لا شك أن المال عصب الحياة، فقد أصبح قيمة في ذاته ولم يعد وسيلة فقط في الاجتماع المعاصر، المحلي منه والعالمي، وهو المُشترك الأساس بين الناس، إذ به يقومون وبه يحصلون على مواردهم. فقدْ أفقدَ الأشياءَ قيمتها، ولم تعد مرغوبا فيها مباشرة، رغم حاجتهم الضرورية إليها.

دعت ضرورة الاجتماع، منذ القديم حتى يومنا هذا، إلى إيجاد حل يُسهِّل تداول الأشياء والخدمات دونما حاجة إلى حملها للمقايضة، فالحمل يتطلب جهدا ينأى به الناس، فاقتضى الحال التخزين، والتخزين لا يتم إلا بالحساب، والحساب خاضع للزيادة والنقصان والمضاعفة، وكان السومريون أول من ابتدع الحساب، وما اختراع الأرقام إلا خطوة أخرى نحو التجريد، إذ به يسهل العد؛ ثم استُبدلت قيمة الأشياء بقطع من الفضة والذهب في الحضارات الكبرى القديمة، لكن التكاثر ألهاهم عن حقيقة قيمة الأشياء في ذاتها، والاشتراك  الجماعي فيها، حيث لا يمكن الاستغناء عن قيمة الأرض، أو الدواب، وكل ما لا تقوم الحياة البيولوجية إلا به، وكذا النفسية التي لا تهنأ إلا بالأمن من الخوف.

تدفع الحاجة أو الوفرة الناس – ليس للادخار لأنه من التدبير بل – للكنز، وهو  معادلة غير متساوية الجانبين، إنه خطأ يناقض الحدس الرياضي الذي لا يخطئ إلا لماما، ويترتب عنه خطأ في التوقع، أي حدس ما سيقع، مما يعني أن الخطأ في تداول المال مُتعمَّد، للتغطية على الحقائق، وتُستبدل بغيرها. وتعمُّد الخطأ هنا يتجلى في التوزيع، توزيع المُشترك، هذا المشترك يعود كله -أو على الأقل أغلبه- إلى من يقدر على البطش، وبما أن قيمة الأشياء آلت إلى القطع الفضية والذهبية، فإن كنزها يسهُل، لصغر حجمها، شرطَ حصر تداولها في ثلة من المترفين، بينما يُحرم منه الغير، إذ لا يمكن الحصول على الأشياء أو الخدمات إلا بواسطة هذه القطع، فمن لا يملكها لا يقدر أن يحصل على حاجاته، ولهذا يُبَشّرُ الذين يكنزون الذهب والفضة بعذاب أليم، والمحروم يتدنى سقفه الاجتماعي إلى “الأراذل بادي الرأي”، فيوضع تحت الوصاية، فهو يعطي ولا يأخذ. وعلى هذا الأساس يتجلى للمرء تعمد الخطإ -ما دام الحساب لا يخطئ- حيث يفرض الكنز ميلَ نصف المعادلة التي هي “الحقوق” إلى المترف، بينما يتحمل الرّذْل “الواجبات”.

الحقوق والواجبات

قبل الحديث عن التدبير والتبذير، يحسن بنا صياغة هذه المعادلة صياغة صحيحة: فما هي الحقوق وما هي الواجبات؟

دونما حاجة إلى التفريع اللساني للفظتين، تفرض المدينة على الممادنين التنازل عن بعض حقوقهم في الحرية، وحصر الملكية فيما هو خارج المُشترك العام، وحفظ القانون رغم قصور الجهاز التنفيذي في بعض جوانب الحياة، ثم احترام حرية الفرد: في التعبير، والاعتقاد، واللون، والعرق؛ مع المحافظة على عدم التفاوت بين الفرد والجماعة أو الجماعات المحيطة به؛ ثم يكون العائل واليتيم والرقبة والمرأة والطفل الهمَّ الأساس للممادن -بدل رميهم في مزبلة المدينة- لا لشيء إلا لأنه ممادن، فهو يدين لمدينته بما تقدمه له من حماية وألفة، وهو واع بها. إنها حقوق وواجبات متزامنة. وبعبارة مختصرة، تحرير القوة من البطش، لدعم الحياة ودرإ الهلاك.

