سعيد بوزردة
محام – خبير حقوق إنسان

وأنا ألقي مداخلة بالمنتدى الاجتماعي العالمي، قبل 06 سنوات، في موضوع أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، تناولت وضع المغرب، الذي تنتهج فيه الدولة انتهاكات ممنهجة ضد ثلاث فئات من الشعب موضوع الدراسة، وهي تنظيم العدل والإحسان، وحاملي الشهادات المعطلين، ومناضلي حراك 20 فبراير، احتج على أحد الحضور وهو برلماني مغربي، نافيا أن تكون الدولة المغربية تتبنى أي تمييز ممنهج ضد أي كان، وسجل انسحابه من المحاضرة.

واليوم، وبعد سريان دستور 2011 الذي احتج علي به صديقي البرلماني وزميلي في المهنة والناشط الحقوقي أيضا، وأمام مرحلة جديدة متجددة من هجمات الدولة على تنظيم العدل والإحسان، أعود لأشرح لزميلي الناشط الحقوقي؛ ومن خلاله لجميع الزملاء الحقوقيين الذين تشدهم الغيرة على الحق والعدل؛ ذلك الموقف القديم/الجديد، وقد عاين وسمع، ككلنا، عدد المعتدى عليهم من الموظفين المنتمين لهذه الجمعية، خلال هذين الأسبوعين على الخصوص، بحيث تم إعفاء من منصب المسؤولية أو المهمة الإدارية أو الإطار الوظيفي لأغلب المعروفين بانتمائهم لجماعة العدل والإحسان من أطر وزارة التعليم بأغلب الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بالمغرب بكل من مدن وجدة، الناضور، الحسيمة، تازة، طنجة، تطوان، شفشاون، سلا، خنيفرة، برشيد، آسفي، بني ملال، أزيلال، قلعة السراغنة، أكادير، تارودانت، زاكورة، سيدي إيفني، وصولا إلى مدينة الداخلة. وإعفاء الأساتذة المتعاقدين أيضا، وترسيب الطلبة الأساتذة، والرسائل السرية المسربة عن مصالح وزارة الداخلية، بإحصاء كل المتدينين المنتمين للجمعيات الإسلامية وفق قوائم وقواعد بيانات خاصة، قبل تاريخ 15 فبراير 2017، بما فيهم جماعة العدل والإحسان التي نعتها الفاكس السري بالمحظورة.

هل ما تمارسه الدولة تجاه جماعة العدل والإحسان والأعضاء المنتمين إليها، يعد تمييزا في القانون الدولي لحقوق الانسان؟ وما وضعية المغرب إزاء الالتزام الدولي بشأن التمييز الذي هو واحد من أوضح مظاهر العنصرية؟ وهل يعذر المجتمع الحقوقي المغربي في مثل هذه الخروقات؟

أولا: ما هو التمييز، ومتى يكون عنصريا؟

عرفت الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والتي دخلت حيز التنفيذ منذ سنة 1969، والمعتبر المغرب مصادقا عليها، وحين فصل قانونه الجنائي انضباطا لالتزاماتها، “التمييز العنصري” بأنه “أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، علي قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة”.

ولتحديد دقيق لخطوات القطع مع التمييز والعنصرية حددت الاتفاقية أهم التزامات الدول الأطراف بشأن شجب ومحاربة التمييز ضد الأشخاص أو التنظيمات، والتي هي من صميم هذا المقال في ما يلي:

– تتعهد كل دولة طرف بعدم تشجيع أو حماية أو تأييد أي تمييز عنصري يصدر عن أي شخص أو أية منظمة،

–  تتخذ كل دولة طرف تدابير فعالة لإعادة النظر في السياسات الحكومية القومية والمحلية، ولتعديل أو إلغاء أو إبطال أية قوانين أو أنظمة تكون مؤدية إلي إقامة التمييز العنصري أو إلى إدامته حيثما يكون قائما،

–  تقوم كل دولة طرف، بجميع الوسائل المناسبة، بما في ذلك التشريعات المقتضاة إذا تطلبتها الظروف، بحظر وإنهاء أي تمييز عنصري يصدر عن أي أشخاص أو أية جماعة أو منظمة،

–  تتعهد كل دولة طرف بأن تشجع، عند الاقتضاء، المنظمات والحركات الاندماجية المتعددة الأجناس والوسائل الأخرى الكفيلة بإزالة الحواجز بين الأجناس، وبأن تثبط كل ما من شأنه تقوية الانقسام العنصري.

