غير بعيد عن مدينة أسفي، بدوار صغير بجماعة خط أزكان التابعة للإقليم ترابيا، مسقط رأس الشهيد كمال عماري، لا تزال أسرته المسكينة تغالب الزمان وقسوته، وصلنا إليهم بعد طول طريق ومنعرجاتها الوعرة، ووقفنا بإجلال أمام البيت الذي ترعرع فيه شاب نشأ في عبادة الله، وعرف بين أحبابه وأصحابه بطول الصمت وحسن الخلق، هرعت إلينا أمه، وهي ترى معنا أصدقاء المرحوم، لعل ريح بعضنا تعيد لها ذكريات زمن لا تزال لوعته تفتت الأكباد وحسرته تحرق الفؤاد.

رغم أن الدموع غالبتها، أخفتها عنا وابتسمت في وجهنا بصعوبة، أصالة استقبال وحفاوة لا تخفى عن أهل هذه البلدة الطيبة، كان الأسى باديا على وجهها، لكنها صابرة كتومة. جلسنا إليها، تقلب الصور بين كفيها اللتين فعلت فيهما الأشغال والأثقال أخاديد عميقة، تلخص معاناة النساء البدويات. كانت هذه الطيبة تحكي لنا عن سيرة طفل حملته ووضعته وَهْنا، وأنشأته مكافِحة ضنك العيش وقهر الجيب، لم تفرح به كالأمهات جميعا ولم تهنأ بكمال، فقد غصبوها في ابنها وهو شاب في زهرة العمر، وكأي أم، كانت تمني النفس بأن تزوجه وتلاعب أطفاله، حرموها من “نظرته” قبل أن تحقق ذلك، مرارة وغصة تبتلعها جاهدة، ربما لكي لا تزعجنا نحن الذين سرعان ما تلهينا الأحداث عن الفقد والوجد، كانت حريصة أن لا تكدر صفو اللقاء بخصوصيتها مع من كان لها بالدنيا كلها، وكان شمس القلب التي غابت دون سابق إشعار ولا إنذار.

كمال.. شاب قتلته قوات الأمن

أكدت الأم أن كمال عماري كان يلبي نداء حركة 20 فبراير. وفي ذلك اليوم من شهر ماي كما تروي، تناول طعامه ولبس ثيابه، بعد أن توضأ للصلاة استعدادا للخروج طاهرا، جر دراجته النارية وذهب ناويا ككل مرة أن يهتف مع الشباب مطالبا بتحسين وضعه، بحرية أكبر وكرامة غيبت، ثم يتوجه إلى عمله بميناء المدينة.

طالع أيضا  وقفة تخليد الذكرى السادسة لاستشهاد عماري تتشبث بمطالب الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر

في ذلك اليوم، الأحد الأسود كما أطلق عليه فيما بعد، اختطفت قوات الأمن العديد من الشباب، أذاقوهم ويلات العذاب في فيافي ونواحي مدينة أسفي وألقوا بهم في غياهب الدواوير إلى أن حملتهم سيارات المناضلين بعدها. كانت عناصر الأمن تحرص أن تنتقل بعيدا، كي لا ترقبهم العيون وهم يرتكبون جرمهم، وكان آخرون يلاحقون الناس في الشوارع، وجاء الدور على كمال كما تؤكد الأم، بدار بوعودة بالضبط، حاصره سبعة منهم، وسأله أحدهم: هل أنت معهم، فكان جوابه برجولة: نعم. وكعهدهم بالاختباء كخفافيش الظلام، التي تحرص على إخفاء الجرائم، حملوه إلى شارع صغير وسط الأزقة المجاورة قرب محل، لتنهال عليه الهراوات، إلى أن أردوه ملطخا بالدماء، متلقيا ضربات قاتلة، أجهزت عليه بعد يومين أو ثلاث.

كان أنينه الذي سمعه العالم أجمع، من وطأة الضرب والتعنيف، مؤلما جدا، يختصر غطرسة أجهزة لا تخضع للعقاب والحساب ببلد يزعم أنه طوى سنوات الرصاص، فلفظ المسكين أنفاسه الأخيرة بالمستشفى يوم 2 يونيو 2011.

قالت وهي تكفكف دمعها، بعفوية ولغة بسيطة: “قتلوه، الله ياخذ فيهم الحق”.

اعتراف دولة.. وتراجع غير مفهوم:

بعد مسار طويل بالمحاكم، جابتها الأم على قدميها، طامعة في عدالة مؤسسة القضاء، التي اختلت كفاتها في هذا الملف، امتنعت السلطات بداية عن تسليم التقرير الطبي للأسرة، ثم خرج المجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة رسمية تابعة للدولة المغربية) يصرح أن العنف المفرط قد أدى إلى المس بحق الحياة بمدينة أسفي وأسا، وهو ما يعني اعترافا رسميا بجريمة قتل كمال عماري، وتلقف الناس الخبر بدهشة ممزوجة بنوع من الأمل، أن الجناة سيقدمون للمحاكمة، بعد هذا المنعطف غير المسبوق بالمغرب، لكن تمر الأيام لتفند كل الادعاءات والشعارات، وليغلق الملف ويربط بمجهول!

طالع أيضا  أبو الشهيد عماري: حقي في الدنيا بين أيديكم ويوم القيامة على رقابكم

أما آن؟

اليوم، بعد مرور ست سنوات على قتل كمال عماري، لن يطفئ نار فراق أم مسكينة لولدها إلا إنصافها وأسرتها، وإخراج الحقيقة للناس، وجبر ضرر فادح حرم أما من عريسها المنتظر، عزب كان يخصها بمعاملة وكان معينها على شظف الحياة.