المال ورأس المال

إن المال المكنوز في يد واحدة لا يرقى إلى مستوى رأس المال، أو هو رأسمال غير متحرك، أي لا يفيد في شيء، اللهم حرمانَ أصحابه الحقيقيين منه. لكن لا بد من التمييز بين رأس المال – أو المال بالأحرى –  بالأمس القريب واليوم، حيث لم يبق في ملكية الحاكم أو القائد العسكري أو رجل الدين (خصوصا باباوات وقساوسة الكنيسة في القرون الوسطى)، أو من ورثوا الثروة، بل انتقل إلى أيد استثمارية  تربط بين “الحاجة والكسب” 1 حسب ماكس فيبر، و ي نباهة استثمارية تستبق حاجات الناس قبل أن يبحثوا عنها، وهذا يرجع على المستثمر بكسب وفير. إنها “العقلية الرأسمالية” 2 الحديثة مقابل رأسمالية الكنز، إنه فصل بين عهدين، حيث غدا رأس المال مفتوحا لأكبر عدد من المساهمين، وقابلا للانتقال من يد إلى أخرى، كما أن قابلية الخسارة أضحت شطرا من المعادلة. بل إنه مؤشر على انتقال حالة الاجتماع إلى الممادنة، أو النكوص إلى حشد غير متآلف العناصر.

طبعا، إن رأس المال يسعى وراء ربح وافر، ولن يتأتى له ذلك إلا بالاستثمار -بدل الكنز- ومن يقول الاستثمار يعني ضخ المال في البحث والتنقيب وتجديد الهياكل، والبحث عن الموارد، واستقطاب العقول، أي طلب المشاركة في الجهد والربح. فالبقاء رهين بالتجديد. ولهذا لا ينتقل المال إلى رأس مال إلا بتداوله و”عقلنته” والمشاركة فيه، وإلا لا يعدو كونه أقراطا من معادن، أو أكواما من الورق؟؟

فبعد كل عقد أو أكثر، تُطل براثن أزمة مالية جارحة للاجتماعات الإنسانية، حيث تُسند قيم زائفة للأشياء وعندما تصل إلى حد معين، تفترس آخرَ من احتكر هذه السندات الزائفة، فيغرق ويجر معه جيشا من الناس غبنوا أنفسهم بعدم الاستعلام عن حقائق الأمور، واستهواهم الربح السهل، علما بأن هذا الربح المسمى سهلا يؤدي أضعافَه الصغارُ.

طالع أيضا  قراءة نقدية في مشروع ميزانية سنة 2004

هذا التداخل بين الحق والواجب يعكس طريقة صرف المال، فالتبذير يؤدي إلى الإسراف وتجاوز الحد في صرفه دون مبرر، بمعنى آخر يُصرف في غير محله، ولا يتوصل به أصحابه، كما أن المُتصرف فيه لا يبرر سلوكه، فلا أحد يُطالبه بذلك، أولا،  وثانيا إنه محمي أو يُشكل حلقة في سلسلة ممتدة من السفه والغلظة.