والتزامات الدول، التي من بينها المغرب، بمقتضى الاتفاقية، لا تتوقف فقط عند شجب التمييز ووضع حد له،  سواء كان مصدره الأفراد أو المنظمات أو مؤسسات الدولة أو القوانين التشريعية أو الضوابط والقرارات التنظيمية، بل تتجاوزه، ليقع على عاتق الدولة التزاما أكبر، وهو الحرص على ضمان فرص نماء التنظيمات أو الأشخاص الذين عانوا أو يعانون من التمييز، والذي يفترض أن نميزهم إيجابيا بضمان الدولة الطرف خلق فرص أكبر لنمائهم فكريا وسلوكيا وصحيا، وتدرجا في المسؤولية، بحيث نصت الاتفاقية على أنه: “تقوم الدول الأطراف، عند اقتضاء الظروف ذلك، باتخاذ التدابير الخاصة والملموسة اللازمة، في الميدان الاجتماعي والميدان الاقتصادي والميدان الثقافي والميادين الأخرى، لتأمين النماء الكافي والحماية الكافية لبعض الجماعات العرقية أو للأفراد المنتمين إليها، على قصد ضمان تمتعها وتمتعهم التام المتساوي بحقوق الإنسان والحريات الأساسية. ولا يجوز في أية حال أن يترتب على هذه التدابير، كنتيجة لذلك، إدامة أية حقوق متفاوتة أو مستقلة تختلف باختلاف الجماعات العرقية بعد بلوغ الأهداف التي اتخذت من أجلها”.

وبالتالي فكلما كان التمييز قائما وممنهجا ضد فئة من الأشخاص، أو جماعة من الناس، أو مؤسسة أو تنظيم أو حزب معين بذاته من طرف الدولة، على واحد من الأسس الاجتماعية أو الدينية أو الفكرية أو العرقية، كانت العنصرية.

وكلما كانت دولة طرف في الاتفاقية، وتتبنى فلسفتها ومحدداتها، وتلتزم بالإلزام الوارد فيها، ومع ذلك تخفي وقائع التمييز الذي يمارسه بعض الأفراد أو المجموعات في المجتمع، تكون في موضع المساءلة والمؤاخذة لتقصيرها في تنزيل الاتفاقية موضع التنفيذ فوق أراضيها، وعندما يثبت أن الدولة نفسها تمارس التمييز الممنهج والمقصود فوق ترابها، تكون في موضع الدولة العنصرية المنبوذة في المجتمع الحقوقي، مع ما يترتب عن ذلك من آثار.

ثانيا: كيف يسوق المغرب تقدمه في القضاء على التمييز وانضباطه لبنود الاتفاقية؟

يظل التقرير الدوري المشترك 17 و18 الذي تقدم به المغرب أمام لجنة القضاء على التمييز العنصري بمقر المندوبية السامية لحقوق الإنسان، تقريرا مرجعيا كأهم عملية تسويق المغرب لواقعه الحقوقي، جسده في توضيح قطعه مع ماضي الانتهاكات المعتبرة تمييزا بسبب الجنس أو الدين أو الأصل القومي أو بسبب المعتقد المذهبي والفكر السياسي، وأنه دشن عهدا جديدا لا تمييز ولا عنصرية فيه، وهو مغرب العهد الجديد الأكثر قربا وحرصا على دولة حقوق الإنسان. وسوف نورد الفقرات بعينها لتتضح الرؤيا.

فبمناسبة تقديم المغرب لقطعه مع ماضي التمييز والعنصرية، وتدشين مرحلة جديدة لا تمييز سياسي فيها، أورد في الفقرتين 4 و5 من مقدمة التقرير ما يلي:

4- إن المملكة المغربية المؤمنة بمبادئ حقوق الإنسان الملتزمة بها دستورياً كما هي مكرسة عالمياً، لم تفتأ تبادر إلى اتخاذ جميع التدابير القانونية والمؤسساتية الرامية إلى ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان ونبذ التمييز العنصري بجميع أشكاله، ولعل أبرز ما ميز الفترة الموالية لتقديم التقرير السادس عشر، هو مبادرة المغرب إلى وضع منهجية تدقيقية لتشخيص حالة ممارسة الحقوق المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية، وتحليل هذه الوضعية والوقوف على النواقص وتحديد السياسات الواجب اتباعها لتجاوزها.

