اتفقت شرائع السماء والأرض على ملازمة الحرية للإنسان، فلا إنسان بدون حرية ولا حرية بدون إنسان. فحتى خالق الإنسان وصاحب الفضل الأول عليه في وجوده أعطاه كامل الحرية في عبادته أو عبادة غيره، قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ. ومن الحريات المكفولة للإنسان حريته في اعتناق الأفكار والآراء وممارستها بشكل سلمي وحضاري وبالآليات القانونية، في إطار ما يسمى بالحريات العامة التي تعد ركيزة دولة الحق والقانون وحصنا حصينا للاختيار الديمقراطي.

الحريات العامة في دولة القانون

تتجه الدول الديمقراطية إلى الاعتراف بالحريات العامة في قوانينها الأساسية والفرعية، وعلى رأسها الدستور، محترمة بذلك التزامها التعاقدي مع الشعب وتعهداتها الدولية، لتضمن للمواطنين ممارستها بكل حرية ومسؤولية في نطاق القانون المعبر عن إرادة الشعب. ويبقى هذا الاعتراف قاصرا عن تحقيق مقصوده ما لم تتم حماية هذه الحريات وضمان ممارستها والتصدي لكل خرق أو انتهاك لها، لهذا تلجأ الدول الديمقراطية إلى توفير آليات لحمايتها، وتعزيز ضمانات لممارستها.

وتعتبر الضمانات السياسية من أبرز هذه الضمانات، ويأتي على رأسها احترام الاختيار الديمقراطي ومبادئه الأساسية؛ من سيادة للشعب، وفصل للسلط، وتعددية سياسية، وانتخابات حرة، وغيرها من مبادئ حقوق الإنسان وحرياته المنصوص عليها في الدستور. كما تتجسد هذه الضمانات السياسية أيضا في خضوع الدولة وسلطها المختلفة وإداراتها لسيادة القانون، على عكس الدول المستبدة التي يكون فيها القانون تعبيرا عن مصالح الحكام، وتكون الحرية مجرد شعار للاستهلاك المحلي والتعمية الخارجية.

ولا تقل أهمية الضمانات القانونية والقضائية عن نظيرتها السياسية، فهي الوعاء التطبيقى والضامن لممارسة هذه الحريات والحقوق وحمايتها من كل أشكال التعسف والانتهاك، حيث ينبغي أن تكون القوانين مطابقة لروح الديمقراطية والحقوق المنصوص عليها في الدستور، ومن هذا المنطلق تلعب المحكمة الدستورية دورا مهما في تصحيح الاختلالات التي تخرج القوانين الفرعية عن روح ومقصد القانون الأساسي: الدستور. كما يلعب القضاء دورا حيويا في حماية حريات وحقوق المواطنين من تعسف السلطة والإدارة، مما ينبغي معه أن يكون القضاء مستقلا ونزيها ومنتصرا للعدالة والحق والقانون، لا أداة للعقاب في يد السلطة السياسية.

طالع أيضا  ذ. أرسلان: إتهام العدل والإحسان بالوقوف وراء كل احتجاج "أسطوانة مشروخة" ملّ الناس سماعها

الحريات العامة في دولة التعليمات

وكثيرا ما تدعي السلطة السياسية بالمغرب الاعتراف بالحريات العامة، وحقوق الإنسان عامة، وتدبج بذلك الدساتير وتفصل الشرائع والقوانين، وتؤسس المجالس والمؤسسات. لكن حجم الانتهاكات الصارخة التي ترتكبها هذه السلطة بشكل ممنهج في حق حريات وحقوق هذا الشعب تجعلنا نتساءل عن جدوى الشعارات في غياب التطبيق والالتزام بها. فالتجمعات العمومية  والاحتجاجات السلمية تفض بالقوة، والجمعيات والمنظمات المدنية السلمية  تتعرض للمنع والحل والحصار، وترتيب المغرب في حرية الصحافة خير دليل على حجم الانتهاكات التي تطالها، وهلم جرا.

وتعتبر جماعة العدل والإحسان من التنظيمات المغربية الشرعية بنص أسمى القوانين إلى أدناها، وباعتراف من أدنى الهيئات القضائية إلى أعلاها، والمعروفة بسلمية نهجها وحضارية طرحها بشهادة الكل من أبعد الخصوم إلى أقرب المتعاطفين. لكن ذلك لم يشفع لها لدى سلطة لا تقبل لا رأيا حرا، ولا فكرة معارضة، ولا طرحا مخالفا، وفاعلا مستقلا، فنالت النصيب الأوفر من التضييق والمنع والحصار والاستهداف بكل أشكاله بالاعتقالات الظالمة، وحصار دعوتها وفكرها، والتضييق على أرزاق منتسبيها، وحرمانهم من أبسط حقوقهم المدنية والسياسية، بل يحرمون حتى من حق النزهة والاستجمام والاصطياف!!

وقد كان آخر أشكال هذا الاستهداف، وليس آخره، الإعفاءات التعسفية التي تعرض لها عدد من أطر الدولة في مختلف القطاعات بدون مبرر إلا مبرر انتمائهم الفكري والسياسي لمشروع العدل والإحسان في ضرب واضح لشعار دولة الحق والقانون، وللمواثيق الدولية والدستور وكل القوانين، إلا قانون التعليمات!!

ضربة أرادها النظام تصفية لأحد الأصوات الرافضة لاستبداده والفاضحة لفساد منظومته النخرة التي لا يمكن أن تخفي غابة فسادها واجهة مزينة، فإذا بالسحر ينقلب على الساحر، حيث تداعى كل ذي مروءة وفضل إلى نصرة أبناء الجماعة والوقوف في صفهم، فأضحى النظام معزولا مخذولا، بل عرت الإعفاءات التعسفية آخر لبوس كان يوهم به الشعب بديمقراطيته وقانونيته.

طالع أيضا  ذ. أرسلان: مظاهر التصعيد السلطوي ضد العدل والإحسان مترابطة ويَنظمها قرار مركزي

وعلى العكس من مقصوده وهدفه، استمرت الجماعة ثابتة راسخة في مواقفها، ولا تزيدها الضربات الظالمة إلا وفاء لنهجها السلمي والحضاري، ولا تزيدها ضريبة الاصطفاف إلى جانب الشعب إلا شعبية وتقديرا لدى المجتمع المغربي، بل حتى لدى المخالفين لأطروحات الجماعة الفكرية والسياسية، لتتبلور مع كل محنة مخزنية تصيب شرفاء الوطن أسباب اللقاء والتداعي لميثاق إنقاد الوطن من طغمة الاستبداد وشرذمة الفساد.