الإمارة والمال

يُعتبر المال العام من شروط الإمارة، في تراثنا، حيث يوضع تحت تصرف الأمير دون غيره، وكذلك تولية القضاة والولاة، وقواد الجيش، وتطبيق الحدود، أو العفو. فقد صرف أبو بكر المال بإعطاء الأولوية للمحتاجين، وعمر للسابقين، وعثمان لأقربائه، مما أغضب المغبونين، فظهرت نذر أزمة سياسية واجتماعية، كان من المفترض أن تأخذ مسارا توافقيا، بالتنازل عن بعض شروط الإمارة، لكن النضج السياسي لم يكتمل بعد، فكان الثمن رأس عثمان. فقد حاول عليّ تصحيح المسار بمنع العطايا عن الأقارب، فانفض عنه الجميع. أما معاوية، فقد أسس عهدا جديدا منافيا لكل مقومات الاجتماع، حيث انهمك في حشد رؤوس سياسية تؤيده – من قواد علي – وبعض المقربين منه بالدم، وبعض الأصحاب بالأمس، وأعيان القبائل. فإن لم تنفع المهادنة هدد بالسيف.  

ولنا وقفة سريعة مع عمر بن عبد العزيز الذي حاول رأب الصدع، بخلق “حوار بين الأمير (في شخصه) والمعارضين له بدل قطع الرؤوس” 3 حسب عبارة فاطمة المرنيسي، فقد حاول كسر “الحجاب السياسي” 4 – والعبارة لها أيضا – لكي يفضي هذا الحوار إلى تنازل الأمير عن بعض الحقوق المشتركة، وفسح المجال أمام سيرورةٍ أخرى للتطور الاجتماعي والسياسي، كالاكتشاف المبكر لاقتسام مهام الحكم، ورفع الحصانة عن الأمير، وتحرير الرقاب، لكن يد الغدر عاجلته بالسم، وبذلك عجلت بنهاية حكم الأمويين.

يتم “صرف” المال -أو بعثرته بالأحرى- على يد الأمير على شكل عطايا وهبات “للأعيان” 5 حسب مفهوم عبد الله الحمودي، وهم أهل الحل والعقد حسب التعبير التراثي: للقواد، والولاة، والأمراء، والشيوخ. فهؤلاء يملكون نواصي تابعيهم ويوجهونهم أينما شاؤوا بدون مشورتهم، لأن المقابل الذي يتقاضونه يقتضي إعادة “إنتاج” السيطرة  في محيطهم، وتكريس الاستمرارية. وشيئا فشيئا، تنضب الخزينة، فينبغي ملؤها بـ”العطايا والهبات” من قِبلِ المحرومين الذين يوهَبون مقابل ذلك “الرضا” والتقدير المعنويين. كما أن أهل الحل والعقد يسمح لهم الأمير بتجاوز القوانين والتعالي عليها، ثم ينهبون أملاك غيرهم تحت مسميات الواجب، أو امتيازات “الخدّام” كدليل على امتداد السيطرة في شخوصهم.

هذا الصرف ذو الوجهة الواحدة، يسمى تبذيرا لأنها غير سليمة،  فشراء الذمم للبقاء يُرهق، ويُسرع بالفناء. فهؤلاء لا يتوقفون عن الطلب الملح والمستمر، ولا يعيرون اهتماما للوضع الاجتماعي والأحوال العامة، فولاؤهم شديد التقلب؟؟

فهب أن التدبير هو الأصل، والتدبير يعني الوقوف دبر الشيء. فعلى  سبيل المثال، أمر الله تعالى بتدبر القرآن 6، أي بالوقوف دبر الآيات بدل استباقها بما يحمله الوعي من لا شعور، سواء كان هذا الاستباقُ بحديث، أو حكمة، أو عرف، فلا يفصل بين العقل والقرآن حاجز. إن التدبير مزيج من الصدق والتخطيط، فالأول يقوم على القوة في العزم، والتثبت، والثاني على التعقّل والوضوح التام، ثم العلم بتداول المال على الوجه الصحيح. فمسار التدبير الإنفاقُ، وليس الإسراف.

