أيام قلائل ويحل علينا الضيف الكريم، شهر البركات والنفحات، رمضان المطهر كما كان يبشر رسولُ صلى الله عليه وسلم أصحابه بقدومه، فهو فرصة التائبين وطهرة المذنبين وبغية المحبين، شهرٌ فَضَّله المولى على سائر الشهور فخص به أفضل خلقه بأفضل الكلام: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان (البقرة آية 185).

تعظيم ما عَظم الله من شعائر شَرعٌ من الشرع، والمغبون مَنْ غُبِنَ خَيْرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهُمَا فتساوى يوم صومه ويوم فطره، أما الكيس فمن شَغل شهرَ صومِه بالعبادات تعبدًا وإقبالا فرضًا ونفلا، فاتخذ القرآنَ الكريم على ممر سائر أيام رمضان أنيسَه وجليسَه نظراً وعملاً، قراءة وتدبرًا، فأقبل عليه بكُليته حتى يصير قرآنا يمشي بين الناس، قال عليه السلام: “أفضل عبادة أمتي القرآن”[1]، وعن عقبة بن عامر: “عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: عليكم بالقرآن”[2].

جوارحٌ قرآنية: ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (الإسراء آية 36)، فللجوارح تسبيحها وعبادتها وذكرها. فالعين لها حظها من عبادة النظر في كتاب الله، فعن ابن مسعود قال: “أديموا النظر في المصحف”[3]، فإن أمطرت العين اعتبارا فتلك البُغية، وتمام الاندراج مع السبعة تحت ظل الرحمان، “فالبكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين.. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ حُزْنٌ فَلْيَبْكِ عَلَى فَقْدِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ[4] “. ثم جارحة الأذن استماعا وإصغاءً وانصاتًا، عبر أصوات شجية منتقاة “إذا سمعته يقرأ أُريت أنه يخشى الله”[5] ،حتى ترتشِفَ الأذنُ أسراره كأنه وحي قريب عهد بربه يتنزل من السماء، امتثالا لأمر الله واقتداءً بخير البرية عليه السلام وصَحبه الأطهار. كان عمر رضي الله عنه إذا اجتمع الصحابة قال: “يا أبا موسى ذكّرنا ربّنا فيندفع أبو موسى يقرا بصوته الجميل وهم يبكون”[6]، أما حظ اللسان فإحياءٌ لسنة الحالّ المرتحل، الْخَاتِم الْمُفَتَتِح، “الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ”[7] ، ولنا في بسلفنا الصالح السبق لمن أراد المزاحمة بالرُّكب.
 قلوب وعقول قرآنية: بعيدًا عن جدل المفاضلة بين كثرة الختمات والتدبرِ، فحظ العقول والقلوب من كتاب ربها التدبرُ والتذكر والتفكر والتأمل والنظر والاعتبار، فالقلوب صناديق مغلقة وأوعية مظلمة حتى يتسلل إليها نور القرآن عبر العقول الحكيمة المستنبطة أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (محمد آية 23)، فيُحييها ويُطَهِرها من غُبن الغفلة حتى يُثمر العلم النافع عملا صالحًا، قرأ رجل القرآن على بعض العلماء، قال: فلما ختمته أردت الرجوع من أوله فقال لي: اتخذت القراءة عليّ عملا اذهب فاقرأه على الله تعالى في ليلك وانظر ماذا يفهمك منه فاعمل به[8].

طالع أيضا  القارئ محمد بهلافي: ما تيسر من سورة فاطر

همم قرآنية: هممٌ سامقة تُسارع وتُسابق ،تصبر وتصدُق، ولا يُلهيها صادّ عن بلوغ المرام حتى تندرج ضمن أهل الله وخاصته، فعن أنس رصي الله عنه قال “كان الرجل إذا قرأ (حفظ) البقرة، وآل عمران، جَدَّ فينا (يعني عظم)”[9].

بيوتات قرآنية: يتنافس أهلها في حفظه وقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة، تمنعهم مناجاة ربهم لذيذَ منامهم في الأسحار، بيوتهم كبيوت الصحابة “يسمع لها دوي كدوي النحل بالقرآن”[10]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار”[11]، فقد كان أنس بن مالك إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا بهم.

فاللَّهُمَّ سَلِّمْنَا لِرَمَضَانَ، وَسَلِّمْهُ لَنَا، وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا حَتَّى يَخْرُجَ رَمَضَانُ وَقَدْ غَفَرْتَ لَنَا، وَرَحِمْتَنَا، وَعَفَوْتَ عَنَّا.

[1] شعب الإيمان، البيهقي، باب تعظيم القرآن، باب إدمان تلاوة القرآن
[2] المعجم الكبير، أبو القاسم الطبراني،
[3] شعب الإيمان، البيهقي ،باب في تعليم القرآن
[4] فتح الباري شرح صحيح البخاري، بَابُ الْبُكَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
[5] مسند الدارمي، باب التغني بالقرآن
[6] مسند الدارمي، باب التغني بالقرآن
[7] شعب الإيمان، البيهقي، باب تعظيم القرآن، باب إدمان تلاوة القرآن
[8] مقدمة المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي
[9] مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه
[10] مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزُّرْقاني
[11] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر