انتخب مجلس الشورى العام لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” اليوم السبت 6 ماي 2017 القيادي إسماعيل هنية رئيسا لمكتبها السياسي خلفا للأستاذ خالد مشعل. وهو بهذا يعتبر الرئيس الثالث للمكتب السياسي للحركة بعد الدكتور موسى أبو مرزوق (1992 – 1995)، وخالد مشعل (1996 – 2017).

ويأتي انتخاب هنية على رأس الحركة في سياق التجديد الذي تعرفه حماس خاصة أنه جاء متزامنا مع إعلانها عن وثيقتها الجديدة.

وأكد مشعل اليوم السبت عن انتهاء ولايته في رئاسة المكتب السياسي لحماس، مشيرا إلى أنه عرض عليه الكثير من المواقع والمناصب داخل الحركة ولكنه اعتذر عنها معتبرا أن الحركة “قدمت نموذجا سلسا في التحول القيادي داخل أطر ومؤسسات الحركة”، وأن “كل أبناء الحركة يصطفون خلف هنية والقيادة الجديدة”.

إسماعيل هنية.. دماء جديدة في شرايين قيادة الحركة

لقد طبعت شخصية هنية الحركة خاصة داخل قطاع غزة في مرحلة شهدت انتفاضات انطلقت شرارتها عام 1987، وثلاثة حروب شنها الاحتلال الصهيوني على القطاع، وحصارا مستمرا منذ أكثر من عشر سنوات. والرجل بهذا ركم تجربة سياسية وميدانية أهلته للمنصب الجديد.  

ولد عام 1963، في أسرة فلسطينية ذاقت مرارة اللجوء، وهو إلى الآن يقيم في حدأحد أحد المخيمات غرب مدينة غزة. وحصل على البكالوريوس في اللغة العربية، من الجامعة الإسلامية بغزة، وكان أحد الناشطين داخل “الكتلة الإسلامية” وهي الذراع الطلابي لحماس. وسبق تعرضه للاعتقال من قبل قوات الاحتلال عام 1989 وقضى في الأسر ثلاث سنوات.  وخلال الانتفاضة الأولى ظهر هنية كأحد قادة حماس الشباب، وكان لخطبه الأثر الكبير في الحشد والتعبئة. وفي أواخر عام 1992 أبعده الاحتلال إلى جنوب لبنان مع 416 من قياديي حركة حماس والجهاد الإسلامي، حيث استمر إبعاده لمدة عام.

وشغل هنية بعيد إفراج الاحتلال عن مؤسس الحركة أحمد ياسين عام 1997، منصب مدير مكتبه. وترأس خلال الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006 كتلة التغيير والإصلاح التابعة لحماس، والتي حصدت غالبية المقاعد، ليشكل الحكومة الفلسطينية العاشرة. وظل رئيسا لحكومة تسيير الأعمال في غزة، وترك منصبه منتصف 2014 بعد تشكيل حكومة التوافق الوطني، وكان يتولى حينها منصب: نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس.

خالد مشعل.. من القيادة إلى الجندية

تعتبر شخصيته خالد مشعل ذات طبيعة كاريزمية خاصة، ظهر تأثيرها الكبير على مسار حركة حماس، وعلى الصعيد الفلسطيني الداخلي، وعلى الصعيد العربي والإسلامي، مما جعله يكسب علاقات واسعة غذت الحركة بتعاطف واسع.

قاد مشعل حركة “حماس” في محطات حاسمة، من مرحلة المجموعات الصغيرة الملاحقة من قبل الاحتلال إلى مرحلة تحرير بغزة، حيث زاوجت الحركة بين الحكم والمقاومة، رغم تعقيدات الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية.

ولد مشعل في بيت شارك صاحبه مع تلاميذ الشيخ عز الدين القسام ومع الشهيد عبد القادر الحسيني، في مقاومة الانتداب البريطاني وفي ثورة 1936م، مما غرس الروح الوطنية والجهادية في نفسه مبكرا. وهاجر مع أسرته ف عام 1967 إلى الكويت، وظل هناك حتى اندلاع أزمة الخليج عام 1990.

أكمل تعليمه الإعدادي والثانوي والجامعي في الكويت، وحصل على بكالوريوس فيزياء من جامعة الكويت عام 1978.

انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينيين عام 1971، وقاد التيار الإسلامي الفلسطيني في جامعة الكويت، وشارك عام 1977م في تأسيس قائمة الحق الإسلامية وكان أول رئيس لها. وعمل مدرساً للفيزياء في مدارس الكويت حتى عام 1984م، وتفرغ بعدها للعمل في خدمة القضية الفلسطينية، وفي بناء لجان ومؤسسات متعددة للعمل الوطني الفلسطيني والتي كانت النواة لإنشاء حركة “حماس” بعد ذلك.

كان عضواً في المكتب السياسي لحركة حماس منذ تأسيسه، وانتخب رئيساً له في عام 1996.

ومن أبرز المحطات في مسار مشعل تعرضه لمحاولة اغتيال فاشلة يوم 25/9/1997، في العاصمة الأردنية عمان على أيدي عميلين للموساد “الإسرائيلي”، وعلى إثرها، وفي ظل ضغط الملك حسين اضطرت “إسرائيل” إلى إحضار مصل العلاج من السم الذي استعملته في المحاولة، والإفراج عن الشيخ أحمد ياسين الذي كان محكوما عليه بالسجن مدى الحياة مقابل إطلاق سراح العميلين، وهو ما تمَّ بالفعل.

وبعد قرار الأردن إغلاق مكاتب “حماس” في سبتمبر 1999م، تم إبعاده عن أراضيها مع ثلاثة آخرين من قيادات الحركة إلى العاصمة القطرية الدوحة حيث أقام فيها حتى بداية عام 2001م حيث انتقل بعدها إلى سوريا وأقام فيها قرابة أحد عشر عاما، في مرحلة زاخرة بالأحداث والتطورات، خاصة الانتفاضة الثانية عام 2000م. وفي دمشق حصل على إجازة في القرآن الكريم بالسند المتصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم برواية حفص عن عاصم. ولكن إثر تعقيدات الوضع في سوريا بعد اندلاع الثورة السورية، غادر مشعل دمشق في يناير 2012 إلى الدوحة، حيث أقام فيها حتى الآن.

وأتاح انتصار المقاومة بغزة في معركة حجارة السجيل عام 2012، وصول مشعل صباح الجمعة 7/12/2012 على رأس وفد من قادة الحركة في الخارج، إلى غزة، في زيارة تاريخية هي الأولى له من نوعها، عبر معبر رفح البري مع مصر، وسط استقبال رسمي وفصائلي وشعبي حافل على مدار أيام الزيارة الثلاثة.

إذا كانت حركة حماس قد أعطت المثال على مسؤولية قيادتها وتفانيها وثباتها وبذلها في خدمة القضية على مدى رئاسة مشعل لمكتبها السياسي، فإنها تعطي الآن المثال على قدرة القيادات السابقة على العودة إلى صفوف الجند تحت إمرة القيادة اللاحقة.