وقفة مع القرآن

اليتيم والمسكين والأسير حظوا بالأولوية في القرآن المكي، لأنهم كانوا مصدر العبودية كأصناف تستحق، ليس الهبات، بل حقوقا كاملة، فالقرآن يذكر النبي عليه السلام بأنه كان يتيما فآواه ربه، وضالا فهداه، وعائلا فأغناه، وبالمقابل يتوجب عليه ألا يقهر اليتيم وألا ينهر المسكين ويحدّث بنعمة ربه 7، كمقابل لما أسداه الله إليه، كما اقتُرن اقتحام العقبة بفك الرقبة والإطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما أو مسكينا 8. هذا الأمر في أول الدعوة – والنبي عليه السلام ليس مكينا في الأرض، بل كان محميا بعمه وزوجته – لخيرُ دليل على إلزامية الإنفاق، ولو في أحلك الظروف، بدل التواري وراء الأزمة، والتضخم، والجفاف، والعجز. فكلها مبررات فارغة تغطي التبذير والإسراف؟؟

وبعد الهجرة، وتوالي وفود المعوزين من الأعراب على المدينة، ثبّت القرآن الدعوة، ورتب الإيمان ضمن البر 9، بمعنى آخر، للبر جناحان يطير بهما لو كان طائرا: وهما الإيمان والإنفاق مما نحب، بدأ بالحاجات البيولوجية على الأصناف الثمانية وعلى رأسهم ذوو القربى،  فإذا فاض الإنفاق عن الحاجات الضرورية يتحتم التوسعةَ على ذوي القربى، ثم تباعا على الأصناف الأخرى.

ثم يربط القرآن “التعدد” 10 بالقسط في اليتامى في بيئة قاحلة لا تغطي الحاجات الضرورية، وجعل كفارة الأيمان إطعام عشرة مساكين 11، وضمن هذا المسار التضامني، رغّب في إنكاح (الزواج من)  الأيامى أي المطلقات أو الأرامل ومن لا  عائل لهن 12؛ ثم فصل في أسرى الحرب بالمنّ  أو الفداء 13، أي ليس هناك أسرى -فضلا عن السبايا-، أما عقوبة القتل الخطأ هي عتق رقبة وأداء دية إلى أهله 14، ثم شرّع للمرأة إرثا 15، ما كانت حضارةٌ سابقةٌ أو مزامنة له، بل ولا حقة عليه  بقرون، أن تعتدي على “حقوق الذكر”، ففتح الباب أمام نزع هذا الحق، بل والزيادة فيه، ولم لا، وقد أوصى للوالدين والأقربين 16– والأقربون منهم الورثة وغير الورثة – لعوزهم. وعندما سُئل النبي عن الإنفاق، لقنه القرآن “العفو” 17 أي كل ما فاض عن الحاجة، كما وجّه الأنفال لله وللرسول 18، أي للمحتاجين، ثم خصص الفيء 19، وهو ما حصل عليه المؤمنون من غنائم كتعويض لهم على العدوان الذي لاقوه من أهل القرى، للفقراء والمساكين. هذا هو القرآن.

طالع أيضا  د. بنصباحو: الكلام عن تحرر الاقتصاد المغربي يبقى لحد الآن بعيد المنال

لكن الزكاة 20 لها إطار خاص، فالضريبة على الدخل في العصر الحديث مساحة جديدة للزكاة، ونسبتها غير ثابتة على عكس ما ورد في التراث، بل تستخلص حسب سقف الدخل، في مجال المال، والاستثمار، والتجارة، والصناعة، والفلاحة، والخدمات. وليس حصرا على الربح الصافي، أو أرقام المعاملات،  بل على كل ما هو تحت ملكية الأفراد أو تصرفهم، وإن كان غير مُتداول. إنها نسبة تصاعدية.

وعلى هذا الأساس، لم ينزّل الله تعالى على رسوله جدول عمل أو مُخططا  يتَّبعه، بل أوكل إليه اختيار أنسب الوسائل لمدينته 21، وهي وسائل وآليات متطورة غير ساكنة. وللعقل كامل الحرية للتعامل مع نصوصه حسب حاجات الناس والتطور.

