بحلول شهر ماي من كل سنة يدشن “فخامة” المخزن فضيحة حقوقية وقانونية وسياسية لم يعرف لها التاريخ الحديث للبلد مثيلا، ففي هذه السنة تحل الذكرى الحادية عشرة لتشميع بيوت أعضاء العدل والإحسان ومن أبرزهم بيت الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي، الكائن بوجدة، في خرق فاضح للفصل 24 من الدستور الذي ينص على أن “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة. لا تنتهك حرمة المنزل. ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون”.

هي فضيحة إذن من العيار الثقيل تلفح وجه النظام الكالح والبارع فقط في التضييق على المعارضين واضطهاد والفضلاء وذوي المروءة من أبناء هذا الوطن الحبيب. فما هو موقف المشرع المغربي والعمل القضائي من قضية التشميع يا ترى؟

1) موقف المشرع من التشميع

إذا كان الفصل 6 من الدستور يؤكد على أن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع متساوون أمامه”، فالواقع عكس ذلك تماما، إذ شتان ما بين النص والتطبيق؛ فعندما نطلع على الفصل 62 من القانون الجنائي الذي ينص على أن: “التدابير الوقائية العينية هي: 1ـ مصادرة الأشياء التي لها علاقة بالجريمة أو الأشياء الضارة أو الخطيرة أو المحظور امتلاكها. 2ـ إغلاق المحل أو المؤسسة التي استغلت في ارتكاب الجريمة”. نجد أن إغلاق المحلات لا يكون إلا نتيجة استغلالها في ارتكاب جريمة ما، والحال أنه عندما تم تشميع البيت لم ترتكب أي جريمة، وما وقع هو أنه تم اقتحام بيت الأستاذ محمد عبادي وإخراج من كان فيه والاستماع لهم وإخلاء سبيلهم دون أية متابعة أو توجيه تهمة تذكر مع الإشارة إلى أن الغريب في الأمر أنه لم يتم الاستماع لصاحب البيت أصلا، وهكذا بقي البيت مغلقا من طرف الشرطة وتحت حراستها، وبعد اتصال صاحب البيت ودفاعه بجميع الجهات المعنية المتمثلة أساسا في الوكيل العام ووكيل الملك ووالي الجهة الشرقية ووالي الأمن، لمعرفة مصدر قرار إغلاق منزله أكدوا له جميعا بأنهم لم يصدروا أي تعليمات في الموضوع، فأين هو سمو القانون ومساواة الجميع أمامه حسب ما جاء في الدستور؟

أما الفقرة الثانية من الفصل 90 من القانون الجنائي فتنص على أن: “ومدة الإغلاق المؤقت لا يجوز أن تقل عن عشرة أيام ولا أن تتجاوز ستة أشهر، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك”.

طالع أيضا  من الرباط.. انطلاق القافلة التضامنية مع أصحاب البيوت المشمعة

فبغض النظر عن الجهة المخولة قانونا بإغلاق مثل هذه المحلات- يتعلق الأمر هنا بالمحكمة كجهة وحيدة مختصة قانونا بذلك دون غيرها ولا تملك هذه الصلاحية حتى النيابة العامة ناهيك عن أي جهة إدارية أخرى مهما كان مستواها- فإن مدة الإغلاق حسب الفصل 90 أعلاه محددة بين 10 أيام كحد أدنى و6 أشهر كحد أقصى، والحال أن المنزل مغلق منذ 25 ماي 2006 أي مدة 11 سنة، فأين هو سمو القانون ومساواة الجميع أمامه حسب ما جاء في الدستور؟

2) موقف القضاء من التشميع

ينص الفصل 126 من الدستور على أن: “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع”، وبما أن الأمر كذلك فقد سبق للقضاء -بمختلف درجاته ابتدائيا واستئنافيا وعلى مستوى محكمة النقض- أن أصدر أحكاما وقرارات نهائية تعتبر قرارات التشميع غير مشروعة والجهة التي أصدرته غير مختصة بل إن القضاء برأ أصحاب البيوت المشمعة من المتابعات التي سطرتها النيابة العامة في حقهم والمتعلقة بالجنحة المنصوص عليها في الفصل 273 من القانون الجنائي “كسر الأختام الموضوعة بأمر من السلطات العامة”، نذكر منها على سبيل المثال:

* ابتدائيا واستئنافيا:
1ـ الحكم الابتدائي عدد 1378 الصادر بتاريخ 19/4/2011 في الملف الجنحي عدد 819/11 عن المحكمة الابتدائية بالناظور، والقاضي لفائدة السيد فريد زروال بالبراءة من تهمة كسر أختام منزله الكائن بزايو، الذي جاء في حيثياته: “حيث أن إغلاق المحل يعتبر من التدابير الوقائية العينية طبقا للفصل 62 من القانون الجنائي ويجب أن تقضي به المحكمة التي تصدر العقوبة الأصلية.
وحيث أنه في نازلة الحال قام السيد الوكيل العام للملك بأمر الدرك الملكي بتشميع المحل قبل صدور الحكم من أجل الأفعال المتابع من أجلها.
وحيث أنه لا يوجد في ملف النازلة ما يفيد صدور حكم ضد المتهم قضى بتشميع المحل موضوع النازلة.
وحيث أنه بالرجوع إلى ظهير 1958 المتعلق بالتجمعات العمومية يتضح أنه لا ينص من بين التدابير الوقائية على إغلاق المحلات التي تعقد فيها التجمعات العمومية بدون تصريح وبالتالي يبقى أمر إغلاق منزل المتهم عمل غير مشروع وبالتالي فإن قيام المتهم بكسر الأختام والدخول إلى المحل عملا مبررا ما دام أن وضع الختم بداية كان من جهة غير مخولة لها قانونا القيام بذلك وقبل صدور العقوبة الأصلية وهذا ما جاء في قرار للمجلس الأعلى عدد 2165/5 المؤرخ في 03/12/2008 ملف جنحي عدد 10801/6/5/2007.
وحيث إنه واستنادا لما سبق تكون جنحة كسر الأختام غير ثابتة في حق المتهم ويتعين معه التصريح ببراءة المتهم من أجل المنسوب إليه”.
وهذا الحكم تم تأييده بالقرار الاستئنافي الصادر بتاريخ 19/4/2012 في الملف الجنحي عدد 1334/11 عن محكمة الاستئناف بالناظور.

