ليس غريبا أن ينال قيادةَ جماعة العدل والإحسان من بأس المخزن وبطشه وظلمه، ومن مغارم جهودها لتعبئة الشعب لمواجهة الفساد والاستبداد نصيب الأسد؛ فهذا دأب الصادقين، أن يكونوا أول من يتصدى للمكاره، وأن ينوبوا عمن يمثلونهم في حمل الأعباء وتحمل المشاق وتجرع الآلام.

وسيرة الإمام عبد السلام ياسين شاهدة على ما تحمله رحمه الله أكثر من غيره على مدى مساره الجهادي سجنا وحصارا وتضييقا ومحاكمات… وسيرة قيادات الصف الأول في الجماعة كافٍ تَصَفُّحُهَا للتأكد من أنه ليس في جماعة العدل والإحسان مبدأ “المناضل آخر من يعتقل”، بل القائد والمسؤول عندها هو أول من يبتلى ويحاكَم ويُعتقل ويسجن ويحاصَر ويُضَيَّق عليه، وهو أول من يدفع ضريبة الكينونة مع المستضعفين العاملين التواقين إلى العدل والكرامة والحرية له ولكل الناس. وفي هذا السياق كان اعتقال أعضاء مجلس الإرشاد في تسعينات القرن الماضي والتضييق على تحركاتهم والبطش بهم كلما سنحت للمخزن فرصة.

بل إن المطلع على تعاطي الجماعة مع ملفاتها الحقوقية يلمس حرص قيادتها على أسبقية ملفات أعضائها بإزاء ملفاتها هي، على ما يطبع كل هذه الملفات من مظلومية تصب في مصب واحد.

وفي هذا السياق كذلك كان تشميع بيت الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، منذ أحد عشر عاما وحرمانه من حقه في مسكنه ضدا على القانون الذي تتبجح الدولة بحرصها على تنفيذه، هذا القانون الذي دبجت هي فصوله وأبوابه وبنوده، وكانت هي أول من أغلقها وصدها وخرقها، ضدا على جميع الشرائع والأعراف وعلى القوانين الدولية… وكل هذا على أنغام جوقة المخزن التي لم تستطع معزوفتها المكشوفة أن تغطي على الأصوات المتصاعدة المستنكرة للظلم الواقع على الجماعة في شخص أمينها العام.

طالع أيضا  ذ. الهايج: الخلفية السياسية تقف وراء قرار تشميع بيت قيادي العدل والإحسان

إن استمرار تشميع بيت الأمين العام للجماعة على مدى أحد عشر عاما، مذ كان عضوا من أعضاء مجلس إرشادها، وإلى أن أصبح على رأس قيادتها، إشارة من ناحية إلى استمرارية وتمادي المخزن في استبداده عكس ما فندته الأيام من دعوى “العهد الجديد”، ومن ناحية إلى إلى استمرارية تشبث الجماعة بمنهاجها الرفيق في التغيير، وبأسلوبها السلمي في المواجهة مع الفساد والاستبداد، وبرفض الانخراط في لعبة المؤسسات الصورية المكرسة لهما.

إن تشميع بيتي الأستاذ محمد عبادي والأستاذ الحسن عطواني مظلومة مزمنة، وإحدى ثمرات هذا الاستبداد المزمن المُرّة التي لا تزال الجماعة تتجرعها إلى حدود الساعة، تضاف إلى ثمرات ليست أقل منها مرارة في أكثر من ملف: (ملف المعتقل السياسي عمر محب، ملف الشهيد كمال عماري، ملف الإعفاءات التعسفية لأطر العدل والإحسان…). غير أن هذه المرارة لم تستطيع، ولن تستطيع، أن تحيد بالجماعة عن منهاجها وثوابتها وخطها. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.