ماذا بعد؟

اتخذ الإنفاق  في تاريخنا أشكالا متعددة، من ضمنها الوقف والهبة والصدقات حسب العرف الاجتماعي لكل زمان، أو كما تم تأويل نصوص القرآن،  وكلها مبادرات فردية اللهم بعض الزوايا التي كانت تستقبل عابري سبيل، أو المعوزين، لكن الأمير حصر العطايا في المقربين أو الأعيان أو أهل الحل والعقد وسمِّهم ما شئت، وجافى الأراذل؟

أما في مدينة “الحداثة”، فقد أضحى اليتيم والفقير والعائل وغيره ضمن البرنامج الانتخابي للسياسيين يمينا ويسارا، وكلما تقدمتَ  شمالا، كلما أدركت هذه الحقيقة عيانا، ولهذا يتسابق المتطلعون للحكم على ضمان استقرار أثمان الطاقة والخدمات الاجتماعية، والحيلولة دون التضخم بكل أشكاله لئلا ترتفع أثمان الغذاء، أما حرية الفرد فهي من مكاسب “الحداثة” التي لا يتنازلون عنها؛ على عكس “جنة العبيط” 22. فيترجَم  الإنفاقُ إلى مجانية التعليم والصحة وعدم المتاجرة بالسكن وإيواء من لا مأوى لهم، والإنفاق على البحث العلمي بسخاء، واستقراء الأوضاع الاجتماعية بدون كلل لاستباق الأزمات بدل انتظارها.

طبعا هذا يُرهق كاهل الدولة، لكن دورها هو أن تُرهق – إن كانت من رحم الشعب، فهذا سيسعدها- لتجد حلولا جذرية، ومتينة. ومهما يكن الناتج القومي الخام ضئيلا أو ضخما، لا يعني التملص من المسؤولية، وإلا لماذا سُمّيت دَولة -حسب علمي- للتداول والمداولة، وليس لتكون دُولةً بين “الأشراف”؟ إن ضعف الناتج القومي الخام مؤشر صارخ على تنحية كل أشكال القوى المنتجة من المشاركة في التطور الاقتصادي، وتدني نسب الاستثمار.

إن الحد الفاصل بين الدولة -بمؤسساتها طبعا- التي تخدم شعبها، والدولة التي تستعبده، هو انضمام أفرادها إلى أفراد العامة، بدل التواري عنهم، وذلك بتلقي نفس الخدمات الصحية، وتلقّي أبنائهم نفس التعليم الذي يتلقاه أبناء العامة، أو النهوض بهذا القطاع الحيوي، لتقليص عامل الحظ، وفتح الباب أمام الطاقات المتوارية تحت ثرى الغبن.

لا نملّ، في تراثنا، من مدح عمر بن الخطاب كنموذج للعدل. فقد كان حديث العهد بالنبي عليه السلام، مما يعني أن الجانب الوجداني كان قويا، ثم كان حريصا على أهل المدينة راعيا لها، وهي رقعة محدودة، أما ما هو خارجها، لا يصله منها إلا ما ذاع وانتشر. وهو كنموذج فرد، يُعتبر استثناء يؤكد القاعدة التي استمرت طوال 14 قرنا من الجور والبطش،  رُكنا العصبية الخلدونية، واللذان يؤسسان للسيطرة كأمر واقع لا محيد عنه. وبالمقابل أضحت شخصيات تتولى الحكم في مجتمعات الحداثة، تخضع للمراقبة والمحاسبة وقابلية المعاقبة، تحصيلَ حاصل، أي غدا البطش والجور استثناء.