5- وفي هذا الصدد بادرت المملكة المغربية إلى وضع تشخيص لماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فأنشأت لهذه الغاية هيئة الإنصاف والمصالحة التي قامت على مدى حوالي سنتين باستقبال شكاوى الضحايا والبحث فيها وتنظيم جلسات استماع عمومية أتاحت من خلالها لهؤلاء فرصة عرض الانتهاكات التي تعرضوا لها في السابق، باعتبارها أخطاء يتعين تجاوزها في المستقبل. وقد تمكنت الهيئة عبر مختلف الوسائل التي اعتمدتها من الوقوف على ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتحديد ضحاياها وتقدير تعويضهم، وأعدت بذلك تقريراً تضمن عدداً من التوصيات والاقتراحات الرامية إلى وضع الآليات التشريعية والعملية الكفيلة بعدم تكرار تلك الانتهاكات في المستقبل مع جبر الضرر المادي والمعنوي، الفردي والجماعي.

وأقر التقرير بمناسبة التدليل على الانضباط في تطبيق للمواد من 02 إلى 07 من الاتفاقية أن التوجه المرحلي للملكة المغربية، هو محاربة التمييز بكل أشكاله والحرص على التنمية في بعدها الحقوقي الكامل، الذي يجعل من أولوياته حماية الفكر السياسي والطائفة السياسية.

وأن هدف المملكة هو بناء مجتمع تشاركي، وفق ما تضمنته الفقرات 10 و11 و12، بقولها:

10- تؤكد المملكة المغربية تشبتها الدائم بمبادئ الكرامة والمساواة بين جميع البشر كما تجدد تمسكها بمبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالمياً، وتدين بشدة أي شكل من أشكال التمييز وتمنع أي نوع من أنواع اللامساواة داخل أراضيها.

11- واعتباراً لأحكام الدستور لا سيما الفصل الخامس منه، فإن المغاربة جميعاً سواسية في الحقوق والواجبات، سواسية أمام القانون دون تمييز، سواء كان هذا التمييز مستنداً إلى اعتبارات تتعلق باللغة أو الجنس أو الدين أو الثقافة أو الانتماء السياسي أو الثقافي أو الجهوي، ذلك أن تنوع أصول الساكنة بالمغرب بين عرب وأمازيغ، مسلمين ومسيحيين ويهود، بيض وسود، كان وما زال يشكل مصدراً للتنوع والغنى الداعمين للوحدة حيث عاشوا جنباً إلى جنب منذ قرون وتلك إحدى مزايا وخصائص الشعب المغربي.

12- ولتأكيد توجه المملكة المغربية الرامي إلى منع ومحاربة كافة مظاهر التمييز والتهميش، تم اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الهادفة إلى تكريس المساواة بين مختلف مكونات المملكة وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إضافة إلى دعم مؤسسات حماية حقوق الإنسان وتوفير الإطار التشريعي المناسب لإلغاء كل مظاهر التمييز في إطار منظور شمولي يستهدف بناء مشروع مجتمعي حداثي تشاركي.

وقد أبان التقرير أن المغرب قد تجاوز مرحلة التمييز بسبب اللون السياسي سواء للأفراد والتنظيمات، بل إنه  بادر إلى تجريم هذه السلوكات حفاظا على المواطنين والوطن أفرد التقرير:

13- على المستوى التشريعي وانسجاماً مع تقرير المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية والتمييز المنعقد بديربان سنة 2001، وتماشياً مع الملاحظات الختامية للجنة القضاء على التمييز العنصري بشأن التقارير الدورية الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر (CERD/C/62/CO/5)، الفقرة 12، بادر المشرع الوطني إلى تجريم التمييز بشكل صريح وواضح ووضع له تعريفاً يتلاءم مع المواثيق الدولية خاصة مع مقتضيات المادة 1 من الاتفاقية. وفي هذا الإطار جرم القانون المتمم لمجموعة القانون الجنائي الصادر بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2003 التمييز في الفصل 1-431 مكرر، وعرّفه “بكونه كل تفرقة بين الأشخاص الطبيعيين بسبب الأصل الوطني أو الأصل الاجتماعي أو اللون أو الجنس أو الوظيفة العائلية أو الحالة الصحية أو الإعاقة أو الرأي السياسي أو الانتماء النقابي أو بسبب الانتماء أو عدم الانتماء الحقيقي أو المفترض لعرق أو لأمة أو لسلالة أو لدين معين” ويعاقب على جريمة التمييز في القانون المغربي بالحبس من شهر إلى سنتين وغرامة مالية من ألف ومائتين إلى خمسين ألف درهم (الأورو الواحد يساوي حوالي 10 دراهم).