طالع أيضا  الصحفي المرابط: تشميع بيت حساني ظلم جلي والنظام غير قادر على تلبية احتياجات المغاربة

2ـ الحكم الابتدائي عدد 1896 الصادر بتاريخ 21/6/2011 في الملف الجنحي عدد 890/11 عن المحكمة الابتدائية بالناظور والقاضي لفائدة السيد الحسن مرجاني بالبراءة من تهمة كسر أختام منزله الكائن بالعروي، الذي جاء في حيثياته: “حيث إنه بعد اطلاع المحكمة عل أوراق الملف ومستندات القضية تبين لها أنه خال من أي قرار أو أمر قضائي صادر عن محكمة مختصة قضى بوضع الأختام على محل المتهم مما تكون معه التهمة المتابع بها الظنين غير تامة العناصر ويتعين بالتالي التصريح ببراءة الظنين منها”.
وهذا الحكم كذلك تم تأييده بالقرار الاستئنافي الصادر بتاريخ 26/4/2012 في الملف الجنحي عدد 1388/11 عن محكمة الاستئناف بالناظور.

3ـ الحكم الابتدائي عدد 1377 الصادر بتاريخ 19/4/2011 في الملف الجنحي عدد 654/11 عن المحكمة الابتدائية بالناظور والقاضي لفائدة السيد جمال البوطيبي بالبراءة من تهمة كسر أختام منزله الكائن بالناظور، الذي جاء في حيثياته: “حيث صرح الظنين تمهيديا عند الاستماع إليه بكونه سبق أن صدر قرار استئنافي قضى ببراءته من أجل كسر أختام موضوعة بأمر السلطة العامة وعقد تجمع عمومي بدون الحصول على إذن والذي تم إبرامه بمقتضى قرار المجلس الأعلى عدد 10801/6/5/2007 ونظرا لتضرره من هذا الوضع قام بكسر الأختام الموضوعة على منزله.
وحيث أن إغلاق المحل أو المؤسسة التي استغلت في ارتكاب الجريمة يعتبر من التدابير الوقائية العينية طبقا للفصل 62 من القانون الجنائي ويقتضي صدوره كعقوبة أصلية والحال أن الملف خال مما يفيد صدور حكم قضائي بذلك مما تبقى معه الأختام الموضوعة على منزل الظنين تفتقر للشرعية طالما أن لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص وإن قيامه بالدخول إلى منزله يبقى مبررا بعد كسر الختم من طرفه طالما أن الأمر قد تم لمواجهة عمل غير مشروع مما تبقى معه عناصر الجنحة موضوع المتابعة غير قائمة في نازلة الحال ويتعين التصريح ببراءة المتهم منها”.

طالع أيضا  انطلاق الندوة الصحفية التي تنظمها العدل والإحسان بخصوص البيوت المشمعة

*محكمة النقض:
يتعلق الأمر بالقرار عدد 2165/5 المؤرخ في 03/12/2008 ملف جنحي عدد 10801/6/5/2007 الصادر عن محكمة النقض بين الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالناظور والسيد جمال البوطيبي، الذي جاء في حيثياته: “حيث إن الشرطة القضائية قامت بإغلاق منزل المتهم وتشميع بابه بناء على تعليمات الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالناظور وإن المتهم قام بفتح باب المنزل بعد أن قام بكسر الختم.
وحيث إن إغلاق المحل أو المؤسسة التي استغلت في ارتكاب الجريمة يعتبر من التدابير الوقائية العينية طبقا للفصل 62 من القانون الجنائي ويجب أن تقضي به المحكمة التي تصدر العقوبة الأصلية والحال أن إغلاق منزل المتهم كان بأمر من الوكيل العام للملك وقبل صدور الحكم من أجل الأفعال المتابع بها المتهم.
وحيث إنه بمراجعة ظهير 1958 المتعلق بالتجمعات العمومية يتضح أنه لا يتضمن كتدبير وقائي إغلاق المقرات أو المحلات التي يعقد فيها التجمعات العمومية بدون تصريح وعليه يبقى أمر إغلاق منزل المتهم عملا غير مشروع وبغض النظر عن قيام المتهم بكسر الختم الموضوع على منزله أو عدم قيامه بذلك فإن الدخول إلى المنزل بعد كسر الختم من طرف المتهم يبقى مبررا ما دام أن وضع الختم بداية كان من جهة غير مخولة قانونا للقيام بهذا التدبير وقبل صدور العقوبة الأصلية.
وحيث إنه واستنادا إلى ما ذكر تكون جنحة كسر أختام موضوعة بأمر السلطة العامة غير ثابتة في حق المتهم وإن الحكم المستأنف عندما قضى بإدانته من أجلها كان مجانبا للصواب ويتعين إلغاؤه في هذا الجانب”.

أخيرا نتساءل عن موقع السلطة القضائية ومدى احترام مقرراتها والسهر على تنفيذها في إطار مبادئ فصل السلط واستقلال القضاء المنصوص عليها في الفقرة الثانية من الفصل الأول والفصل 107 من دستور 2011 الذي يبدو أنه ما زال حبرا على ورق ويعاني هو الآخر من التشميع.