لم يكن قط عدد السكان سببا للأزمات والفقر، فقد لازم الفقر التجمعات القليلة العدد، وكذا الكثيرة العدد، والعكس صحيح كذلك، دون الحاجة لإعطاء أدلة لكثرتها، وطبعا يبقى ربط النمو الديمغرافي أو عقلنته بالنمو الاقتصادي أفضل وسيلة لتجنب التفاوت بين الطلب والعرض؛ ولهذا لا يرجع سبب الفقر إلا للتبذير والإسراف والسفه. فإذا كان الكدح سنة ربانية، كما ذكر القرآن، فإن البؤس جريمة إنسانية يجب “تدميره” حسب عبارة فيكتور هيغو.

الرسالات والناس.. كيف يمكن تدمير البؤس؟

فيكتور هيغو في خطابه الذي دعم به مقترح أرمان دي ميلان  أمام الجمعية الوطنية ب9-7-1849، لم يضع برنامجا تفصيليا لمحاربة البؤس، وإنما دعا إلى تلاحم التنفيذيين والتشريعيين معا، بتأسيس جهاز عملي مشترك. وهي دعوة تنّم عن اهتمام هذا الشاعر ذي الحس المرهف بالبؤساء، ومعارضته لنابليون المُتهوّر.

طالع أيضا  د. بنصباحو: الكلام عن تحرر الاقتصاد المغربي يبقى لحد الآن بعيد المنال

ومن آيات القرآن أنه ميز أصنافا من الناس يُخلفها البطش كنفايات اجتماعية، يتقزز منها، وكأنها خططت لنفسها أن تكون كذلك. ولهذا تتميز المدينة عن الاجتماع باعتنائها بالفرد المسكين والفقير واليتيم والأسير(…) بل إن أكبر سبب مهد للعنصرية في التاريخ، والاستعباد الذي عجز روسو عن الإجابة عنه، هو الاستيلاء على حقوق العاجزين، ثم التقزز من أحوالهم الرديئة التي تُعري القبح بكل أشكاله. وهذا البطش تُعبر عنه الآية الكريمة: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى 23.

ولهذا يخطئ الناس عندما يتوهمون أن الأنبياء و الرسل بُعثوا للتعريف بالله تعالى إلها واحدا فقط، هذا شطر من الدعوة، أما الشطر الآخر فيتجلى في نصرة المستضعفين، لكنّ بتْره من دعوة الأنبياء والرسل حالت دون التوافق بين الأديان وتطور الاجتماع. فعلى سبيل المثال، كما ورد في القرآن، بُعث نوح لنصرة الأراذل بادي الرأي، ويوسف لإنقاذ فقراء مصر من مجاعة محققة، وموسى لإنقاذ مستضعفي بني إسرائيل، وداود لطرد طالوت، وعيسى لدعم دعوة موسى، ومحمد – عليهم السلام جميعا – لتحرير الرقاب، والأسرى، وأداء حقوق  اليتامى، والأيامى، والأرامل، والمشردين، والفتيات اللائي يُرمى بهن للفاحشة من أجل المال، وهذا هو رسول القرآن وليس رسول التراث.


