد منكم فيَّ ختمة أو ختمات، كل بحسب ما منَّ الله به من ارتفاع الهمم، وجميل الأوقات.

ليلي لا تفلت فيه الغدوة إلى المساجد والروحات، بنفل التراويح تُرفع الدرجات، وتدرك الحاجات، ركوع وسجود، وجَل وخشوع، وبكاء ودموع. نهاري كن فيه الحليم العفيف، الرفيق اللطيف يحبك الله والناس.

وبسرعة الأيام تمر مني العشر الأوائل، عشر الرحمة وتطل العشر الأواسط بظلال المغفرة والغفران، فلا تترك للكسل في نفسك سبيلا، واجعل الهدي النبوي لك في الطريق دليلا، ابحث في حيّك، في عملك، في قرابتك عن قوم لهم من الزمان مع الله مجالس، فيها تحفهم الملائك، إذا رجعوا من التراويح كانوا فيها للقرآن تالين، وفي الخير متنافسين.

عليك بصحبتهم والجلوس معهم، ساعة بعد ساعة، ويوما بعد آخر حتى تصير منهم، متحابين، متزاورين، متناصحين متآلفين، وإن الله لمع المحسنين.

ها أنا أيها الإنسان لم يبق مني إلا العشر الأواخر، وها هي علامات الرحيل قد دنت، وأمارات السفر قد أطلت، لن تراني إلى يوم القيامة، وسيخلفني فيك أخي رمضان القريب إن بقي لك في بنك أيامك رصيد.

وقبل أن أرحل أحدثك بما فرح به إخواني السابقون، من رمضانات مضت والأحبة لمثلها مشتاقون. إنها أيها الإنسان أيام الفضل والرضى، والأجر المضاعف، والسلوك المفدى.. تجهّز المعتكفون، ورتبوا البيوت الربانية، للقلوب التائبة الآئبة، فلا تفلت مني هذه الأيام -ولو بعضها- معتكفا مع المعتكفين، ذاكرا مع الذاكرين قائما مع القائمين، راجيا أن تكون من المحسنين. وفي ليلة القدر من المخبتين الأواهين المنيبين.

وداعا أيها الإنسان، أحببتك والله وأحببت لك الخير، زرتُك وأنا راحل في غيابات الزمن، لكم أحمل في سجلاتي من الشهادات، وفي طياتي من البركات.

غدا يوم العيد، يوم الجائزة الكريمة، والأفضال العظيمة، طوبى لمن أكرم وفادتي، له فرحتان، وفي الآخرة -إن شاء الله- جنتان.

غدا يوم العيد، يوم النصر الأكيد، والفجر الجديد، وعد غير مكذوب من الكريم المجيد، الفعال لما يريد.

قلت: رمضان! أنت مني… وأنا منك، كن لي بالخير شهيدا، وعلى الحق معينا بالدعاء الختم الجميل.

فيا رب رمضان وسائر الشهور ومليكها.

ويا رب نفسي التي بين جنبي وبارئها.

ويا رب الدقائق والأنفاس، وخالق الأيام والسنين.

اجعل ما بقي من عمري رجعة إليك وأوبة، وفرارا إليك وتوبة.

اللهم توبة إلى الله، وفرارا إلى الله، وصحبة لأولياء الله.

آميـــن.