الشهيد كمال عماري رحمة الله عليه واحد من أبناء هذا الشعب الذي آمن بغد أفضل يكون فيه لكل المغاربة الحق في المواطنة الكاملة، وتتساوى أمامهم الفرص. شاب لم تعيه ندرة الفرص للبحث عن مصدر رزق يحفظ عليه ماء وجهه، فاشتغل حارسا ليليا في الميناء وهو الحامل لشهادة جامعية تؤهله لعمل أحسن في مدينة آسفي، إمبراطورية الفوسفاط الذي تهرب عائداته ولا يستفيد منها سكان المنطقة ولا يرى أثر له على البنية التحتية للمدينة ولا على التنمية الاقتصادية والمجتمعية، مدينة مهمشة وفرص الشغل والتشغيل فيها معدومة، والساكنة تعيش البطالة. واقع كان من حتمياته أن تنخرط الساكنة في أي شكل من أشكال . ولم يكن غريبا أن تلتحق هذه المدينة بقوافل المحتجين في إطار حركة 20 فبراير عل وعسى يغير المسؤولون من سياساتهم الاقصائية. فكان انخراط الساكنة بقوة لكن بسلمية وبمسيرات حضارية.

كل ذلك لم يشفع لهم فقوبلت المسيرات بتدخلات أمنية همجية وباستعمال مفرط للقوة. وكان كمال عماري شهيدا وشاهدا على العنف الذي مورس على الساكنة؛ فرغم تفريق رجال الأمن للمتظاهرين وانفضاض المسيرة فهي لم تكتف بذلك بل كانت مصرة على الانتقام فتتبعتهم في الأزقة الضيقة حيث كان حظ الشهيد كم هائل من الضرب والرفس والركل لم يستثن قطعة واحدة من جسده، نتج عنه كسور وأصبح وجهه من فرط الضرب متورما لا تعرف ملامحه. ولم يتوقف القمع عند هذا الحد المفرط بل بلغت النزعة الانتقامية من الساكنة مداها عند المسؤولين، حيث أقدموا على إغلاق المستشفى في وجه ضحايا الانتهاكات التي خلفتها تدخلات القوات القمعية أثناء المسيرة. إجراء غير قانوني وغير إنساني يستلزم محاسبة المسؤولين في دولة تحترم مواطنيها؛ فكيف يعقل أن يحرم الضحايا من الحق في العلاج وإنقاذهم من المضاعفات الخطيرة؟

طالع أيضا  الهيئة الحقوقية للعدل والإحسان تطالب بتحقيق جدي في وفاة الشهيدين حجيلي وعماري

هذه التصرفات كانت من الأسباب التي فاقمت وضعية الشهيد كمال وعجلت بوفاته؛ فحالته كانت تستدعي تدخلا طبيا مستعجلا. ولم تقف الانتهاكات الحقوقية عند هذا الحد، إذ رغم مرور خمس سنوات على استشهاده وحجم التضامن الحقوقي الواسع مع الملف من مختلف الهيئات والمنظمات الحقوقية، لا يزال تقرير التشريح الطبي لم يسلم إلى أهله، وهذا يعتبر من أبسط حقوق المواطن. أما القضاء فلم يقل كلمته بعد، ومتابعة الملف شابتها خروقات قانونية واضحة، وبقي الملف يراوح مكانه والجناة لم تطلهم أي متابعة. بل أكثر من ذلك فالجديد هو أن المحكمة قضت بعدم المتابعة !

من كل هذا نستنتج أن المخزن مصر على تجاهل الملف، وأن القضاء يشتغل بالتعليمات، وأن التنصل من العقاب سياسة متبعة لحماية الآلة القمعية. ولولا المساندة الحقوقية الواسعة لأطمر الملف وضاع أمل عائلته في محاكمة عادلة للجناة.

ويبقى استشهاد كمال عماري رحمة الله عليه شاهدا على استبداد المخزن وهمجيته وعلى يقظة المجتمع المدني المغربي وقدرته على جعل القضية حية إلى أن يأخذ القضاء العادل مجراه.