14- ولا يقتصر تجريم الأفعال التمييزية على تلك التي تطال الأشخاص الطبيعيين فحسب، وإنما يمتد إلى كل أشكال التمييز والتفرقة التي قد يتعرض لها الأشخاص المعنويون، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 1-431 مكرر على أنه “يكون أيضاً تمييزاً كل تفرقة بين الأشخاص الاعتباريين بسبب أصل أعضائها أو بعض أعضائها أو جنسهم أو وضعيتهم العائلية أو حالتهم الصحية أو إعاقتهم أو آرائهم السياسية أو أنشطتهم النقابية أو بسبب انتمائهم أو عدم انتمائهم الحقيقي أو المفترض لعرق أو لأمة أو لسلالة أو لدين معين”.

وقد أسهب المغرب في الحديث عن عهده الجديد؛ حسب صريح الفقرات من 15 إلى 41 بشمول محاربته للتمييز، حتى ذلك التمييز الذي يمارسه الأفراد العاديون غير المحسوبين على جهاز الدولة، وأيضا بتجريم التمييز في علاقات الشغل، وضد المرأة، وضد نزلاء المؤسسات السجنية باعتبارهم أيضا مواطنين مغاربة، فالمغرب ملتزم بعدم تمييزهم داخل التراب المغربي، وضد المهاجرين والمهاجرين السريين غير الشرعيين.

ولم يستثني المغرب في تقريره، أنه كرس مبدأ المساواة في تولي الوظائف العمومية، بعيدا عن منطق التمييز لأي سبب كان، وهو ما أورده في الفقرة 137 من التقرير بقوله:

137- استناداً إلى أحكام الدستور (الفصلان 8 و12)، فإن مجال المشاركة في صناعة القرارات ذات الأثر الكبير في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمغرب، مفتوح للمواطنين من الجنسين، ولا تحد من هذه المشاركة إلا الشروط الموضوعية المرتبطة بالتدريب والكفاءة البدنية التي تكون ضرورية لممارسة هذا الحق، وعليه فإن المهام الانتخابية والمناصب الإدارية مفتوحة أمام جميع فئات المواطنين من الجنسين كيفما كانت أصولهم العرقية وانتماءاتهم الدينية دون أي تمييز.

ولم ينسى التقرير أن يذكر، بأنه يستحضر ضرورات التأهيل النفسي والبدني والمهني للأشخاص الذين عانوا سابقا من التمييز والذي كلف خزينة الدولة ملايين الدراهم، قبل أن يصبح المغرب الحديث، مغربا بدون تمييز، بحث أورد في المادة 42 ما يلي:

42- وبالإضافة إلى التعويض المادي لهؤلاء الضحايا أو لذوي حقوقهم، قامت الهيئة بتقديم مقترحات وتوصيات لحل قضايا التأهيل النفسي والصحي والإدماج الاجتماعي للضحايا الذين يستحقون ذلك وحل المشاكل ذات الصبغة القانونية والإدارية والمهنية لهؤلاء الضحايا. وهكذا فقد بلغ العدد الإجمالي للمستفيدين 455 16 شخصاً بتكلفة وصلت لأى حدود شهر أيلول/سبتمبر 2008 ما مجموعه (495.00 658 624) درهم.

ثالثا: حقيقة التزامات المغرب من خلال وضع جماعة العدل والإحسان!!!

جماعة العدل والإحسان، مؤسسة أو إطار أو تنظيم أو جمعية، مشكل من المواطنين المغاربة، ينشط فوق التراب المغربي، مؤسس طبقا للقانون المغربي، وصرح القضاء في أكثر من عشرات المرات، بما فيه قرارات المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا)، بأن هذا التنظيم يعمل في إطار المشروعية الواضحة.

 ومن باب التوضيح أن نشير إلى قرارين مرجعيين في قانونية الجمعية والشعار، وقرار في بيان سلمية هذا التنظيم القانوني غير المحظور:

أولهما، القرار عدد 1892 المؤرخ في 24/04/1990، الصادر عن محكمة الاستئناف بالقنيطرة، والذي رفض فيه طعن النيابة العامة بالنقض، الذي جاء فيه:

“وحيث صرح المتهمون جميعا باستثناء… بأنهم أعضاء في الجمعية الخيرية للعدل والإحسان بسيدي يحيى الغرب، وأنهم انخرطوا في هذه الجمعية بكيفية نظامية، وأصبحوا يتعارفون فيما بينهم ويتعاطون لنشاطهم في الدائرة المذكورة.