[1] ماكس فيبر، مقالات في سوسيولوجيا الدين، ترجمة منير الفندري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، 2015، ص 18.
[2] نفس المرجع، 24 حتى 28.
[3] فاطمة المرنيسي، سلطانات منسيات، منشورات الفنيك، 2016 طبعة فرنسية، ص 327.
[4] نفس المرجع، 327.
[5] عبد الله الحمودي، الشيخ والمريد، دار تبقال للنشر ط4، 2010، ترجمة عبد المجيد جحفة، ص47، 52.
[6] سورة “محمد” آية 24.
[7] سورة “الضحى” آيات6-7-8-9-10.
[8] سورة “البلد” آيات 11-12-13-14-15-16.
[9] سورة “البقرة”آية 177.
[10] “التعدد” ليس لفظة قرآنية تفيد الزواج من عدد محدد أو غير محدد من النساء، بل أُقحِم ضمنه ليضفي الشرعية على استباحة السبايا والجواري من غنائم الحرب. ففي الآية 3 من سورة “النساء” صِيَغ مترابطة برباط منطقي لا يمكن الفصل بينها، ومتراتبة ترتيبا عموديا بدأ بالأولى، ولهذا لا يُفهم العدل إلا بالطيب، ولا يُدرك الطيب إلا بالقسط، ومن هذا الباب تتحرر الصيغة المركبة التالية وهي “ملك اليمين” من لفظة “الجارية” العباسية، وسيأتي بيان ذلك في بحث مستقل.
[11] سورة “المائدة” آية 89.
[12] سورة “النور” آية 32، وفي الآية 22 من نفس السورة يحث القرآن أهل الفضل ألا يأتلوا، بسبب ما أصابهم من أذى، أن يؤتوا ذوي القربى والمساكين والمهاجرين بالترتيب، وأن يعفوا ويصفحوا عمن آذوهم.
[13] سورة “محمد” الآية 4، من هذا الباب يظهر أن قضية الأسر والسبي لم تكن معمولا بها، حيث لو سلمنا بها في عهد النبي عليه السلام، سنعجز عن تقييم سلوك النبي: أهو خلق قرآني أم يتجاهل التنزيل؟؟
[14] سورة “النساء” آية 92، وقد أوردت  هذه الآية القتل الخطأ من صف المؤمنين، أو من قوم عدو للمؤمنين بتحرير رقبة، أو من قوم بينهم و بين المؤمنين ميثاق من القبائل التي لم تدخل الإسلام و لكنها واثقت النبي عليه السلام بعدم الاعتداء.
[15] سورة “النساء” الآية 11، وفي الآية 12 ترك الباب مفتوحا للوصية بدون ضرر بعد تفصيل حقوق الإرث.
[16] سورة “البقرة” الآية 180 فهذه الآية تؤكد الوصية للوارث لسبب واضح، و هي تزيد من تأكيد الوصية الواردة في آية 11 من سورة “النساء”.
[17] سورة “البقرة” آية 219 .
[18] سورة “الأنفال” الآية 1 فقد انتزع الله تعالى الأنفال من يد المتناحرين عليها ليردها إلى الله و إلى الرسول.
[19] سورة “الحشر” آية 6 حتى لا يستأثر بالفيء أصحاب النفوذ، ثم تؤكد الآية 7 مستحقيه.
[20] وردت كلمة “الزكاة” 25 مرة مقترنة بالصلاة في 22 موضعا بغير تحديد لنسبتها أو لنصابها، فهي غير ثابتة، كما أن كلمة الزكاة تعبر عن نفسها، بحيث كلما زاد الربح تزيد النسبة.
[21] لو اعتمدنا التعريف السوسيولوجي للمدينة، سيظهر جليا أن مدينة النبي عليه السلام رغم بساطتها تعبر عن دينامية وحركة اجتماعية، بل وتعايش الأضداد جنبا إلى جنب رغم الاحتكاكات والنزاعات، كما أن أحوال الأفراد وانتماءاتهم قد تتغير، وسورة “المنافقون” خير دليل على ذلك. فهي ليست ساكنة كالمدن “الفاضلة” التي تخشى من التغيير، أو الديكتاتورية التي تقطع رؤوس الإصلاح.
[22] “جنة العبيط” زكي نجيب محمود، دار الشروق، الطبعة 2، 1982 كتاب يضم مجموعة مقالات أدبية وغيرها ومن ضمنها مقال “جنة العبيط” حيث كان يظن الكاتب أن “أم الدنيا” جنة لا مثيل لما حتى اصطدم بمجتمع “الحداثة” عندما كان يدرُس بلندن فسلب اهتمامَه اصطفافُ الوزير مع المواطن العادي ليأخذ نصيبه من الغذاء أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد استرجع قصته في “قصة عقل”.
[23] سورة “العلق” الآيتان 6-7.