وحيث إنه من الثابت من أوراق الملف أن الجمعية المذكورة قد قامت بإيداع نظامها الأساسي بكتابة الضبط لدى المحكمة الابتدائية بالرباط بتاريخ 26/04/1983 حسب الوصل المسلم بنفس التاريخ وذلك طبقا للكيفية المنصوص عليها في الفصل الخامس من ظهير 15/11/1958، الأمر الذي يفيد بأن تلك الجمعية قد أنشئت بكيفية صحيحة وتمارس نشاطها في ظل من المشروعية الواضحة تؤكدها المقتضيات القانونية المشار إليها، ويدعمها نظامها الأساسي الذي ثم الإعلان عنه وإيداعه وفق مسطرة سليمة”.

وثانيهما، قرار محكمة الاستئناف بأكادير عدد 11484 بتاريخ 31/12/2003 الذي جاء فيه:

“وحيث إن الحكم الابتدائي قد أسس ما قضى به من إدانة الظنين من أجل ما نسب إليه على كونه عندما صرح كتابة للموقع الإلكتروني برأيه حول القانون الجديد المتعلق بمكافحة الإرهاب ذكر أنه يمثل نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، وليس جمعية الجماعة الخيرية للعدل والإحسان، وكونه لم يقم بالتصريح والإيداع المنصوص عليهما في الفصل الخامس من الظهير المشار إليه لإعلان التغيير المدخل على الاسم الأصلي للجمعية.

لكن ثبت للمحكمة من خلال مناقشة القضية ودراسة وثائق الملف أن الأمر لا يتعلق بوجود جمعيتين واحدة باسم “جماعة العدل والإحسان” وأخرى باسم “جمعية الجماعة الخيرية للعدل والإحسان”، وإنما هناك جماعة واحدة وهي المسجلة بصفة قانونية كما أشير إلى ذلك أعلاه وثم ذلك تحت اسم “جمعية الجماعة الخيرية” إلاّ أنها عرفت باسم شعارها “العدل والإحسان” كما أكد ذلك الظنين أمام المحكمة، وما يزكي ذلك مراسلة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية لمؤسسها عبد السلام ياسين واصفا إياه بالمسؤول عن “جمعية العدل والإحسان” من خلال الرسالة المدرجة بالملف.

… وبذلك تكون التهمة المنسوبة للظنين غير ثابتة في حقه وإدانته من طرف الحكم الابتدائي غير مبنية على أساس قانوني سليم مما يتعين معه إلغاء الحكم الابتدائي المشار إلى منطوقه أعلاه والتصريح من جديد بعدم مؤاخذة الظنين من أجل ما نسب إليه والقول ببراءته منه”.

وقد سبق للقضاء الجنائي بغرفة الإرهاب، أن أوضح بأن هذه الجماعة تعمل في إطار المشروعية الواضحة، بوسائل سلمية وقانونية، وأنها غير محظورة، وهي المعروفة بالعدل والإحسان، بمقتضى القرار عدد 06 بتاريخ 23/01/2004 في الملف الجنائي إرهاب عدد 1105/03/22.

وعليه، فنحن أمام جماعة قانونية، تعمل في إطار المشروعية، وغير محظورة، وأعضاؤها مواطنون مغاربة، كلهم غير محرومين من حقوقهم المدنية، ومع ذلك فالتنظيم مضيق عليه، لدرجة نعته بالمحظور من طرف الدولة المغربية، لخلق التبرير لدى الداخل والخارج، بمناسبة منع جماعة العدل والاحسان من كل الحقوق التي يخولها القانون للتكتلات والتنظيمات البشرية بالمغرب، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه للتمييز العنصري ضد أعضائها والمتعاطفين معها بمؤسسات متعددة داخل إدارات الدولة العمومية وشبه العمومية، وهو ما تجلى عمليا من خلال التضييق على المهندسين المنتمين لهذا التنظيم بالإدارات المركزية، وكذا دفع أعضائها من الأطر والمستخدمين بمؤسسة اتصالات المغرب إلى توقيع طلبات المغادرة الطوعية تحت تهديد النقل القسري لأبعد نقاط العمل بالمغرب، وأيضا حملة سابقة استهدفت إعفاء أو سحب رخص خطباء المساجد والوعاظ والقيمين الدينيين المنتمين لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

وتظل أبرز خطوة تمييزية هي إقدام السلطات المغربية خلال هذه المرحلة على شن حملتها داخل وزارة التعليم بتجريد كل المسؤولين المحليين والجهويين المنتمين أو المشكوك في انتمائهم لجماعة العدل والإحسان من مهام المسؤولية (مديرو ابتدائيات وثانويات، مفتشون، حراس عامون، مقتصدون، ومسؤولون جهويون)

إنه التمييز، المحظور دوليا، والذي يبرهن على عدم صدق المغرب، وعلى ممارسته التدليس على المجتمع الحقوقي الدولي، وهو يعرض تقريره بشأن أوضاع التمييز والعنصرية بالمغرب على النحو سالف البيان، والذي رسم صورة غير حقيقية لمغرب تعمل سلطاته بشكل مستمر في الزمان، وبوثيرة ممنهجة في التضييق على تنظيم سياسي وعلى المنتمين إليه ضدا على القانون الداخلي والدولي لحقوق الإنسان، ويستخلص منه أن واقع الحياة فوق التراب المغربي مناقضة تماما لما تدعيه التقارير من كون:

– أن المملكة المغربية المؤمنة بمبادئ حقوق الإنسان الملتزمة بها دستورياً كما هي مكرسة عالمياً، لم تفتأ تبادر إلى اتخاذ جميع التدابير القانونية والمؤسساتية الرامية إلى ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان ونبد التمييز العنصري بجميع أشكاله!!!

– تؤكد المملكة المغربية تشبتها الدائم بمبادئ الكرامة والمساواة بين جميع البشر!!!

– والمملكة تدين بشدة أي شكل من أشكال التمييز وتمنع أي نوع من أنواع اللامساواة داخل أراضيها!!!

– أنها كرست المساواة في تلقي الوظائف والمسؤوليات محددة سمو اعتبار الكفاءة العلمية والمهنية والبدنية عند الاقتضاء!!!

– واعتبارا لأحكام الدستور لا سيما الفصل الخامس منه، فإن المغاربة جميعا سواسية في الحقوق والواجبات، سواسية أمام القانون دون تمييز، سواء كان هذا التمييز مستندا إلى اعتبارات تتعلق باللغة أو الجنس أو الدين أو الثقافة أو الانتماء السياسي أو الثقافي أو الجهوي!!!

– أنها عملت على توفير الإطار التشريعي المناسب لإلغاء كل مظاهر التمييز في إطار منظور شمولي يستهدف بناء مشروع مجتمعي حداثي تشاركي!!!

ولئن صح ما أورده تقرير المملكة المغربية عن نفسها، فإن جماعة العدل والإحسان، وأعضائها؛ وكل الأشخاص والتنظيمات المعارضة فعليا؛ مستثنون من هذه الاعتبارات التي تحدث عنها المغرب، والتي تجعل مسؤولية الدولة قائمة بشأن ممارستها التمييز العنصري ضد فئة معينة من المواطنين المقيمين فوق التراب المغربي بسبب انتمائهم السياسي ومظهرهم الثقافي، وهي تسعى من خلال هذا الفعل المحظور كونيا إلى تكريس نمط العنصرية المقنعة والمختبئة خلف إطار تشريعي، وطغيان مبدأ الولاء المطلق والتبعية العمياء لفكر معين، بشأن التوظيف العام وإسناد المسؤولية.

خلاصة:

نستخلص مما سبق أن الدولة المغربية، من خلال هذا النمط التمييزي الممنهج في التعامل ضد جماعة العدل والإحسان، وضد أعضائها من خلال حملة الإعفاءات الأخيرة داخل قطاع الوظيفة العمومية بوزارة التربية والتكوين، تكون في وضعية غير المحترم لالتزاماته الدولية حيال مضامين اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري فوق أراضيها.

ففي الوقت الذي تتبنى مواقف تدعوا لمحاربة التمييز ضد المهاجرين السريين، وضد نزلاء السجون، نجدها تتعامل بنقيضه مع مكون سياسي جماهيري بالمغرب، وتنزل أعضاءه منزلة أقل من المقيمين غير الشرعيين، وأقل من فئة المجرمين نزلاء السجون، وفي هذا كبير الانتقاص من مواطنتهم وكرامتهم الإنسانية، وحرية التماسهم للأفكار السياسية وتبنيها.

وبالتالي فإن المجتمع الحقوقي المغربي، بكل ألوانه، ومؤسسات حقوق الإنسان، لكي لا تكون شريكا في الانتكاسة، هي مسؤولة مسؤولية مباشرة، في رفع الوقائع الظاهرة والثابتة للإجراءات والآليات الأممية المعنية، لوقف داء العنصرية المتجدد بالمغرب.